𝒵𝒜ℐ𝒟𝒜𝒩
𝒵𝒜ℐ𝒟𝒜𝒩

@Madridsta49

162 تغريدة 1 قراءة Apr 04, 2024
اللهم صل على محمد النبى وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ..أما بعد
هذه سلسلة ضخمة حول موضوع الاخلاق سرد تاريخي و حديث ومعاصر ثم سأفرد سلسلة مستقلة عن الاخلاق بالاسلام وأرحب بالمشاركات بعد الانتهاء من كامل الموضوع
ونسأل الله التوفيق.
مقدمة:
السلوك الإنسانى عامة ليس سلوكا عشوائيا والسلوك الأخلاقى خاصة يصدر عن دوافع معينة هى الجبرية الأخلاقية التى يمكن للإنسان أن يخالف دواعيها بشكل من الأشكال ..
ولما كانت درجة الإلتزام الأخلاقى مبنية على درجة الإلزام ولما كان من أهم خصائص الأخلاق القويمة مدى ما فيها من قوة =
تدفع الانسان إلى العمل بها كان الإلزام من أهم الأسس التى يقوم عليها صرح بناء الأخلاق ..
وقد تفرقت الفلسفة فى مذاهب شتى بهذا الصدد كل منها يرد هذا الإلزام إلى أحد مكونات الطبيعة الإنسانية ويتلافى ما عداه ولا يوجد شىء فى الحقيقة أدعى إلى الحيرة من الإنسان فهو صنع عجيب فلم يفلحوا =
فى وضع سلطة تتأدى بنفاذها القوة المنفذة لقانون عالمى للأخلاق ولا أن يجدوا حافزا يكفى لأن يبعث فى النفوس الرغبة الصادقة فى اتباع الحق والتنكب عن الباطل ..
فى حين نجد نظرة الإسلام على الطبيعة الإنسانية وخصائصها أكثر شمولا واتساعا باعتبار أن الإنسان كل لا يتجزأ ولا بد لكى =
يستقيم سلوكه من ضرورة التنسيق بين كل تلك الجوانب حتى يؤدى كل جانب منها وظيفته فى حراسة قانون أخلاقى يهدف الإنسان إلى تحقيقة.
نبدء الدخول في التفاصيل:
1-فى الفلسفة اليونانية
لقد اعتبر الفلاسفة اليونانيين الأخلاق فرعا من فروع الفلسفة وقد درسوا معظم القضايا الأخلاقية إن لم يكن =
جميعها وكان لهم أكبر الأثر فى الفلسفات اللاحقة بحيث يسهل أن نرى بصماتهم واضحة فى الفكر الفلسفى فى العصور الوسطى والعصر الحديث بل لا أكون مبالغ لو قلت إن لكل نظرية فلسفية عامة أو أخلاقية خاصة ظهرت بعد العصر اليونانى جذورا يونانية ..
=
أ-بين السوفسطائيين وسقراط:لقد كان للسوفسطائيين عناية خاصة بالإنسان والارتفاع به فوق الطبيعة ولكنهم قد أسرفوا فجعلوه مقياسا للخير والشر والحق والباطل والجمال والقبح وقد كان سقراط دائما على النقيض من هؤلاء يؤمن بالقيم الخالدة قيم الخير و الحق والجمال ويعتبرها معايير مسبقة =
تحكم فعل الإنسان .
هذا وتعتبر السفسطة الجد الأعلى للمذاهب الإلحادية وإن لم يكن السوفسطائيين ممن يدعون للإلحاد أو اللادينية ولم يشتهر ذلك عنهم :
لقد زعم السوفسطائيين أن الطبيعة الإنسانية شهوة وهوى وأن القوانين الوضعية ما هى إلا تحد لها : ومن ثم كانت تلك القوانين نسبية وغير =
واجبة الاحترام فهم لا يعترفون بمصدر للإلزام الخلقى أصلا سوى تلك القوانين الوضعية بل بناء على ذلك لا معنى عندهم للفعل الخلقى
وقد ذهب سقراط إلى ضرورة الإيمان بأن القوانين الواجبة صادرة عن العقل ومطابقة للطبيعة الحقة وهى صورة من قوانين غير مكتوبة رسمها الخالق فى قلوب البشر والإنسان=
بفطرته يبحث عن السعادة فإذا علم أن الفضيلة هى الطريق الوحيد الموصل إلى السعادة سلكه لا محالة.
وهذا فى حد ذاته قائم على افترضات مجردة كافتراض أن العلم يوجب العمل وأن كون الفضيلة طريق وحيد للسعادة معلوم بالضرورة وهذا بلا شك غير وارد ..
لقد كانت فلسفة سقراط رغم سموها ونقائها =
لا تستطيع أن تقف على قدمين وقد رفض السوفسطائيين المعايير السقراطية الكلية ورأوا أن الأحكام الأخلاقية جزئية كما أنها متغيرة.
ب- بين مثالية أفلاطون وواقعية أرسطو :المثل الأفلاطونية حقائق خالدة لا تفسر وإنما الذى يفسر هو الكائن المحسوس ، والمثل عند أفلاطون هو مبدأ الوجود لأنه =
لا حقيقة للأشياء المحسوسة لا بما تحتوى عليه ماهيتها والتى تصل بينها وبين عالم المثل وبهذا يقوم المثل فى الفلسفة الأفلاطونية بوظيفة العلة المفسرة للعالم الطبيعى ..
وينتقد أرسطو فكرة المثل الأفلاطونية ويرى أن السعادة هى العلة الغائية لاكتساب الفضيلة فالإنسان غير مطبوع على =
الفضيلة وإنما مطبوع على قبولها عن طريق الاكتساب الإرادى بالمران والممارسة .. ويتعلق الأمر بأصحاب القوانين فالعقل إنما يخاطب القلة من الناس.
ج- مذهب اللذة بين أرتسيب وأبيقور :
يعد أرتسيب القورينائى (435ق.م) واضع الأسس النظرية لمذهب اللذة ؛ قال : إن السعادة هى اللذة =
واللذة هى الخير الأقصى وهى نداء الطبيعة ، والحكمة تقتضى الحصول عليها والسعى وراءها ..
وإذا كان أبيقور قد أخذ بهذا المذهب فإنه حرص على ان يعدل منه بحذق , فهو يجعل اللذة نوعا من السعادة النفسية ليستبقى بذلك على الفضائل المعروفة ويستبعد الرذائل :
فلما كانت اللذة عل وجه الدقة =
هى خيرنا الفطرى الرئيسى فإننا لا نبحث عن كل لذة بل ثمة أحوال نجاوز فيها كثيرا من اللذات إذا نجم عنها ضيق ينالنا.
د- الرواقية بين الجبر والاختيار :لقد نشأت الرواقية فى أثينا مع المدرسة الرواقية وقد اهتمت بالأخلاق اهتماما كبيرا وجعلت غاية الفلسفة القصوى وضع قوانين السلوك الخير.=
وفى الرواقية يزداد المجال اتساعا أمام الإنسان ففيه نفحة من الإله تفسح له إمكان الاشتراك فى حياة الكون الأوسع ، وهذه الصورة الدينية السامية قادرة على استثارة همة الإنسان للتخلق بأخلاق الاله من رحمة وعدل وعفو وتسامح ( وهذه صورة نادرة تطبع أرفع التعاليم الدينية فى أكبر مذهب مغرق =
فى المادية فهى لذلك أثمن ما قدمه للبشرية ).
ثم يحاولون التوفيق بين حرية الإنسان وبين القدر والضرورة الأخلاقية بقولهم : إن الظروف الخارجية أى مناسبات أفعالنا وإن كانت محتومة لكنها ليست محتومة بذاتها فإن أفرادا مختلفين خلقا إن وجدوا فى نفس الظروف لم يأتوا بنفس الأفعال فالظروف =
تحرك الإنسان وخلقه يعين سيرته .. أجل إن التصرف الأخلاقى من فعل القدر ولكننا نعلم أن الظروف الأخلاقية ليست محتمة للفعل ونجهل العلة التى تحتم الفعل فالفعل بالنسبة لنا غير محتوم ولنا أن نعمل كأنا أحرار.
تلخيصًا لما سبق أذكر التالي:
1 - السوفسطائية : جعلوا الإنسان حكمًا بنفسه =
علي الأخلاق ، و حيث إن الإنسان يميل بطبعه إلي السيء من الفعل ، فالأخلاق عندهم قيد لا معني له ، و هذه الكلمة تنسب إلي دور كايم.
2- سقراط : يري أن الأخلاق هي التي تحكم سلوك الإنسان ، و هي معايير مسبقة تحكم علي الإنسان لا العكس ، و محاولة منه للإلزام بها ، فقد جعل منها قوانين =
توجب العمل بها ، و لكن هذا الإلزام إلزام وهمي.
3- أفلاطون : و هو المشتهر بنظرية المثل ، " مثالية أفلاطون " ، و هو يري في المثل العلة المفسرة للعالم الطبيعي . ( و اظن البعض قال إن أفلاطون جعل من المثل إلها ، و البعض يقول إنه قال بقدمها كالإله ، و الإله استوحي الخلق منها ).
=
4- أرسطو : لا يحتاج إلي تلخيص " وينتقد أرسطو فكرة المثل الأفلاطونية ويرى أن السعادة هى العلة الغائية لاكتساب الفضيلة فالإنسان غير مطبوع على الفضيلة وإنما مطبوع على قبولها عن طريق الاكتساب الإرادى بالمران والممارسة "
5- أرتسيب : " السعادة هي اللذة ، واللذة هى الخير الأقصى =
وهى نداء الطبيعة ، والحكمة تقتضى الحصول عليها والسعى وراءها " و بالتالي فكل الفضائل التي لا لذة فيها خرجت من الخير ، و كل ما فيه لذة و لو من الرذائل دخل في الخير الأقصي ، و هذا هو المأزق الذي خرج منه :
6- أبيقور : " فهو يجعل اللذة نوعا من السعادة النفسية ليستبقى بذلك على =
الفضائل المعروفة ويستبعد الرذائل :
فلما كانت اللذة عل وجه الدقة هى خيرنا الفطرى الرئيسى فإننا لا نبحث عن كل لذة بل ثمة أحوال نجاوز فيها كثيرا من اللذات إذا نجم عنها ضيق ينالنا . "
7- الرواقية : " يزداد المجال اتساعا أمام الإنسان ففيه نفحة من الإله تفسح له إمكان الاشتراك فى =
حياة الكون الأوسع ، وهذه الصورة الدينية السامية قادرة على استثارة همة الإنسان للتخلق بأخلاق الله تعالى من رحمة وعدل وعفو وتسامح .. ( وهذه صورة نادرة تطبع أرفع التعاليم الدينية فى أكبر مذهب مغرق فى المادية فهى لذلك أثمن ما قدمه للبشرية ). " و في محاولة للتوفيق بين القدر =
و الضرورة الأخلاقية " الظروف الأخلاقية ليست محتمة للفعل ونجهل العلة التى تحتم الفعل فالفعل بالنسبة لنا غير محتوم ولنا أن نعمل كأنا أحرار . "
= مغرقة في التأمل و وحدة الوجود.
وفيما يتعلق بنظرية المثل الأفلاطونية فلعلها كانت رد فعل لمحاولة السوفسطائيين وأتباع هيرقليطس =
القائلين بأن الإدراك الحسى هو أساس المعرفة ولما كان الإدراك الحسى يختلف باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال فالحقائق نسبية وغير مطلقة وهذا المبدأ يقضى تماما على شىء اسمه المنطق ويثير فوضى عقلية عارمه وهو ما عنى أستاذ أفلاطون سقراط بمحاربته والتأكيد على أن الحقيقة مطلقة وليست نسبية=
ثم طور أفلاطون هذا الاتجاه و رأى أنه لما كانت الموجودات الحسية متغيرة وناقصة فلا يمكن إقامة معارفنا اليقينية عليها وأنه لا بد من وجود عالم آخر ثابت وغير قابل للتغير هو عالم المثل وهذا العالم عبارة عن جواهر عقلية مجردة يتعلق بها عالمنا ويستقيم بها وجوده وهو بالنسبة للمحسوسات =
كالشبح الساكن بالنسبة للخيال المتحرك ويقول بأننا قد تعرفنا على هذا العالم قبل هبوطنا إلى العالم المحسوس لكننا قد نسينا ذلك عندما تعلقت نفوسنا بالأبدان ثم بالتعلم تنقشع تلك السحابة وتستعيد النفس معارفها مرة أخرى ..
وقد كان لتلك النظرية أكبر الأثر فى الفكر الفلسفى ولا مجال هنا =
للحديث عن موقف الفلاسفة منها بين متأثر سلبا وإيجابا ..
أكمل الآن الحديث عن الإلزام الخلقى وندخل الآن عن فكرة الإلزام الخلقى فى الفلسفة الأوروبية ولعل الملاحظة أنني قمت بعمل قفزة تاريخية من عصور ما قبل الميلاد إلى نهاية العصور الوسطى أو عصور التخلف الأوروبى وأترك هنا علامة =
استفهام لاستثارة الأذهان وتحقيق نوع من التفاعل.
2- فى الفلسفة الأوربية الحديثة
لقد جمعت الفلسفة الأخلاقية فى العصر اليونانى تلك الأصول الأولى لكل ما جادت به عقول الفلاسفة من مثاليين وعقليين وتجريبيين وحسيين.
وقد تطورت النظرية الأخلاقية فى العصور الوسطى ثم نضجت فى الفلسفات =
الحديثة ولكن التدرج قانون التحول تعمل عليه أسباب لطيفة عملا متصلا حتى يأتى يوم وإذا به قد تم وبرز للعيان
أ‌- ما قبل المذاهب الكبرى
يرى نيقولا دى كوسا الأفلاطونى (1464م) أن الإنسان يسعى بطبعه لاستكمال ماهيته فهناك إذن دوافع طبيعية كامنه فى الإنسان تدعوه للالتزام بقوانين =
معينة لا تكتمل إنسانية الإنسان إلا بها ولا يمكنه فى الغالب مقاومة هذه الدوافع والتغلب عليها.
أما بنبوناتزى الرشدى (1562م) فيرى أن الفضيلة لا تحتاج إلى ثواب يدفع للعمل بها بل الثواب الحق الدافع للتمسك بالفضائل هو الفضائل ذاتها وكذلك الرذائل تنطوى على عقابها حتى ولو لم يلحق من =
جرائها ألم خارجى.
ويحاول تومازو كمبانيلا (1639م) أن يصل إلى الأخلاق عن طريق المحبة فكما أن العلم بالذات مفروض فى كل علم فإن محبة الذات مفروضة فى كل محبة لأن الغرض من كل محبة حفظ الوجود والفرار من العدم (( ففى الإنسان دين كامل متحد بالعلم الكامن والميل الكامن )) إنه يؤسس =
الأخلاق على مبدأ حب البقاء وحب الذات ويجعل من ذلك مصدرا للإلزام وراء كل مصدر ..
ولكن ظهرت أيضا أفكار فردية جامحة منها ما هو امتداد لمذهب السوفسطائيين الأخلاقى ومنها ما هو تمثيل لمبدأ الشر والعدوان فمن النوع الأول نرى دى مونتينى ( 1595م) الذى يردد نفس حج الشكاك ويرى أن الحواس لا =
تدرك إلى انفعالاتها وأنه لو كان للعقل ما يزعمه البعض من حكم صائب ما اختلفت العقول وأنه ليس صحيحا ما يقال عن شىء اسمه الضمير من أنه يعلن لنا قوانين ثابته وأزلية غير مكتوبة ولكن الضمير هو شىء تشكله البيئة والموروثات والعادات .
أما نيقولا ماكفيلى (1575م) فهو بحق ممثل مبدأ الشر =
فقد انتقد الأخلاق المسيحية لأنها أوهنت عزيمة الإنسان ويوجب على الأمراء التدرب على عدم التقيد بالفضيلة ولكن هل ينطبق نقده على الأخلاق الإسلامية بنفس الدرجة وهل تعتبر نصيحته للأمراء اعترافا ضمنيا بسلطة الضمير؟الاجابة نعم، اما حيث نقده للمسيحية فلا ينطبق على الاسلام.. لأن الاسلام =
لا يجعل اتباعه مجرد اشخاص ضعفاء مستسلمين.
ب – أمهات المذاهب الأخلاقية الحديثة :بينما الجامعات والمعاهد الدينية تستخرج تراث العصور الوسطى تشتد من حولها الحركة العلمية والفكرية فى عصر النهضة ، ففى انجلترا يتوط المذهب الحسى بفضل بيكون ، وتومس هوبس، ولوك =
معلنا أن سيرة الإنسان كلها قائمة على غريزة حب البقاء وكأن هذه الغريزة بالإضافة إلى الحياة الإنسانية كالحركة بالإضافة إلى الطبيعة.
وفى فرنسا يبرز ديكارت بفلسفة عقلية روحية تنتشر على يد بسكال ، ومالبرانش وليبنز ولتختلط الإرادة بالعقل حين تتحكم الإرادة الفاعلة فى سلوك الإنسان =
وفقا لمبادئ الوضوح والتمييز وسيادة العقل ..
والجدير بالذكر أن هناك ثلاثة مفكرين قد أثروا تأثيرا عميقا فى الأخلاق الحديثة أهمهم داروين الذى اعتبر الإنسان هو أعلى درجة فى سلم الترقى عن الأمسبا وأن تفسير وجود الإنسان وأفعاله يجب أن يكون على هذا الأساس.
ولقد اتجه فرويد متأثرا =
بداروين نفس الاتجاه فيما يتعلق بالدراسات النفسية وتفسير السلوك البشرى على أنه صادر عن الغريزة الجنسية ودوافعها..
أما فيما يتعلق بالعلوم الاجماعية فقد أسهم ماركس بفلسفته المادية الجدلية فى هذا المخطط المادى فجعل الإشباع المادى هدف الإنسان وغايته والدافع الأساسى لأفعاله.
=
ج- الإلزام الخلقى فى الاتجاهات الفلسفية المعاصرة:
المنفعة:
انبهر الأوروبيون بالمنهج التجريبى وإنجازاته فى مجال علم الطبيعة مما دفع البعض إلى محاولة استخدام نفس المنهج فى دراسة الإنسان.
1- أرميا بنتام (1823م)
مذهبه أن الناس يطلبون اللذة ويتجنبون الألم بالطبع =
لكنهم يتميزون عن الحيوانات بأنهم يتبعون مبدأ "المنفعة " حيث يعمِلون العقل.
ولكى يحكم العقل يجب تقدير اللذات بجميع ظروفها والموازنة بينها وتقاس اللذات أولا من جهة صفاتها الذاتية : الشدة ، المدة ، قرب المنال، الثبات ، الخصب ..
وتقاس ثانيا من جهة عواقبها :الخوف الذى يستولى =
على المواطنين من جراء الجريمة ، القدوة السيئة ، القصاص ..
وهذا يعارض لذة الفعل ، فيميل المرأ إلى اتباع القوانين التى يراها المشرع نافعة لأكبر عدد ..
وهذا هو العلم الجديد الذى يدعيه بنتام ويسميه بالحساب الخلقى.
2- جون استيوارت مل (1873م)
أعلن انه ليس هناك أفضل من مذهب المنفعة =
بين جميع المذاهب الأخلاقية فهو أصلح ما يكون لمنهج العلم التزاما بمقتضياته.
ثم انتقل بعد تصحيح مذهبه إلى اللذة الكيفية وأخضع المنفعة الذاتية إلى المنفعة العامة ، إلا أنه يجعل المنفعة الذاتية هى الأصل والمعيار.
3- هربرت سبنسر (1902م)حاول تطبيق التطور الوراثى فى مجال الأخلاق =
فهو يستبعد المعانى الميتافيزيقية ويقتصر السيرة الإنسانية على أن تكون مجرد حالة أو مرحلة أخيرة من سيرة الكائنات الحية لا أكثر ، ويعرفها بأنها جملة الأفعال الخارجية المتجهة مباشرة أو بالواسطة إلى صيانة الحياة.
(( إن اللذة والألم وحدهما هما الخير والشر وتهذيب اللذة =
وبالتالى تنمية الحياة والتكيف مع البيئة - إنما تكتشف بطريق التغاير والانتخاب الطبيعى وينتقل ذلك بالوراثة ويترسخ فى صورة ميل غريزى ))
4- وليم جيمس (1910م)
يؤكد على أن العمل المنتج هو هدف الحياة وأن الفعل إنما يسخر لإشباع رغبات الإنسان بمعنى أن (( البارجماتية )) هى مذهب المنفعة =
فى صورته العملية ، ومعيار الصواب عند البارجماتى هو ما يحقق النفع والنجاح.
الحاسة الخلقية:
يمثل هذا الاتجاه موقفا وسطا بين أنانية التجريبيين ومثالية العقليين ، ويهدف على تأكيد الكيان الإنسانى من الزاوية الوجدانية عن طريق إحياء فكرة قديمة هى التوحيد بين الخير والجمال.
=
1- شافتسبرى (1713م)إننا نجد فى أنفسنا عواطف لا إرادية هى الإعجاب بالنبل واحتقار الخسة ، لدينا حس باطن قوامه محبة النظام والجمال وذلك عند شافتسبرى ما يسمى (بالحاسة الخلقية ).
إن الحاسة الخلقية وظيفتها إدراك خيرية الأفعال وشريتها و أن يرتبط ذلك بلذة أو بألم ، وهى تقوى بالمران =
وتضعف بالإهمال.
2- بطلر (1752م)
حاول بطلر أن يتفادى بعض الانتقادات التى وجهت لمذهب الحاسة الخلقية وسمى هذا المنحى ب (الضمير).
وقد اتفق مع شافتسبرى فى ضرورة أن يكون المصدر الملزم ذاتيا داخليا وضرورة التوفيق بين الأنانية والغيرية.
وأضاف بعدا جديدا : فالضمير عنده قوة عقلية مدركة =
متميزة عن غيرها من قوى النفس تهيمن على أهواء الإنسان ودوافعه ، وتؤدى وظيفتها تلقائيا من غير حاجه إلى خبرة حسية أو تأمل استدلالى.
3- جان جاك روسو (1778م)ويمثل " الوجدان " عند روسو نداء سماويا خالدا يحكم المبدأ الأعلى فى الإنسان حتى لا تشده غرائزه إلى أسفل ، وهو حكم لا يخطئ =
وهو الذى يجعل الإنسان متشبها بالاله.
الواجب:
انبهر الفلاسفة بقوة اليقين الرياضى وحاولوا أن يسيرا على طريقه فى فلسفاتهم وكان من أبرز هؤلاء ايمانويل كنط (1824م)إن كل شىء فى الوجود يسير وفق قوانين محدة تتناسق مع طبيعة الأشياء ، وبما أن طبيعة الإنسان هى العقل لذلك فإن =
القوانين التى يجب أن يسير عليها الإنسان فى حياته وأخلاقه يجب أن تقوم على مبادئ العقل وبذلك يصبح القانون الأخلاقى هو القانون العقلى عند الإنسان.
إن تصور (العقل العملى) للإلزام يميز بين نوعين من الضرورة: النوع الأول هو الذى يحعل شيئا من الأشياء وسيلة لا غاية ونعنى به ضرورة مشروطة.=
والنوع الثانى ضرورة تحدد تحديدا مباشرا غير مشروط ، وهدف البحث الأخلاقى هو الوصول إلى الإلزام المطلق الذى فيه يكون الواجب غير مشروط بحيث تنهض الأخلاق على الأوامر المطلقة غير المشروطة.
ويحرص كنط على أن تأتى التجربة الأخلاقية محققة للشمول والعموم ، وقانون الواجب هو ذلك الإطار =
العام الشامل الكلى الذى لا يمكننا تصور تجربة أخلاقية إلا فى كنفه.
وواضح من ذلك أن العمل الأخلاقى هو إلزامى ولكن الإلزام ليس بالمعنى الحتمى الذى نراه فى القانون الطبيعى فهذا الإلزام ينطوى ع المسؤولية الأخلاقية ونحن من حيث كوننا كائنات أخلاقية أحرار، فالحرية وثيقة الصلة بالأخلاق.=
الضوابط الاجتماعية:
قام هذا المذهب على أنقاض الصراعات الخاصة بفلسفات الأخلاق وحاول أن يضفى طابعا اجتماعياً على فكرة الواجب والإرادة ، كما اهتم بتحليل أنماط السلوك الخلقى طبقا لمبدأ الإلزام الاجتماعى.
1- أوجست كونت (1857م)
يرى أن المهمة التى يجب على الفلسفة الواقعية أن تعمل لها =
هى محو فكرة الحق اللاهوتية الأصل من حيث أنها تفترض سلطة أعلى من الإنسان ، وقصر الأخلاق كلها فى فكرة الميل الطبيعى إى إخضاع النزعات الذاتية للنوع أجمع.
إن الدوافع للحياة المشتركة غريزة مستقلة على حساب الفرد ، على أن الأنانية أقوى فى الأصل من هذه الغريزة الغيرية ولكنها تخضع لها =
بنمو العقل والتعاطف وهذا إنما ينشأ بالحياة الإجتماعية.
3-دوركايم (1917م)لماذا تفرض الظواهر الاجتماعية نفسها على الأفراد وتكرههم على الأخذ بها ؟
يرى دوركايم أن الأفكار والعواطف صادرة عن " وجدان اجتماعى" متمايز عن الوجدانات الفردية وأعلى منها ، ويرى أن الوجدان الاجتماعى =
ولو أنه جملة الوجدانات الفردية – إلا أنه يؤلف كلا مغايرا كما يؤلف التركيب الكيميائى.
وهكذا يزعم دوركايم كما زعم سبنسر أنه يفض الخلاف الناشئ بين الحسيين والعقليين بقوله إن المعانى والمبادئ مصنوعة من المجتمع وغريزية فى الأفراد.
3- ليفى برول (1929)صرح بضرورة نقل الدراسات الأخلاقية =
من الفلسفة التأملية إلى علم الاجتماع التجريبى ، فهو ينتقد فلسفة الأخلاق ويرى بدلا منها علما للأخلاق ، وينتهى إلى أن الأخلاق مظهر للجماعة تابع لماضيها ، وديانتها ، وعلومها ، وآدابها ، وعلاقاتها بالجماعات الأخرى.
ولما كانت الجماعة لا تستمر على حال واحدة استلزم أن أخلاقها متطورة =
طبقا لقانون التطور.
وهذه نبذة مختصرة عن قضية الإلزام الخلقى فى الاتجاهات الفلسفية المعاصرة مسبوقة بالحديث عن جذورها فى التراث اليونانى.
تقييم الفلسفة الأخلاقية:
إن الأخلاق إنما تكون إنسانية بقدر ارتباطها بما يميز الإنسان عن غيره وأما اتجاه النفعيين إلى اللذة والأنانية =
فإنه يؤدى إلى إغفال القيم الإنسانية وهدم المثل التى تحوز على التقدير المطلق.
والمرأ فى ساعات الغي لا تستطيع الحاجة إلى الانسجام المنطقي أن تجعله يضحى بمصلحته وهواه وإنما رأى العقليون فى العقل مبدأ يقوم بوظيفة المنظم فى كائن عاقل وما اعتقاد ذلك إلا كالاعتقاد بأن إطار السيارة =
هو الذى يجعلها تتحرك على أن جوهر الواجب شىء وما يقتضيه العقل شىء آخر.
والحق أن الأخلاق التى تظن أنها تقيم الإلزام على اعتبارات عقلية صرفة إنما تدخل على غير علم فيها قوى من نوع آخر أما الإلزام الخلقى فهو موجود من قبل.
ومن السهل أن ندرك أنه ليس لأى غاية أن تفرض نفسها فرضا إلزاميا =
لمجرد أن العقل يقترحها ، ولا تلك الغايات المزدوجة ، ولا ذلك الحرص المزدوج على صون الالتحام الاجتماعى..
وما هو المجتمع الذى نعنية فى الواقع حين نقول إن ثمة مطلبا اجتماعيا وراء الواجب الأخلاقى كاحترام حقوق الآخرين ، أين ذلك من أيام الحروب حين تصبح أخلاق كالخيانة والعدوان =
أمورا مشرفة ؟!
إن مجتمعهم حينئذ يقول : إن الواجبات المقررة من حيث المبدأ واجبات نحو الإنسانية عامة ولكن بعض الظروف للأسف الشديد والتى لا يمكن تجنبها تحول دون تحقيق هذه الواجبات !!
والخلاصة أن الأخلاق الاجتماعية هى أيضا مغشاة بأخلاق أخرى.
2-تهافت الفلسفة الأخلاقية:بعد هذا العرض =
لفكرة الإلزام الخلقى فى الفلسفة اليونانية ونهاية العصور الوسطى الأوروبية حيث محاولة بعث التراث اليونانى الأخلاقى والتأثر به فى ضوء الأخلاق المسيحية ثم ما نشأ نتيجة نقد تلك الفلسفات من اتجاهات معاصرة بعد كل ذلك .. لعلكم تشعرون بأن كل إجابة وضعتها تلك الفلسفات قد احتوت على أكثر =
من تساؤل وأنها تترك فراغا جديدا أعظم من الذى أتت لتسده وأنها قد تتضمن أخطاء وعورات للإنسانية لم تنجح فى معالجتها وسترها وهذا الموقف ولا ريب جدير بأن يولد شعورا بالعدمية والامتعاض.
=
يوجد اسئلة ضرورية سأعرضها قبل التحول للنقد المباشر:1-هل هناك اي اساس علمي لان اقتسام الطعام حالة حيوانية عامة؟
2-هل هناك اي رصد علمي لان مفهوم الخير و الشر و الاخلاق موجودين داخل الحيوانات كحالة عامة(وليست استثنائية)؟
3-هل هناك اي دليل علمي علي ان السلوك الاخلاقي حتمية بيولوجية=
واذا لم يكن هناك اي تفسير علمي او رصد تجريبي يدعم اي من هذه الطروحات، فما الاساس الذي يجعل المادييون ينفون التفسير الانساني للاخلاق.. و التفسير الانساني معناه ان الخير و الشر مفاهيم ميتافيزيائية لا تنتمي لهذا النطاق المادي من الوجود،و ان قدرة الانسان علي استشرافها تأتي من =
ان الانسان له خصوصية غير مادية تجعله يستطيع استشراف الميتافيزيقا.
نبدء بالنقد تواليا:
1" هل هناك اي اساس علمي لان اقتسام الطعام حالة حيوانية عامة؟"
ليمكن الاستدلال على ان السلوك العادل هو نمط حيواني حتمي و غريزي يجب ان يطبق عليه ابسط القواعد العلمية و هو اختباره في سياقات =
مختلفة وفي كل مرة يخرج بنفس النتيجة.
و لكن لو كان الامر مثلا يقتصر علي اقتسام نوع من السناجب لطعامها، ولانجده في عموم الحيوانات فهذا قد يفسر بأن طريقة الانتاج الغذائي في مجتمع السناجب طريقة تعاونية،
و بالتالي فلها تفسير سببي (لا حتمي) و تفسير سلوكي (لا غريزي) بالتالي فهذا =
وصف تداعي سلوكي و ليس قيمي..
2" هل هناك اي رصد علمي لان مفهوم الخير و الشر و الاخلاق موجودين داخل الحيوانات كحالة عامة. و هذا ايضا ادعاء غير علمي و غير منضبط و لان "الخير و الشر" و الاخلاق مفاهيم مختلفة تماما عن المنفعة، و عن التوازن الاجتماعي، ولهذا لا يوجد دراسة علمية رصينة =
قامت بتعريف الاخلاق في السلوك الحيواني علي انها المنفعة الاجتماعية، او عرفت بشكل تشغيلي الخير و الشر علي انهم منافع ثم قاستهم في المجتمعات الحيوانية Operationalized the concept and test it و حكمت عليه بالوجود او لا.
-
3" هل هناك اي دليل علمي علي ان السلوك الاخلاقي حتمية =
بيولوجية؟ اعتقد ان هذا الفرض فرض غير صحيح علميا، لان حسب معلوماتي لا توجد نماذج سلوكية حتمية بها ادني درجة احكام او تعميم. و السبب ان السلوك في تجلياته الاجتماعية عند الحيوان هو امر معقد جدا و كل دراساته احصائية قائمة علي الاحتمالات. و ان النماذح الحتمية تتطلب عمق كبير للفهم =
السببي و هذا غير موجود حسب علمي في العلوم السلوكية اصلا، بل وحتي في الفيزياء صعب و كثير ماتعتمد علي الاحتمالات لقصور النماذج. وبالتالي فكل النماذج السلوكية الحتمية هي نماذج بسيطة مثل الاستثارة و ما الى ذلك. ولا تستطيع تفسير او قياس مفاهيم معقدة مثل الخير و الشر و الاخلاق.=
و لهذا فانا ادعي انه لايوجد نماذج حتمية تفسر السلوك الاخلاقي للحيوانات.
ولكن السؤال الاهم هل القواعد السلوكية والتنظيم هو نفس الشىء كالأخلاق؟
التنظيم قدرة عقلية تجعل النحل يمنع مثلا دخول نحلة ملوثة الي الخلية لحمايتها، ولكنه تصرف غير رحيم =
(وبالتالي غير اخلاقي حسب تعريف الاخلاق الاجتماعية) و محاولة دخول النحلة الملوثة للخلية هي محاولة انانية (وبالتالي فهي غير اخلاقية). بل اقتراف اي منهم للفعل الغير اخلاقي يحدث بلا تردد و بشكل طبيعي، علي عكس الانسان الاخلاقي الذي تجده يمر ب cognitive dissonance وهي موقف تنافري =
يحدث حين يمر الانسان بموقف فيه تناقض لمبدأين اخلاقيين او معرفيين.
فكما نرى تقترف الحيوانات التنظيم علي حساب الاخلاق بل ممكن مثلا تكون اكل الحيوانات لأولادها له عائد تنظيمي ولكنه بالطبع غير اخلاقي.
ولنستشعر عدم اخلاقية التنظيم النفعي الصرف، نتخيله في الانسان.
=
فتنظيميا مثلا المسنين افراد غير منتجة وتستهلك علاج و اكل بشكل غير مبرر فمن ناحية مادية يحسن قتلهم كأفراد غير منتجة و هذا سيعظم ربحية المجتمع. او على الاقل ممكن تركهم يموتوا بدون ان نصرف عليهم.
كون اننا ننفق عليهم فهذا فعل غير منطقي و غير نفعي و مضر بالتنظيم و العائد المجتمعي=
المجتمعي و التطوري. و بالتالي لا تراه في المجتمع حيواني الغريزي.
و بالتالي فالأخلاق هي الالتزام (بشكل عفوي) و تحري (بشكل عقلي واعي) للخير و الشر و الجمال والرحمة و العدل ليست منتج نفعي، بل بالعكس هي تكلفة غير مبررة ماديا و كثيرا ما تتناقض مع النفع و التنظيم.
ثم فساد =
منهجية التطور الاخلاقي و السلوكي
و ارتكاب الاخلاق بالرغم من تكلفتها الشخصية و الاجتماعية هي فعل غير مبرر عقليا ولا اجتماعيا، بل و ليس له تبرير مادي متسق عقليا، و الشرعية الوحيدة التي يكتسبها التفسير المادي للأخلاق لا تأتي الا من اساس علمي واحد هو التفسير التطوري بالرغم من =
انه
١. ليس هناك اي دليل تجريبي علي صحة التطور السلوكي (لان التطور السلوكي نظرية غير قابلة للتجريب لطول الوقت الذي يحتاجه التطور مليون سنة لكل سمة، و بالتالي فدونا عن بقية النظريات تستثني من شرط التجريب)
٢. و ليس عليها دليل حسي (ولا يمكن ايجاده اصلا لان الادلة التطورية الحسية =
من حفريات لا تحتفظ الا بالأشياء الصلبة و ليس هناك ادلة سلوكية صلبة كادوات الصيد و خلافه الا في المجتمعات الانسانية الحضارية)
٣. والدليل الوحيد الموجود عليها هو دليل عقلي نظري و حتي في هذا فهو معتمد علي افتراضات ان هناك وقت زمني كافي للتطور. وهي مشكلة كبيرة حتي في البيولوجيا =
و ليس في التطور السلوكي فقط. فالمورد الاولي للتطور هو الوقت ولكن نظرية التطور لم تضبط كفايته، و تركته مفتوحا كانه لديها وقت “عمليا” لانهائي لفعل اي شيء.
- معضلة الزمن و القياس للتطور الاخلاقي
فحسب الابحاث فان تطور سمة بسيطة يستلزم مليون سنة و مع العلم ان قاعدة بيانات واحدة =
للنباتات توضح ١٢٥١ سمة مختلفة في ١٠٠ الف نوع نباتي فاذا افترضنا ان الطبيعة قادرة علي العمل بكفاءة كاملة و بلا انقطاع لتطوير هذه السمات، فهذا يتطلب ١٢٥١ مليون سنة (وهو ربع عمر الارض تقريبا) لتطوير. هذه ال ١٠٠ الف سمة في مملكة بسيطة كمملكة النباتات.
وبالنظر الي مملكة واسعة =
و معقدة مثل مملكة الحيوان بها حوالي ١٠ مليون نوع، لكم ان تتخيلوا عدد السمات في مملكة الحيوان. ولكن لا أعلم عن وجود دراسة لها اي ثقل تجريبي يذكر تفسير كيف تطور هذا العدد المهول من الانواع و السمات في مملكة الحيوان في زمن لا يتعدى ٤.٥ مليار سنة هو عمر الارض؟
=
phys.org
معضلة اخرى في التطور السلوكي هو عدم ضبط السمات، فالسمات البيولوجية ممكن تعريفها و من ثم استقصائها و بالتالي حصرها، ولكن الخصائص السلوكية لازالت بدائية وتدور في مرحلة التعريف، وبالتالي لا يمكن استقصائها ولا وضع نموذج علمي قابل للقياس لتطورها وبالرغم =
من هذا يتحدث علماء السلوك التطوري علي نظريات تطور سلوكي اقرب للتنظير الادبي فهي غير قابلة للتعريف ولا الاستقصاء ولا القياس غير ممكن تجريبها ولا رصد ادلة عليها. ولكنها فرصة جيدة فهم لمجرد انتمائهم للتطور فهذا يعفيهم من كل هذه الضوابط العلمية، ويسمح لهم بان يأتوا بأي تجربة حالية =
حالية cross sectional ويخلعوا عليها اي بعد تاريخي longitudinal يرغبوه بدون اي التزامات علمية، لهذا فلا عجب في وجود فضائح متتالية مثل ايجاد دليل علي التفسير و عكسه لنفس الظاهرة. و ان اكثر من نصف الدراسات النفسية و السلوكية لا تعطي نفس النتائج حين اعادة الاختبار (بمعني اخر غير =
علمية)
nature.com
و بهذا فبالرغم من وجاهة علم السلوك الحيواني و الانساني كتجارب، الا ان محاولة تلبيسه بتفسير مادي نفعي تطوري هي محاولة غير علمية (لا ينطبق عليها مواصفات النظرية العلمية وغير متسقة مع نفسها).
=
و لتوضيح للمفاهيم يحب ان اضع تعريف
ما هي الاخلاق اصلا. الاخلاق في ابسط تعريفاتها هي قدرتك علي التعرف علي الخير و الشر و عزمك على الزام نفسك بهم.
برجاء مثلا مراجعة مقدمة جامعة سان دييجو عن الاخلاق و النظريات الاخلاقية
home.sandiego.edu
=
وهو توضيح ان سؤال الاخلاق سؤال معياري.
اي يسأل ماهي المرجعية او (المسطرة) التي نقيس بها خيرية او شر اي موقف،
و بالتالي فان كان مرجعك هو نفسك، فهذا يعني ان لديك اخلاق انانية مثلا و قد تختار الشر لانه انفع، و ان كان مرجعك هو الله عز وجل او فلديك اخلاق موضوعية و قد تختار الخير =
حتي لو على حساب مصلحتك.
هذه أغلب تصورات الاخلاق الحديثة مرتبطة بما سبقها مع تعليق عليها.
١. الاخلاق هي امر ذاتي يحدده كل شخص حسب ما “يشعر”انه صح او خطأ، و هو تعريف منتقد لأنه تصور فوضوي و عدمي يجعل لا وجود موضوعي للأخلاق، فلا معني للخير و الشر و العدل، ولا يوجد تصرف غير اخلاقي=
بل هي تصرفات غير “محببة” للبعض و لا ضابط اجتماعي لهذه الفوضى الاخلاقية.
٢. نسبية الاخلاق حسب المجتمع و هي صورة اخري من الذاتية، ولكن هنا علي مستوي المجتمع، فلا معيار للصح و الخطأ ولا يمكن ان تصف اي شيء انه غير اخلاقي اذا كان مقبول اجتماعيا و بالتالي فهتلر في قتله للمقعدين اكثر =
اخلاقية من غيره لأنه حصل علي قبول ثقافي اعلي، و طبعا هذا واضح خطأه و تعارضه مع التاريخ و تعريفات البشر البديهية و الفلسفية عن الاخلاق و التقدم
٣. الأخلاق كمفهوم اناني وهي تتصالح و الخطأ يحدد حسب ما يفيدك و بالتالي فأنت تتصرف بشكل يعظم منفعتك بدون اعتبار لأي شيء اخر=
و مساعدة الاخرين لا تقوم بها الا اذا كانت تعود بالنفع عليك حتي لو كان مجرد لذة. وبالتالي فهو مفهوم غير اخلاقي (بالمعني النموذجي) بالمرة بل هو امر نفعي صرف.
٤. الاخلاق اتباع اوامر الاله حسب الاكويني. وهنا -علي عكس الاسلام- تقوم هذه النظرية باعتبار ان الاخلاق نفسها ليست انسانية=
فطرية بل هي مجرد اتباع القواعد الدينية التي اخبره دينه عنها، وبالتالي فهي غير منطقية، فلو كانت صحيحة فكيف يحصل اللادينيين علي اخلاقهم! و ايضا فالأخلاق تتغير بتغير الدين (و هو عكس الواقع بان الاديان جميعا تتشارك بشكل واسع في الاخلاق، بل وتتشارك فطريا مع غير المتدينين ايضا).
=
٥. الاخلاق كفضائل اجتماعية. او ككود اجتماعي لما عليه الانسان الفاضل و بالتالي يحاول الانسان التمسك به كنوع من التمايز الاجتماعي. و هي نظرة بسيطة ولكنها لا تجيب سؤال ما لذي جعل الناس يتفقون علي خيرية الاخلاق اصلا.
٦. الاخلاق كطبيعة انثوية. و هو تصور نسائي يحاول ايجاد بعد نسائي =
صرف في التطور الانساني، فأفترض ان الاخلاق (من حنان ورحمة و شفقة) هي صفات انثوية و في المقابل فالنفعية و المادية و العقلانية هي صفات ذكورية، و لا داعي للقول لان هذا التمايز البيولوجي حسب النوع تهافت بل ان الحركات النسوية نفسها وقفت ضده لأنه ينزع عنها العقلانية و العملية.
=
٧. النفعية ان الخير و الشر ليسوا الا تعبير عن المنفعة و الضرر. و بالتالي فالأخلاق ماهي الا تعظيم الي للمنفعة النهائية و هي تعظيم اللذة. و هي قد يختار ان تكون تعظيم اللذة لا لفرد بل للمجتمع (بل بعضهم اقترح ضم الحيوانات ايضا). و النفعية المعاصرة نفسها وجدت مشاكل جمة لان =
اعتبار الاخلاق تعظيم النفع للكل امر متناقض مع تنوع و تناقض البشر و تناقض رغباتهم، فلا يوجد واقعيا اي تصور يمكن فيه تعظيم النفع. للكل، فالأخلاق بشكلها الموضوعي لا يمكن تبريرها ماديا و نفعيا، و لهذا استبدلوها بنسخة نفعية “تعظيم الرضا لمجموعة من البشر موضع اهتمامنا=
و مجموعة من الرغبات موضع اهتمامنا” وبالتالي فهذا التعريف يسمح (كما يوضح النفعيين سابقا و المعاصرين انفسهم) بإيذاء البعض لنفع الكل. و بالتالي اصبحت المعايير الاخلاقية ليست الخير و الشر و لكن رغبة المجتمع المتغيرة هي اداة القياس، و تحول الامر لنسخة عدمية متوحشة تنطوي علي =
الاتي:
-لا يوجد خير او شر اصلا،بل نحن نصبغ الخيرية و الشر حسب ما نري نفهم للبعض
-لن يحقق هذا الامر عدالة الا اذا كان كل البشر متساوين تماما في تمثيلهم،و هو امر ليس فقط غير واقعي بل يزيد سوءا مع تزايد الحضارة الحديثة و تمايز البشر و المجتمعات حسب امتلاكهم للوصول الاعلامي والمادي=
لفرض اجندتهم علي الجموع.
- لا يمكن الحكم علي اي تصرف بانه اخلاقي الا بعد اقترافه لنرى عواقبه، بينما الافعال نفسها يتم اقترافها بشكل حدسي و ظني.
- الديموقراطية و الاقتصاد المعاصر هي ادوات نفعية بها العيوب الاخلاقية و المنهجية للنفعية المعاصرة.
٨. الاخلاق كحقوق
=
و هنا الحقوق عقد اجتماعي، و هي تمثل احدى الصور الاجتماعية الأخرى، ولا تجيب من اين تأتي هذه الحقوق، وما معيارية احدها لكي نقول عليه غير اخلاقي، كما انها تحصر الاخلاق في التصرفات ولا تضع اعتبار للنية فتتساوى اخلاقية ان اسمح لك بحقك لمصلحتي او ضدها، و يتساوى اخلاقية ان =
اعطيك الحق في الموت و ان اقتلك. كما انها لانعدام مرجعيتها فلا تضع لنا وسيلة للتفرقة بين الحقوق المتنافسة.
٩. التعاقد
و هو نموذج اكثر رسمية من اخلاق الحقوق. و يعتمد علي ابراز التعاقد الاجتماعي الغير مكتوب. ويفتقد لمرجعية موضوعية كما انه لا يفسر.
=
و حسب ما نرى من النظريات الاخلاقية المختلفة، فان في العصر الحالي فالتنافس هو بين منهجين متناقضين
النظرية النفعية و التي تمثل في مجتمعات بعد الحداثة و تقيم عليها الديموقراطية و الاقتصاد و هي نموذج غير موضوعي ولا مثالي ويهتم بنفع جزئي ولا يمتلك (ولا يعمل علي امتلاك)=
هنا عن كنط
نكمل
قصور الاستخدام المادي لتعريفات الاخلاق
اذا فكيف جاءت الابحاث العلمية التي تدرس الاخلاق كمفهوم مادي.
الحقيقة ان في ما ذكرت من فهم اخلاقي فهناك نوعين من التعريفات للأخلاق الوصفي و النموذجي فمعظم النظريات الاخلاقية تعرف الاخلاق بشكل نموذجي=
نموذجي، اي انها ترى فالأخلاق في حد ذاتها مفهوم له نموذج امثل و تحاول شرحه. و التطلع اليه. ولكن علي العكس فالتعريفات الوصفية تكتفي بوصف المفهوم الشائع في مجتمع ما كما هو.
ولأسباب عملية فمن ارادوا دراسة الاخلاق بشكل اجتماعي، عرفوها بشكل. وصفي. اي ما اعتاد عليه مجتمع معين.=
و هو اختيار عملي ولكنه غير صحيح، فهو عملي لأنه يمكن الباحثين الاجتماعيين و باحثي الأنثروبولوجيا ان يعرفوها بشكل قابل للدراسة. و لكنه غير صحيح لأنه لا يصف المفهوم، بل يصف انعكاساته علي التطبيق و هما شيئين مختلفين، بل و يخضع لاختيار العالم ماذا يدخله في التعريف و ما يخرجه.
=
فمثلا في وقت ما كان علم النفس يظن انه يمكن اختزال السلوك و المشاعر في عمليات عقلية الية بل وكان يسعي ان يجد لها قواعد منطقية و معادلات باعتبار ان الانسان الة حاسبة بيولوجية ولكل تصرف معادلة فنجد ان كوهلبرج ١٩٥٨ وضع تصور اعتبر به الاخلاق امر عقلي واعي صرف ليس به اي عواطف=
و يتدرج حسب نمو الانسان العقلي و الاجتماعي في ستة مراحل
١- الانقياد
٢- البحث عن النفع الذاتي
٣- التوافق او المواجهة مع الاخرين
٤- احترام السلطة و المحافظة علي النظام
٥- الالتزام بالعقد الاجتماعي
٦- الالتزام بالمبادئ الاخلاقية العالمية
=
وطبعا هذا الشكل الالي رفض مع الوقت لأنه يقدم وصف جاف لآلات عقلية ليس بها بعد عاطفي تماما.
و حديثا فقط في ٢٠٠٤ قام هاديت بتعقب المدرسة الاخرى التي تقول ان الاخلاق ليست فعلي عقلي بل هي امر حدسي تتعلق به عاطفيا و بحث في عديد من الابحاث عن الاسباب الاجتماعية التي يمكن تبريرها =
تطوريا فقط وخرج باطار جديد لمحتويات الاخلاق الخمسة:
- الفائدة في مقابل الضرر
-العدل و المساواة في مقابل الغش
- الانتماء في مقابل الخيانة
- اتباع السلطة و الاحترام في مقابل التمرد
- القداسة/النقاء في مقابل التقزز و الدناسة
مع العلم انهم لم ينتقوا هذه المبادئ لان عليها ادلة=
بل هو اختيار شخصي صرف فهم اخذوا “فلترين” الفلتر الاول هو ان تتوافق مع المبدئ الحدسي، و الثاني ان تكون مبررة تطوريا. و بالتالي كل مالا يتناسق مع معايرهم الغوه.
و بالتالي فحين قام مارك رونالدز حديثا بإجراء تجاربه علي الاخلاق عند الحيوانات و عرضها في ٢٠١٢ في كتابه=
هو انتقي نموذج مصغر من هاديت (يقوم علي العدل و الرحمة فقط) و بالتالي فهو ابتداء استخدم نظارة تطورية و بحث عنها بدون ان ينفي غيرها. و نفس الامر تستطيع ان تفعله اذا لبست نظارة ميتافيزيقية، فما تريد ان تبحث عنه ستجده. فالعلم منحاز لافتراضاته المسبقة.
=
المرجعية الاخلاقية، المادية ام الموضوعية
و نرجع هنا للسؤال الرئيسي. ما هي المرجعية الاخلاقية التي تبرر وجود الاخلاق
و هل تصلح الرؤى المادية على كل ما فيها من نفعية و ذاتية لتبرير الاخلاق؟ هل فعلا النظريات المادية تصمد للمشاهد؟
بمعنى اخر. هل هناك اي دليل علمي وجد ان الخير =
و الشر و العدل، و الرحمة هي مفاهيم تكونت فعلا كتعبير عن مصلحة الفرد او المجتمع؟ فلا يوجد أي دراسة تؤيد ذلك.
ام ان الاوفق ان القيم الانسانية الموضوعية (العدل مثلا) هي قيمة موجودة بشكل مستقل و يستطيع ان يعيها الانسان و المجتمع و قد يلتزم بها اولا.
=
هل الاخلاق كمفهوم نفعي مادي نسبي ام موضوعي متخطي النفع و الضرر للإنسان نفسه ؟
الجيد في الموضوع هو اننا يمكننا اختبار هذا. و مطابقة الواقع الاخلاقي مع كلا المفهومين لنرى ايهم يتسق و ايهما يتهافت. بل يمكننا عمل تجربة ايضا.
يجب ان نوضح ان المفاهيم الاخلاقية لها وجود مستقل =
عن منتجاتها الاجتماعية، فالعدل و الرحمة و النزاهة لهم تصور مثالي بديهي لدي الكل حتي و ان اساء الكل تطبيقه او تأويله في الواقع، و بالتالي فنسبية التطبيقات و تنوعها لا يعني نسبية الاخلاق نفسها. بل بالعكس يشير الي تمايز المثاليات عن تطبيقاتها.
فحرية الراي مثل هي احدي تطبيقات =
مفهوم (العدل) ، و هي مفهوم اجتماعي يتحدد حسب قدرة الفرد و المجتمع في فرض اجندتهم علي الاخر. و من يمتلك القوة السياسية و الاعلامية يستطيع فرض اجندته على المجتمع. فتجد مثلا الاقليات الغير قادرة سياسيا يتم سحقها بشكل غير اخلاقي و بمباركة المجتمع، الي ان تمتلك القدرة لتغيير واقعها.=
هذا ينطبق علي المرأة مثلا و التي لم تتخلص من التمييز الا مع الاسلام، و اليهود في الحرب العالمية الثانية، و الفلسطينيين الان الي اخر هذه التصرفات الغير انسانية. و التي تظل غير انسانية حتي و ان اقترفها الجميع في وقت ما
وبالتالي فكما نرى فان الاخلاق نفسها كمفاهيم مجردة لها =
وجود مستقل عن تطبيقاتها. والاهم الاخلاق موجودة بالرغم من تطبيقاتها او اي عائد مادي قصير او طويل المدى.
فالأخلاق تجعلك تنفق ما لديك على علاج ابيك المريض بمرض مميت بينما لا توجد منفعة مادية ستعود عليك من اي نوع. و ستفعل هذا حتي لو لم يكن لديك اولاد ترجو ان يقلدوك.=
بينما السلوك التنظيمي الانفع لك و للمجتمع هو ان تأكله، فانت بهذا حولته لمادة مفيدة، و حتي بالنسبة له فهذا ليس فعل شرير، لان وجوده في الحياة لم يكن ليحقق اي شيء.
علي رأي دكتور المسيري، فاشمئزازك حين تتمثل في مخيلتك فكرة اكل ابوك المريض او ابنك المعاق. هو في حد ذاته رد فعل غير =
علمي، و غير منطقي، و من وجهة نظر مادية حتمية لا معنى له، بل يجب ان يسيل لعابك حين تتخيل رائحتهما مشويان.
الشعور المتزايد لديك بالغضب من كلامي الان، و ان كنت تريد تحطيم وجهي للصورة اللاأخلاقية البشعة التي اتلفظ بها ليس له الا تبرير واحد الا انك انسان و ان قيمك الأخلاقية مثالية =
متعدية النفع و الضرر، و انك ستقترف الاخلاق بغض النظر عن اي فائدة لها. بل انه عادة ما يتناقض الموقف الأخلاقي مع العائد المادي له
هذه التجربة العملية التي اجريتها معكم الان هي تجربة علمية قابلة للتكرار و التعميم (بل ان هناك تيار بحثي كامل قائم عليها و هو اختبارات =
التابوهات الاخلاقية).وتثبت ببساطة قوة و موضوعية الاخلاق و تهافت التفسير النفعي لها. ولا يمكن قبول موضوعية الاخلاق الا بتقبل وجود أمور غير مادية و هو امر علي قوته ووضوحه لدى الجميع امر ايماني لا يتحقق بلا دين.
فالأخلاق ليست منتج اجتماعي. بل عل العكس هي معيار موضوعي(خارج المجتمع)=
يستخدم للحكم علي خيرية المنتجات الاجتماعية.
الاخلاق هي التي ترشد النفع و الضر (مفاهيم اجتماعية) لضبطهم مع الخير و الشر (مفاهيم موضوعية دينية)
و كون الاخلاق موضوعية و مستقلة عن الانسان هو الضابط الوحيد لخيرية المجتمع و جعله ليس مجتمع حيواني يقهر فيه القوي الضعيف بلا رادع.
=
ما اخذت وقت في تأسيسه علميا و فلسفيا هو نفسه التفسير الذي يؤمن به الغالبية العظمي من البشر بسطائهم و علماؤهم قديمهم وحديثهم. وهو
“ان الانسان ليس الة حاسبة بيولوجية”
وان هناك نطاق كامل من السلوكيات والمعارف و القيم و الموجودات المثالية التي لا تفهم خارج اطار الميتافيزيقا لأنها:=
- موجودة بشكل موضوعي مستقل عن الفرد و المجتمع و التاريخ بل و المادة نفسها (كذلك هي تشبه وجود المعرفة فهل المعرفة لها وجود مستقل موضوعي، ام انها تخيل شخصي غير موضوعي)
- وجودها ليس مادي بل ميتافيزيقي. و بالتالي يمكن الاستدلال عليه ولا يمكن رصده حسيا.
=
- يتعامل معها الانسان حدسيا وهي الالة الايمانية التي يعتمد عليها العلم و المعرفة و الاخلاق و ليس لها تفسير مادي- لا تخضع للتداعي الحتمي، بل للتداعي السببي، الذي يوجب مبدئ خارجي، ولا يمكن انتاجها من داخل النظام نفسه.
و هذا يعيدنا للسؤال الذي لم يجيب عليه العلم بعد:
"اذا لم يكن هناك اي تفسير علمي او رصد تجريبي يدعم اي من طروحات ان الاخلاق منتج اجتماعي.
، فما الاساس الذي يجعل الماديون ينفون التفسير الانساني للأخلاق.
ما الذي يجعل الماديون ينفون ما يوجد عليه ادلة لمجرد انهم لا يملكون ادوات لدراسته؟
هل مالم نستطيع ان نخضعه للتجربة ننفي وجوده =
و نستبدله بقصص”لا يوجد عليها دليل ولا تتسق مع الواقع مثل النموذج المادي التطوري.
اذا كان هو الامر فلم يكن للعلم ان يسأل ابتداءا كل الاسئلة التي لم يمتلك عليها ادوات فلم يكن ليسأل عن حركة الشمس ولا عن المخلوقات المجهرية ولا الموجات…الخ، فنلتصق بدوجماتية في ما نعرف =
و نقفل باب الاجتهاد العلمي علي مالا نعرف.
ام ان جعل الاخلاق مسألة نسبية نفعية مادية هو قرار اجتماعي بتجريد الاخلاق من موضعيتها، و حصرها في تطبيقاتها الاجتماعية التي نفرضها علي المجتمع بكهنوت مؤسسي، و بالتالي نحقق عدمية نيتشوية لا اخلاقية لا بالشكل الواضح الذي فعله هتلر =
بإعدام الغير منتجين، بل بشكل اجتماعي حداثي ينزع الاخلاق عن كل شيء و يستبدلها بالمادة و المنفعة و التوازن الاجتماعي. فبدلا من ان تكون الاخلاق مثالية، تصبح اداة يمتلكها من يملك الثقل السياسي و الاعلامي في فرض معاييره الاخلاقية.
=
و لكن هناك خلط شائع بين الماديين عن ما المقصود بالاخلاق. فيجب اولا ان نفرق بين الاخلاق morals و العقد الاخلاقي ethics
فالعقد الاخلاقي (هو عادة مكتوب code of conduct) ينطبق عليه تماما ما ذكرت ان(الأخلاق مجموعة قواعد تهدف لتنظيم العلاقات في ما يحقّق مصلحة الفرد و المجموعة.)=
اما الاخلاق نفسها فهي ببساطة تعني رؤيتنا للخير و الشر بتنوعاتهم و تجلياتهم.
ولذا فالاخلاق ليست “هي مجموعة قواعد” بل هي “معيار خيرية القواعد”
العقد الاخلاقي و ان كان يهدف لتحقيق مصالح، فهو لا يستطيع ان يجيب اذا كان هذا اخلاقي ام لا، ريتشارد داوكنز مثلا كونت اسرته ثروتها =
من تجارة العبيد و التي كانت كانت مقبولة في العقد الاخلاقي ethically وقتها، وبالرغم من ان المفهوم الاجتماعي للاخلاق مفيد تنظيميا ولكن هذا لا يجيب على سؤال ماهي الاخلاق؟ بل على سؤال كيف نستخدمها!
تخيلوا معي أن س و ص و م استيقظنا في بيت سنظل فيه وحدنا لفترة، ووجدنا الثلاجة بها =
العديد من الخضراوات و الفواكه و اللحوم، و ادراج المطبخ بها بقول و أرز و حلويات.
الان لدينا سؤالين مختلفين
السؤال الاول؟ ماذا سنأكل؟ فيمكن اعداد العديد من الاصناف بنفس هذه المكونات و انا افضل احدها و س يفضل الاخرى الخ، و لهذا يجب ان ننظم هذا بيننا.
وهذا سؤال ابداعي=
ابداعي (يمكن تحقيق اهداف مختلفة او متعارضة به)، اجتماعي (يجب الاتفاق عليه بيننا ويتحيز لقوة عاقدي الاتفاق في التفاوض)
السؤال الثاني، هو سؤال وجودي: من اين اتت هذ الماكولات؟ وهو ليس سؤال فلسفي نظري، بل سؤال معياري ينظم العمل الاجتماعي، لانه يتضمن عدة اسئلة داخله هل المأكولات =
مختارة بعناية لتحقق هرم غذائي ما (وبالتالي يجب ان ناكل بنفس النسب الموجودة؟
ام هي جائت اتفاقا؟ وبعضها قد يكون بلا قيمة اصلا، فلم يقصد احد ان يعد هذا وبالتالي فتجربتنا الشخصية هي الاصل.
هنا قد ننقسم الى ثلاثة اراء:
١. انا رجل عدمي، انا لا أومن بوجود الام التي اختارت الطعام بعناية=
ولا ادري الغرض من وجودي هنا و اذا كنت ساستمر ، و بالتالي ساعظم متعتي على فائدتي الغذائية، و ساحاول ان اعظم مكسبي من اي اتفاق.
لذا ساعقد معكم اتفاق، انا اكثر شئ احبه هو الشوكلاتة فساخذ برطمانات النوتيلا و كيس الشوكلاتة و ادع لكم كل الاكل الصحي الممل و الذي تعتقدوا باهميته.
=
٢-. اخونا س عكسي رجل موضوعي، و هو يقول انه يعرف الام و حسن تدبيرها و عنايتها، لهذا فهو سيتفكر ما هو النسق الغذائي الذي تركته الام و يحاول ان يتبعه فياكل دهون و سكريات قليل و بروتين و نشويات اكثر و الكثير من الخضراوات و الفاكهة، بحيث يتبع ما وضعته ما اراداته الام لنا.
=
٣. م انسان عملي فقلت لا انا لست متاكد من موضوع الام هذا، ولا عنايتها بالطعام، قد يكون صحيح او غير صحيح انا حاليا احاول ان اعظم استفادتي من الموجود، فساكل من الاصناف التي قد تفسد اولا اذا انقطعت الكهرباء، فبدأت باللحوم، حتى اصبت بالنقرس، فاضطريت ان تنوع اكثر من غذائك =
و ادخلت البقول، حتى مرضت فادخلت الخضروات، وهكذا تحاول ادخال طعام و حذف اخر و تغيير نسبهم لتجد الاوفق لك.
-العدمي حر ومارس حريته، و ابداعه و مات بهما سعيدا مع النيوتلا.
- الموضوعي مؤمن بالغرض و العناية، فمارس الحرية في حدود، و شارك اجتماعيا و ابداعيا ولكن جعل العناية و الحكمة =
هي معياريته في الحكم و عاش مستقرا و متوافق مع قوانين البيت و مكوناته.
- العملي مارس رحلة معرفية شديد التقلب و دفع ثمنها مرضا وراء مرض، لانه مصر انه لا يوجد معيار ثابت لانه غير متاكد من وجود الام او عنايتها. و مارس العمل الاجتماعي ايضا من واقع المصالح المشتركة، حتى لو كان مستعليا=
يرى ان عدم معياريته و انعدام الهدف الوجودي اكثر واقعية من الموضوعي و رحلته المعرفية و العملية اكثر اتزانا من العدمي.
السؤال، كيف سنحكم على اي موقف هو الصحيح؟
لا يوجد الا حل واحد
اجابة السؤال الوجودي، ماهي الاخلاق؟ من وضعها هنا؟ و هل لها وجاهة في ذاتها ام يمكن =
ان نتجاهل مثلا “حفظ العرض” و نعتبره خلق مهم و نمارس حياتنا بدونه و بدون ان تصيبنا الامراض.
و كيف نجيب السؤال الوجودي اصلا و نتفق على اجابته؟ هذا ايضا امر سهل.
فكما ان س قد يتصل بالام بخصوص الاكل، فكذلك المسلمون لهم تجارب معرفية مع عناية الخالق، أو روحية في التواصل مع الخالق=
يحاولوا الاتصال معه خمسة مرات يوميا، وكثيرا ما يحدث اتصال تام صافي اكثر حضورا من اتصال الحواس. وبالتالي للمتدينين يلزمهم معياريتها الاخلاقية، و يلزم الغير مؤمنين الاعتراف باحقيتهم في اخذ الدين كمعيار، و اجتماعيا، ان حدث ان مجتمع فيه اغلبية دينية من حقهم ان يطالبوا ان ارادوا =
باستخدام الدين كمرجعية تشريعية طالما لن يؤدي هذا الى ظلم الاقليات الغير مؤمنة.
ولكن على النقيض من المثالي فالعدمي و العملى قد لا يصدقوا في هذا ويعتبروا ان الشخص الموضوعي يتوهم صوت الام او يدجل عليهم،
لذا فقد ياخذوا الطريق الحدسي فكما يراقب احدهم احتياج جسمه للاملاح =
او الفيتامينات و ينوع اكله ليحقق افضل اشباع، ايضا قد يراقب احدنا احتياجاته الروحية و الاخلاقية فلا يعمل الا ما يفخر به اخلاقيا او كما وصفه رسول الله ﷺ "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس". و هي طريقة عفوية حدسية و تغطي عموم احتياجاتك الاخلاقية=
الطريق الاكثر موضوعية لاجابة السؤال الوجودي هو العلم ان استطاعوا صياغة سؤال علمي وجودي عن الأخلاق. هل هي امر عقلي ابداعي، ام بديهي قبلي؟
و قد حدث فعلى سبيل المثال احد العلوم التي بحثت الامر هي علم النفس الاجتماعي، فهناك مبحث كامل عن ماهية الاخلاق، و السائد الان و =
المثبت تجريبيا هو ان الاخلاق ليست عملية عقلية rational ولا عاطفية emotional و لكن حدسية intuitive مثلها قدرتك على العد، و ان الموقف الاخلاقي امر انساني قبلي، منفصل حتى عن تبريره الذي ياتي لاحقا عليه.
اختصارا.
- الطرح العلماني المادي للاخلاق هو طرح وصفي انشائي يجيب على سؤال =
ما الاخلاق التي سنقرر اهدارها وما الاخلاق التي سنقرر دعمها، ولكن لا يجيب على سؤال ماهو معيار الصواب و الخطأ.
- السؤال الوجودي للاخلاق ليس سؤال فلسفي بل معياري يتحدد عليه قبول او تعديل العقد الاجتماعي ليتفق مع الفضائل الموضوعية (الدين) او النفع المادي (الفائدة).
=
- السؤال الوجودي للاخلاق له بالفعل العديد من الاجابات التي تشير بوضوح الى انها قيم خارجية عن الانسان، الاجابة الايمانية احدها، و الاجابة الحدسية، و كذلك هناك اجابات علمية تجريبية في علم النفس الاجتماعي، و علم السلوك و الفلسفة، و علوم التعقيد.. ولكنها مجرد ارهاصات ومخالفة للمنطق=
- الطرح المادي العلماني للاخلاق فيه تناقض ذاتي، لانه يعطي المجتمع حق تحديد معياريته، ثم يفرض عليه عدم الاحتكام للمعيارية الموضوعية، فكانما يفرض عليه الرضوخ لطيف ضيق من التطبيقات الاخلاقية..
وللتنبيه العقد الاجتماعي ليس هو الاخلاق بتعريفاتها
هذه مقارنة جيدة و سريعة
diffen.com
وهذه مناقشة مستفيضة للفرق بينهم و تطبيقاتهم في العلوم في موسوعة ستانفورد للفلسفة
plato.stanford.edu
=
وهنا مجموعة زيجمونت باومان (واحد من اهم فلاسفة الحداثة المعاصرين) للاخلاق كمثال
journals.sagepub.com
حتى من يريد ان يعيش بتعاقدات اجتماعية بلا اخلاق لم يخلط بينهم ولكن اختار ان يعيش بشكل عدمي مثل جول ماركس
philosophynow.org
=
بل و ان تعريف علم النفس الاجتماعي للاخلاق كما اوردته من قبل هو مفهوم انساني حدسي وليس اجتماعي ..
مصادر:
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس ارسطو.
ازمة الفلسفة الاخلاقية بلا دين رضا زيدان.
كتاب الجمهورية الفصل الأول افلاطون.
مباحث في فلسفة الاخلاق محمد يوسف.
تأسيس ميتافريقيا الاخلاق إيمانويل كانْت.
نقد ملكة الحكم كنط.
الاخلاق والسياسة إمام عبد الفتاح.
سؤال الاخلاق طه عبدالرحمن.=
تاريخ الفلسفة الحديثة يوسف كرم.
فلسفة الاخلاق توفيق الطويل.
الفلسفة الأخلاقية من سؤال المعنى إلى مأزق الإجراء مجموعة مؤلفين.
الفلسفة أنواعها ومشكلاتها هنتر ميد.
محاضرات في فلسفة الاخلاق
dohainstitute.org
النفعية لستيورات مل.
بدايات الفلسفة الاخلاقية محمد عبد الرحمن

جاري تحميل الاقتراحات...