[رفع الملام عن الأئمة الأعلام] اعتقاد النووي غفر الله
لقد وافق النووي غفر الله له الأشاعرة في تأويل بعض الصفات مع سلامة أصله في الجملة في هذا الباب، لكنه خالف الأشاعرة في منهج النظر والاستدلال، وفي أول واجب على المكلف، وفي الإيمان، وفي القرآن والكلام، وغير ذلك، فليس من الإنصاف قول من قال أن النووي أشعري، نعم وافق الأشاعرة في أشياء، أو أشعري في باب الصفات -على تقدير أنه لم يتراجع عن ذلك-، لكن في جملة أبواب العقيدة هو موافق للسلف أهل السنة والجماعة إجمالا.
وفي اسفل التغريدة بيان ذلك..!!!
لقد وافق النووي غفر الله له الأشاعرة في تأويل بعض الصفات مع سلامة أصله في الجملة في هذا الباب، لكنه خالف الأشاعرة في منهج النظر والاستدلال، وفي أول واجب على المكلف، وفي الإيمان، وفي القرآن والكلام، وغير ذلك، فليس من الإنصاف قول من قال أن النووي أشعري، نعم وافق الأشاعرة في أشياء، أو أشعري في باب الصفات -على تقدير أنه لم يتراجع عن ذلك-، لكن في جملة أبواب العقيدة هو موافق للسلف أهل السنة والجماعة إجمالا.
وفي اسفل التغريدة بيان ذلك..!!!
[أخلاق النووي غفر الله له وصفاته]
هو: النووي الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء، محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحزامي الحوراني الشافعي، صاحب التصانيف النافعة١.
قال الامام ابن العطار رحمه الله تلميذه النووي: ذكر لي شيخنا -يعني النووي- أنه كان لا يضيع له وقتًا لا في ليل ولا في نهار إلا في اشتغال حتى في الطرق، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق.
قلت -القائل الامام الذهبي رحمه الله: مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها، كان حافظًا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله رأسًا في معرفة المذهب.
وكان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار ويكتب إليهم ويخوفهم بالله تعالى.
قال. الامام ابن كثير رحمه الله: وقد كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري والانجماح عن الناس على جانب كبير، لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره، وكان يصوم الدهر ولا يجمع بين إدامين، وكان غالب قوته مما يحمله إليه أبوه من نوى.. وكان لا يضيع شيئًا من أوقاته.
هو: النووي الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء، محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحزامي الحوراني الشافعي، صاحب التصانيف النافعة١.
قال الامام ابن العطار رحمه الله تلميذه النووي: ذكر لي شيخنا -يعني النووي- أنه كان لا يضيع له وقتًا لا في ليل ولا في نهار إلا في اشتغال حتى في الطرق، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق.
قلت -القائل الامام الذهبي رحمه الله: مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها، كان حافظًا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله رأسًا في معرفة المذهب.
وكان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار ويكتب إليهم ويخوفهم بالله تعالى.
قال. الامام ابن كثير رحمه الله: وقد كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري والانجماح عن الناس على جانب كبير، لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره، وكان يصوم الدهر ولا يجمع بين إدامين، وكان غالب قوته مما يحمله إليه أبوه من نوى.. وكان لا يضيع شيئًا من أوقاته.
اشتغال النووي بعلم الحديث والفقه
لم يصنف الإمام النووي مصنفًا في العقيدة يُذكر، ولا كان من المتخصصين فيها وأرباب تحريرها، بل كان منشغلًا بالحديث والفقه واللغة، على قصر عمره -عاش ٤٥ عامًا-، والأخطاء التي وقع فيها في العقيدة جلها في باب الصفات، حيث وافق الأشاعرة -في شرحه لمسلم- في مسلك التفويض أحيانًا وفي مسلك التأويل أحيانًا كثيرة، وأحيانًا يوافق السلف، وليس للنووي إلا مجرد الكلام على الأحاديث التي وردت في صحيح مسلم في كتاب الإيمان وغيره، وله كلام قليل مفرق في بعض كتبه، وكان معتمدًا في شرحه لمسلم على كلام القاضي عياض وكلام أبي عبد الله المازري، فأما القاضي عياض فقد تأثر بالأشعرية، وأما المازري فهو أشعري صرف، كما أن العصر الذي نشأ فيه النووي عصر انتشرت فيه العقيدة الأشعرية واعتقدها حكام ذلك الوقت وعلماؤه، كالرازي (ت٦٠٦هـ) وهو إمام الأشاعرة المتأخرين الذي ضبط مذهبهم وقعَّد أصولهم، وخلفه الآمدي (ت٦٣١هـ) والآرموي (ت٦٨٢هـ) وانتشرت العقيدة الأشعرية في الشام ومصر، والنووي لم يحرر هذه المسائل العقدية، ومع ذلك لم يكن النووي أشعريًّا خالصًا في عقيدته؛ فاعتناؤه بالكتاب والسنة مع تجرده وشدة ورعه عصمه من كثير من زلات الأشاعرة والمتكلمين كما سيظهر ذلك من نقل كلامه المتفق مع السلف أهل السنة والجماعة..
فهو على منهج السلف وأهل السنة والجماعة إجمالًا، وقد دافع الإمام النووي عن عقيدة السلف في مسائل كثيرة في الاعتقاد..!!
لم يصنف الإمام النووي مصنفًا في العقيدة يُذكر، ولا كان من المتخصصين فيها وأرباب تحريرها، بل كان منشغلًا بالحديث والفقه واللغة، على قصر عمره -عاش ٤٥ عامًا-، والأخطاء التي وقع فيها في العقيدة جلها في باب الصفات، حيث وافق الأشاعرة -في شرحه لمسلم- في مسلك التفويض أحيانًا وفي مسلك التأويل أحيانًا كثيرة، وأحيانًا يوافق السلف، وليس للنووي إلا مجرد الكلام على الأحاديث التي وردت في صحيح مسلم في كتاب الإيمان وغيره، وله كلام قليل مفرق في بعض كتبه، وكان معتمدًا في شرحه لمسلم على كلام القاضي عياض وكلام أبي عبد الله المازري، فأما القاضي عياض فقد تأثر بالأشعرية، وأما المازري فهو أشعري صرف، كما أن العصر الذي نشأ فيه النووي عصر انتشرت فيه العقيدة الأشعرية واعتقدها حكام ذلك الوقت وعلماؤه، كالرازي (ت٦٠٦هـ) وهو إمام الأشاعرة المتأخرين الذي ضبط مذهبهم وقعَّد أصولهم، وخلفه الآمدي (ت٦٣١هـ) والآرموي (ت٦٨٢هـ) وانتشرت العقيدة الأشعرية في الشام ومصر، والنووي لم يحرر هذه المسائل العقدية، ومع ذلك لم يكن النووي أشعريًّا خالصًا في عقيدته؛ فاعتناؤه بالكتاب والسنة مع تجرده وشدة ورعه عصمه من كثير من زلات الأشاعرة والمتكلمين كما سيظهر ذلك من نقل كلامه المتفق مع السلف أهل السنة والجماعة..
فهو على منهج السلف وأهل السنة والجماعة إجمالًا، وقد دافع الإمام النووي عن عقيدة السلف في مسائل كثيرة في الاعتقاد..!!
[العقيدة الأشعرية اتسمت بالتطور والاضطراب في آن واحد]
وقبل أن ننقل من كلامه ما يدل على ذلك نذكر بأن العقيدة الأشعرية اتسمت بالتطور والاضطراب في آن واحد، ولم تكن ثابتة منذ مؤسسها أبو الحسن الأشعري، مرورًا بالرازي وانتهاء بالإيجي (ت٧٥٦هـ) الذي يمثل كتابه [المواقف] الصياغة النهائية لمذهب الأشاعرة -تقريبًا-، فمن الأمور المسلمة لدى الأشاعرة وغيرهم أن أقوال الأشاعرة تعددت واختلفت في مسائل عديدة من مسائل العقيدة، وكل عَلَم من أعلامهم حوت مؤلفاته ورسائله آراء توصل إليها إما باجتهاده أو تقليدًا لأحد أعلام عصره أو مدرسته ممن تلقى على يديه العلوم والمعارف، فأصبح ذا منهج مستقل، ثم قد يرجع عن بعض أقواله في مؤلف أو مؤلفات أخرى فتكثر الأقوال وتتعدد المناهج.
ويعتبر الأشاعرة مثل هذا الاختلاف أو التعدد في الأقوال اجتهادًا داخل المذهب لا يؤثر عليه، ويجدون التفسير المناسب لمثل ذلك، فيقولون مثلًا في بعض الصفات الخبرية: قال قدماء أصحابنا أو شيوخنا بإثباتها مع التفويض ونفي التشبيه، ثم يذكرون القول الثاني بالتأويل تنزيها لله عن مشابهة المخلوقات، والقولان -عندهم- صحيحان ولا تعارض بينهما، والعجيب أن يتلقى الأشاعرة بعضهم عن بعض مثل هذا، لا يتوقفون عنده، ولا يثيرهم ما فيه من تناقض.
وقبل أن ننقل من كلامه ما يدل على ذلك نذكر بأن العقيدة الأشعرية اتسمت بالتطور والاضطراب في آن واحد، ولم تكن ثابتة منذ مؤسسها أبو الحسن الأشعري، مرورًا بالرازي وانتهاء بالإيجي (ت٧٥٦هـ) الذي يمثل كتابه [المواقف] الصياغة النهائية لمذهب الأشاعرة -تقريبًا-، فمن الأمور المسلمة لدى الأشاعرة وغيرهم أن أقوال الأشاعرة تعددت واختلفت في مسائل عديدة من مسائل العقيدة، وكل عَلَم من أعلامهم حوت مؤلفاته ورسائله آراء توصل إليها إما باجتهاده أو تقليدًا لأحد أعلام عصره أو مدرسته ممن تلقى على يديه العلوم والمعارف، فأصبح ذا منهج مستقل، ثم قد يرجع عن بعض أقواله في مؤلف أو مؤلفات أخرى فتكثر الأقوال وتتعدد المناهج.
ويعتبر الأشاعرة مثل هذا الاختلاف أو التعدد في الأقوال اجتهادًا داخل المذهب لا يؤثر عليه، ويجدون التفسير المناسب لمثل ذلك، فيقولون مثلًا في بعض الصفات الخبرية: قال قدماء أصحابنا أو شيوخنا بإثباتها مع التفويض ونفي التشبيه، ثم يذكرون القول الثاني بالتأويل تنزيها لله عن مشابهة المخلوقات، والقولان -عندهم- صحيحان ولا تعارض بينهما، والعجيب أن يتلقى الأشاعرة بعضهم عن بعض مثل هذا، لا يتوقفون عنده، ولا يثيرهم ما فيه من تناقض.
[أبرز مظاهر التطور في المذهب الأشعري]
والحق أن التطور في المذهب الأشعري لم يكن في مسألة من المسائل بحيث لا يؤبه له، ولا يلفت النظر، بل كان تطورا في الأصول والمناهج، ويتعدى ذلك إلى مسائل عديدة في العقيدة، وقد كان أبرز مظاهر التطور في المذهب الأشعري ما يلي:
أ – القرب من أهل الكلام والاعتزال.
ب – الدخول في التصوف، والتصاق المذهب الأشعري به.
ج – الدخول في الفلسفة، وجعلها جزءًا من المذهب
والحق أن التطور في المذهب الأشعري لم يكن في مسألة من المسائل بحيث لا يؤبه له، ولا يلفت النظر، بل كان تطورا في الأصول والمناهج، ويتعدى ذلك إلى مسائل عديدة في العقيدة، وقد كان أبرز مظاهر التطور في المذهب الأشعري ما يلي:
أ – القرب من أهل الكلام والاعتزال.
ب – الدخول في التصوف، والتصاق المذهب الأشعري به.
ج – الدخول في الفلسفة، وجعلها جزءًا من المذهب
[موافقة النووي للسلف في جملة أبواب العقيدة]
وبعد هذه المقدمة ننقل من كلام النووي غفر الله له ما وقفنا عليه مما قرر فيه عقيدة السلف أهل السنة والجماعة مخالفًا فيه الأشاعرة:
أولا: منهجه في النظر والاستدلال
قال النووي غفر الله له: "وأما أصل واجب الإسلام وما يتعلق بالعقائد فيكفي فيه التصديق بكل ما جاء به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واعتقاده اعتقادًا جازمًا سليمًا من كل شك، ولا يتعين على من حصل له هذا تعلم أدلة المتكلمين، هذا هو الصحيح الذي أطبق عليه السلف والفقهاء والمحققون من المتكلمين من أصحابنا وغيرهم؛ فإن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يطالب أحدًا بشيء سوى ما ذكرناه، وكذلك الخلفاء الراشدون ومن سواهم من الصحابة فمن بعدهم من الصدر الأول، بل الصواب للعوام وجماهير المتفقهين والفقهاء الكف عن الخوض في دقائق الكلام؛ مخافة من اختلال يتطرق إلى عقائدهم يصعب عليهم إخراجه، بل الصواب لهم الاقتصار على ما ذكرناه من الاكتفاء بالتصديق الجازم، وقد نص على هذه الجملة جماعات من حذاق أصحابنا وغيرهم، وقد بالغ إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى في تحريم الاشتغال بعلم الكلام أشد مبالغة وأطنب في تحريمه وتغليظ العقوبة لمتعاطيه وتقبيح فعله وتعظيم الإثم فيه"
وقال غفر الله له: "فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل"
وبعد هذه المقدمة ننقل من كلام النووي غفر الله له ما وقفنا عليه مما قرر فيه عقيدة السلف أهل السنة والجماعة مخالفًا فيه الأشاعرة:
أولا: منهجه في النظر والاستدلال
قال النووي غفر الله له: "وأما أصل واجب الإسلام وما يتعلق بالعقائد فيكفي فيه التصديق بكل ما جاء به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واعتقاده اعتقادًا جازمًا سليمًا من كل شك، ولا يتعين على من حصل له هذا تعلم أدلة المتكلمين، هذا هو الصحيح الذي أطبق عليه السلف والفقهاء والمحققون من المتكلمين من أصحابنا وغيرهم؛ فإن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يطالب أحدًا بشيء سوى ما ذكرناه، وكذلك الخلفاء الراشدون ومن سواهم من الصحابة فمن بعدهم من الصدر الأول، بل الصواب للعوام وجماهير المتفقهين والفقهاء الكف عن الخوض في دقائق الكلام؛ مخافة من اختلال يتطرق إلى عقائدهم يصعب عليهم إخراجه، بل الصواب لهم الاقتصار على ما ذكرناه من الاكتفاء بالتصديق الجازم، وقد نص على هذه الجملة جماعات من حذاق أصحابنا وغيرهم، وقد بالغ إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى في تحريم الاشتغال بعلم الكلام أشد مبالغة وأطنب في تحريمه وتغليظ العقوبة لمتعاطيه وتقبيح فعله وتعظيم الإثم فيه"
وقال غفر الله له: "فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل"
ثانيا: أول واجب على المكلف
قال النووي غفر الله له: "قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في الرواية الأخرى: «أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به» فيه بيان ما اختصر في الروايات الأخر من الاقتصار على قول لا إله إلا الله، وقد تقدم بيان هذا، وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها، خلافًا لمن أوجب ذلك وجعله شرطًا في كونه من أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأ ظاهر."
فيرى النووي غفر الله له أن أول واجب هو الإقرار بالشهادتين، وليس النظر أو القصد إلى النظر، أو الشك كما يراه المتكلمون والأشاعرة.
قال النووي غفر الله له: "قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في الرواية الأخرى: «أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به» فيه بيان ما اختصر في الروايات الأخر من الاقتصار على قول لا إله إلا الله، وقد تقدم بيان هذا، وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها، خلافًا لمن أوجب ذلك وجعله شرطًا في كونه من أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأ ظاهر."
فيرى النووي غفر الله له أن أول واجب هو الإقرار بالشهادتين، وليس النظر أو القصد إلى النظر، أو الشك كما يراه المتكلمون والأشاعرة.
وقال أيضا: "قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله: وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزمًا من غير شك وتزلزل، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة؛ وذلك أنه صلَّى الله عليه وسلَّم قرر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية. هذا كلام الشيخ. وفي هذا الحديث: العمل بخبر الواحد، وفيه غير ذلك، والله أعلم"
[أدلته على التوحيد]
بينما يعتمد الأشاعرة على دليل الحدوث [الجوهر والعرض] كأشهر دليل في إثبات وجود الله، يعتمد النووي غفر الله له على دليل الخلق والإتقان كما تقدم في النص السابق، ويعتمد أيضًا على دليل الفطرة، وفي كل هذا هو موافق للسلف:
قال النووي: "قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «على الفطرة» أي: على الإسلام. وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خرجت من النار» أي: بالتوحيد"
وقال أيضا: "والأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام، فمن كان أبواه أو أحدهما مسلما استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى «يهودانه وينصرانه ويمجسانه» أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمر عليه حكم الكفر ودينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم وإلا مات على كفره، وإن مات قبل بلوغه فهل هو من أهل الجنة أم النار أم يتوقف فيه؟ ففيه المذاهب الثلاثة السابقة قريبا"
بينما يعتمد الأشاعرة على دليل الحدوث [الجوهر والعرض] كأشهر دليل في إثبات وجود الله، يعتمد النووي غفر الله له على دليل الخلق والإتقان كما تقدم في النص السابق، ويعتمد أيضًا على دليل الفطرة، وفي كل هذا هو موافق للسلف:
قال النووي: "قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «على الفطرة» أي: على الإسلام. وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خرجت من النار» أي: بالتوحيد"
وقال أيضا: "والأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام، فمن كان أبواه أو أحدهما مسلما استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى «يهودانه وينصرانه ويمجسانه» أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمر عليه حكم الكفر ودينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم وإلا مات على كفره، وإن مات قبل بلوغه فهل هو من أهل الجنة أم النار أم يتوقف فيه؟ ففيه المذاهب الثلاثة السابقة قريبا"
ثالثا: القرآن والكلام
قال النووي: "قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في موسى صلَّى الله عليه وسلَّم: «الذي كلمه الله تكليمًا» هذا بإجماع أهل السنة على ظاهره، وأن الله تعالى كلم موسى حقيقة كلامًا سمعه بغير واسطة، ولهذا أكد بالمصدر، والكلام صفة ثابتة لله تعالى لا يشبه كلام غيره."
وهذا النص للنووي من شرح مسلم يدل على أن هذا المعتقد الموافق للسلف قديم عند النووي غفر الله له
قال النووي: "قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في موسى صلَّى الله عليه وسلَّم: «الذي كلمه الله تكليمًا» هذا بإجماع أهل السنة على ظاهره، وأن الله تعالى كلم موسى حقيقة كلامًا سمعه بغير واسطة، ولهذا أكد بالمصدر، والكلام صفة ثابتة لله تعالى لا يشبه كلام غيره."
وهذا النص للنووي من شرح مسلم يدل على أن هذا المعتقد الموافق للسلف قديم عند النووي غفر الله له
ومما تقدم نلاحظ أن الإمام النووي إنما وافق الأشاعرة في تأويل الصفات مع سلامة أصله في الجملة في هذا الباب، لكنه خالف الأشاعرة في منهج النظر والاستدلال، وفي أول واجب على المكلف، وفي الإيمان، وفي القرآن والكلام، وغير ذلك، فليس من الإنصاف قول من قال أن الإمام النووي أشعري، نعم وافق الأشاعرة في أشياء، أو أشعري في باب الصفات -على تقدير أنه لم يتراجع عن ذلك-، لكن في جملة أبواب العقيدة هو موافق للسلف أهل السنة والجماعة إجمالا.
و النووي ذهب مذهب السلف أهل السنة والجماعة في الصفات وغيرها وإن أخطأ في شرحه لصحيح مسلم في الصفات
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولما اجتمعنا بدمشق وأحضر فيما أحضر كتب أبي الحسن الأشعري: مثل (المقالات) و(الإبانة) وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وابن فورك والبيهقي وغيرهم. وأحضر كتاب (الإبانة) وما ذكر ابن عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري) وقد نقله بخطه [أبو زكريا النووي].
وقال فيه: فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة: فعرفونا قولكم الذي به تقولون. قيل له: قولنا: التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث. ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين..
ثم قال: باب ذكر الاستواء.
فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء: قيل بأن الله مستو على عرشه. كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.."
و النووي ذهب مذهب السلف أهل السنة والجماعة في الصفات وغيرها وإن أخطأ في شرحه لصحيح مسلم في الصفات
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولما اجتمعنا بدمشق وأحضر فيما أحضر كتب أبي الحسن الأشعري: مثل (المقالات) و(الإبانة) وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وابن فورك والبيهقي وغيرهم. وأحضر كتاب (الإبانة) وما ذكر ابن عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري) وقد نقله بخطه [أبو زكريا النووي].
وقال فيه: فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة: فعرفونا قولكم الذي به تقولون. قيل له: قولنا: التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث. ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين..
ثم قال: باب ذكر الاستواء.
فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء: قيل بأن الله مستو على عرشه. كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.."
[تفريق الشرع بين الحكم المطلق على القول والفعل وبين الحكم المعيَّن على الشخص]
وهنا ملحظ مهم عند الحكم على الشخص المعيَّن تكفيرا أو تبديعا أو تفسيقا أو لعنا أو غير ذلك، فيجب التفريق بين الحكم المطلق على القول والفعل وبين الحكم المعيَّن على الشخص؛ لأن الشرع الحكيم فرق بينهما، والأصل في ذلك أدلة كثيرة منها: أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لعن في الخمر عشرة، منهم شاربها.. ومع ذلك لما جيء له برجل كثيرًا ما كان يشرب الخمر وأمر بجلده لعنه بعض الحاضرين، فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله».
فهذا في جانب السلوك وهو يدل على أنه ليس كل من شرب الخمر يُحكم عليه باللعن..
ومنها: ما أخبر به صلَّى الله عليه وسلَّم عن رجل ممن سلف: «كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا. فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له».
فهذا رجل قد شك في عموم قدرة الله، وأن الله يبعثه وقد تفرق جسده بهذه الصفة ومع ذلك غفر الله له، فهذا الحديث في جانب الاعتقاد، ومع أن هذا الاعتقاد مكفر إلا أن هذا الرجل لم يكفر، ويدل على أنه ليس كل من وقع في الكفر كافر وليس كل من وقع في البدعة مبتدع، فإن الحكم على الشخص المعين لا بد فيه من توفر الشروط وانتفاء الموانع، فالصواب أن كل من اجتهد في أخذ الحق من جهة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وتعظيم النص الشرعي فإنه يُحكم له بالإسلام والسنة وإن أخطأ في أصل أو في جزئيات فإن خطأه هذا لا يخرجه عن السنة، بل يقال: فيه أشعرية أو اعتزال أو نحو ذلك، كما قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، ولم يقل له إنك جاهلي، وكما اعتبر العلماء ما وقع فيه قتادة من اعتقاده أن الله لم يقدر المعاصي خطأ وزلة
قال الشاطبي رحمه الله: "أن يصح كونه مجتهدًا، فالابتداع منه لا يقع إلا فلتة وبالعرض لا بالذات، وإنما تسمى غلطة أو زلة; لأن صاحبها لم يقصد اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل الكتاب; أي: لم يتبع هواه، ولا جعله عمدة، والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق; أذعن له وأقر به."
ويوجد لآحاد السلف والأئمة زلات مثل هذه، وهي وإن كانت بدعا ومخالفة للإجماع إلا أن صاحبها لا يعد مبتدعا؛ لصحة أصوله ومنطلقه.
وهنا ملحظ مهم عند الحكم على الشخص المعيَّن تكفيرا أو تبديعا أو تفسيقا أو لعنا أو غير ذلك، فيجب التفريق بين الحكم المطلق على القول والفعل وبين الحكم المعيَّن على الشخص؛ لأن الشرع الحكيم فرق بينهما، والأصل في ذلك أدلة كثيرة منها: أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لعن في الخمر عشرة، منهم شاربها.. ومع ذلك لما جيء له برجل كثيرًا ما كان يشرب الخمر وأمر بجلده لعنه بعض الحاضرين، فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله».
فهذا في جانب السلوك وهو يدل على أنه ليس كل من شرب الخمر يُحكم عليه باللعن..
ومنها: ما أخبر به صلَّى الله عليه وسلَّم عن رجل ممن سلف: «كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا. فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له».
فهذا رجل قد شك في عموم قدرة الله، وأن الله يبعثه وقد تفرق جسده بهذه الصفة ومع ذلك غفر الله له، فهذا الحديث في جانب الاعتقاد، ومع أن هذا الاعتقاد مكفر إلا أن هذا الرجل لم يكفر، ويدل على أنه ليس كل من وقع في الكفر كافر وليس كل من وقع في البدعة مبتدع، فإن الحكم على الشخص المعين لا بد فيه من توفر الشروط وانتفاء الموانع، فالصواب أن كل من اجتهد في أخذ الحق من جهة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وتعظيم النص الشرعي فإنه يُحكم له بالإسلام والسنة وإن أخطأ في أصل أو في جزئيات فإن خطأه هذا لا يخرجه عن السنة، بل يقال: فيه أشعرية أو اعتزال أو نحو ذلك، كما قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، ولم يقل له إنك جاهلي، وكما اعتبر العلماء ما وقع فيه قتادة من اعتقاده أن الله لم يقدر المعاصي خطأ وزلة
قال الشاطبي رحمه الله: "أن يصح كونه مجتهدًا، فالابتداع منه لا يقع إلا فلتة وبالعرض لا بالذات، وإنما تسمى غلطة أو زلة; لأن صاحبها لم يقصد اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل الكتاب; أي: لم يتبع هواه، ولا جعله عمدة، والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق; أذعن له وأقر به."
ويوجد لآحاد السلف والأئمة زلات مثل هذه، وهي وإن كانت بدعا ومخالفة للإجماع إلا أن صاحبها لا يعد مبتدعا؛ لصحة أصوله ومنطلقه.
وهذا المنهج سار عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مع مخالفيه، فهو يسلك معهم أمرين:
أحدهما: أن القاعدة عنده التي يطبقها على الأشاعرة وغيرهم هي التفريق بين العقيدة المسطرة في الكتب وبين أصحابها، فهو يحكم على ما هو مدون أو منقول من عقائد هؤلاء وأدلتهم ومناقشاتهم، ويبين ما في ذلك من خطأ أو صواب، فإذا ما وصل في الحديث إلى الشخص نفسه صاحب العقيدة فإنه ينظر إليه نظرة أخرى مبنية على:
أ – أنه قد يكون صادقًا في خدمته للإسلام، ولا يحمل غشًّا لأهله، ولذلك فهو لا يتعمد الكذب والافتراء.
ب – أنه مجتهد، وأن هذا الذي قاله هو مبلغ علمه، أو أنه كان مقلدًا لغيره في هذه المسائل.
جـ – ما مات عليه هذا العَلَم، فقد يكون ممن رجع وتاب، وصرح بذلك أو أنه في آخر عمره رضي مسلك أهل الحديث.
والثاني: أن لهؤلاء الأعلام -على أخطائهم- جهودًا لا تُنكر في الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن العقيدة، والرد على أعدائها من الملاحدة والمتفلسفة والرافضة وغيرهم، وهي جهود تكون في موازينهم يوم القيامة ولا يُحرمون أجرها عند الله تعالى
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقَلَّ طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع، ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين والفقه والزهد والتفسير والحديث من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال ويحكي من مقالات الناس ألوانًا والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره؛ لعدم علمه به لا لكراهته لما عليه الرسول"
وقال رحمه الله -بعد ذكر جماعة من الأشاعرة كأبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، ومن تبعهما-: "ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف.
لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه؛ فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل. وخيار الأمور أوسطها.
وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾."
أحدهما: أن القاعدة عنده التي يطبقها على الأشاعرة وغيرهم هي التفريق بين العقيدة المسطرة في الكتب وبين أصحابها، فهو يحكم على ما هو مدون أو منقول من عقائد هؤلاء وأدلتهم ومناقشاتهم، ويبين ما في ذلك من خطأ أو صواب، فإذا ما وصل في الحديث إلى الشخص نفسه صاحب العقيدة فإنه ينظر إليه نظرة أخرى مبنية على:
أ – أنه قد يكون صادقًا في خدمته للإسلام، ولا يحمل غشًّا لأهله، ولذلك فهو لا يتعمد الكذب والافتراء.
ب – أنه مجتهد، وأن هذا الذي قاله هو مبلغ علمه، أو أنه كان مقلدًا لغيره في هذه المسائل.
جـ – ما مات عليه هذا العَلَم، فقد يكون ممن رجع وتاب، وصرح بذلك أو أنه في آخر عمره رضي مسلك أهل الحديث.
والثاني: أن لهؤلاء الأعلام -على أخطائهم- جهودًا لا تُنكر في الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن العقيدة، والرد على أعدائها من الملاحدة والمتفلسفة والرافضة وغيرهم، وهي جهود تكون في موازينهم يوم القيامة ولا يُحرمون أجرها عند الله تعالى
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقَلَّ طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع، ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين والفقه والزهد والتفسير والحديث من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال ويحكي من مقالات الناس ألوانًا والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره؛ لعدم علمه به لا لكراهته لما عليه الرسول"
وقال رحمه الله -بعد ذكر جماعة من الأشاعرة كأبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، ومن تبعهما-: "ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف.
لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه؛ فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل. وخيار الأمور أوسطها.
وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾."
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: موقفنا من أبي بكر الباقلاني، والبيهقي، وأبي الفرج ابن الجوزي، وأبي زكريا النووي، وابن حجر، وأمثالهم ممن تأول بعض صفات الله تعالى، أو فوَّضوا في أصل معناها: أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم، فرحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة رضي الله عنهـم وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالخير، وأنهم أخطأوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة رحمهم الله، سواء تأولوا الصفات الذاتية، وصفات الأفعال، أم بعض ذلك.
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم
جاري تحميل الاقتراحات...