1. كُلَّما نَظَرتُ إلى صورتي في ملفِّ أولى ابتدائي أدعو اللهَ أنْ يغفرَ لخالي الذي أخذني عُنوةً لدكَّان التصوير، لا أنسى ذلك اليوم ما حييت.
2. من يشاهدُ صورتي تلك، سيرى في عينيَّ بؤسَ أُمَّةٍ، وفي تسريحةِ شَعري ثورةَ لصُوصٍ، وفي سحنتي همًّا وغمًّا، أضفْ إلى ذلك خلفيَّة التصوير العنَّابية المظلمة.
3. تلك الخلفيَّة التي تَصلحُ لغُرَفِ الإعدامِ بالغاز، أو الاستجوابِ ونزعِ الاعترافات أكثرَ منها خلفيَّةً لصورةٍ شخصيَّة، ولولدٍ على مشارفِ الدخول إلى المدرسة!
4. أوَّلُ يومٍ لي في المدرسة ذهبتُ وحيدًا، الاصطفافُ في طابورِ المدرسة كان كالمشي في سوق الأغنام؛ هذا يبكي، وذاك يعوي، وهناك طفلٌ بلَّلَ ملابسه.
5. أوَّلُ يومٍ في المدرسة كان جنونيًا، أذكره جيّدًا؛ كلُّهُ أحداثٌ متسارعة متعاقبة، وكأنَّك في مباراة نهائيَّة امتدَّ الوقتُ الإضافي فيها إلى خمسِ ساعات.
6. كان معلِّم القراءة لهُ إصبعي إبهام في يده اليمنى، ومعلِّم الرياضيات أعورَ، ومعلِّم الرياضة البدنيَّة يلبسُ بشتًا لا بدلة رياضيَّة، كانت مدرسةً غريبة.
7. كنتُ أحضر للمدرسة ثمَّ أسرح حتى وقت الخروج من المدرسة، كنتُ كالموظَّف الحكومي، وراتبي هو مبلغُ الفُسحة! كنتُ منتظمًا دراسيًا بالجسدِ ليس إلَّا.
8. كانت والدتي -حفظها الله- تطبعُ قُبلةً على رأسي وأنا أهمُّ بالخروج إلى المدرسة حاملًا أسفاري قائلةً: "الله يقاك من العين" عن أيِّ عينٍ تتحدَّث؟!
9. عندما دخلتُ المدرسة تعرَّفت على صديقي بندر، أطيب إنسان في الكون، طيّبٌ وسَمحٌ كأنهُ نبيٌّ بلا رسالة من شِدَّةِ طهرهِ وصدقه، وقد كنت أسْتغلُّه.
10. صديقي بندر هذا كثيرُ الرسوب، رسبَ في كلِّ سنواته الدراسيَّة، بل رسبَ في مادة التربيَّة البدنيَّة! ورسبَ في اختبار السياقة لاستخراج رخصتها، وفي تحليل تطابق الدم لزواجه.
11. كنتُ أنامُ في ليالي الصَّيف وأنا مسمِّرٌ ناظري في اللَّمبة السَّهاريَّة الخضراء على جدار غرفتي الأزرق اللامع، كانت تلك اللَّمبة رفيقة الليل وأنيس الظلام.
12. يشاركني الغرفة أخي ونقيضي، فهو ناجحٌ دراسيًا، مطيعٌ منزليًا، أحمر الخدَّين متورِّدهما، شَعرُهُ مسربل ومرتَّب، وهذا النوع من البشر دومًا يكون ثقيل طِينة.
13. كان أخي هذا فضيحةً، كان كالمذياع؛ يفتحهُ والدي من بعد صلاة العِشاء وهو يشربُ لبنَ الري، فيخبرهُ بما فعلتُ وما لم أفعل، كانت سنوات ظلاميَّة تَعِيسة.
14. كنتُ في اللَّيل أسمعُ صوتَ الجيران، وصلتُ إلى مرحلةٍ متقدِّمة من تمييز نبرات جارنا سيف، والتنبُّؤ بتصرُّفاته، كنتُ أستطيع تقديم دراسة عنه وأسرته بالسَّمع فقط.
15. والدتي -والحقُّ يقال- كانت صبورة جدًا عليَّ، صبرُها يُشبه ذاك الذي زرعَ بذرةً، ثم سحبَ كُرسيًا وجلسَ يرقُبُها حتى أثمرت! إنهُ نَوعٌ من صبرٍ لا يُحتمل.
16.كنَّا نقفُ في الشارع أنا وأولادُ الحارة وكأنَّنا من كُفَّار قريش، أنا شخصيًا كنتُ أُشبِهُ عبد الله غيث في فيلم الرِّسالة، كنَّا ننتظرُ أيَّ شيءٍ لنتعارك معه.
17. لقد مارسنا كلَّ أنواع الإفساد في الأرض، كنَّا نُدخِّن؛ نستنشِقُ الدُّخان كما لو أنهُ آخر نفسٍ لنا، حتى تتقطَّعُ حَيَازِيمُنا، كما لو كنَّا مأجورين على ذلك.
18. كان جارُنا هلاليًا يكرهُ النصر، كان يأخُذُني لمباريات النصر ضدَّ أيِّ فريق لنشجِّعَ ضدَّ النصر! من هنا أحببتُ النصرَ، حبِّي للنصر كان ثورةً للأخلاق والعقل.
19. لم يكنِ التعارفُ على الفتيات سهلاً، نظامُ المعيشة لا يُساعد على ذلك. أنا شخصيًا لم أكتشف أنَّ لي أُختًا إلا بعد 7 سنوات!
20. كنتُ أذهبُ للمدرسة حبوًا في آخر أيَّامي، أتسلَّلُ إليها كما لو أنِّي مصارعٌ يريد ضربَ كفِّ صاحبه للخروج من الحَلَبة، المدرسةُ بالنسبة إليَّ أسوأُ أعمال البشر.
2. من يشاهدُ صورتي تلك، سيرى في عينيَّ بؤسَ أُمَّةٍ، وفي تسريحةِ شَعري ثورةَ لصُوصٍ، وفي سحنتي همًّا وغمًّا، أضفْ إلى ذلك خلفيَّة التصوير العنَّابية المظلمة.
3. تلك الخلفيَّة التي تَصلحُ لغُرَفِ الإعدامِ بالغاز، أو الاستجوابِ ونزعِ الاعترافات أكثرَ منها خلفيَّةً لصورةٍ شخصيَّة، ولولدٍ على مشارفِ الدخول إلى المدرسة!
4. أوَّلُ يومٍ لي في المدرسة ذهبتُ وحيدًا، الاصطفافُ في طابورِ المدرسة كان كالمشي في سوق الأغنام؛ هذا يبكي، وذاك يعوي، وهناك طفلٌ بلَّلَ ملابسه.
5. أوَّلُ يومٍ في المدرسة كان جنونيًا، أذكره جيّدًا؛ كلُّهُ أحداثٌ متسارعة متعاقبة، وكأنَّك في مباراة نهائيَّة امتدَّ الوقتُ الإضافي فيها إلى خمسِ ساعات.
6. كان معلِّم القراءة لهُ إصبعي إبهام في يده اليمنى، ومعلِّم الرياضيات أعورَ، ومعلِّم الرياضة البدنيَّة يلبسُ بشتًا لا بدلة رياضيَّة، كانت مدرسةً غريبة.
7. كنتُ أحضر للمدرسة ثمَّ أسرح حتى وقت الخروج من المدرسة، كنتُ كالموظَّف الحكومي، وراتبي هو مبلغُ الفُسحة! كنتُ منتظمًا دراسيًا بالجسدِ ليس إلَّا.
8. كانت والدتي -حفظها الله- تطبعُ قُبلةً على رأسي وأنا أهمُّ بالخروج إلى المدرسة حاملًا أسفاري قائلةً: "الله يقاك من العين" عن أيِّ عينٍ تتحدَّث؟!
9. عندما دخلتُ المدرسة تعرَّفت على صديقي بندر، أطيب إنسان في الكون، طيّبٌ وسَمحٌ كأنهُ نبيٌّ بلا رسالة من شِدَّةِ طهرهِ وصدقه، وقد كنت أسْتغلُّه.
10. صديقي بندر هذا كثيرُ الرسوب، رسبَ في كلِّ سنواته الدراسيَّة، بل رسبَ في مادة التربيَّة البدنيَّة! ورسبَ في اختبار السياقة لاستخراج رخصتها، وفي تحليل تطابق الدم لزواجه.
11. كنتُ أنامُ في ليالي الصَّيف وأنا مسمِّرٌ ناظري في اللَّمبة السَّهاريَّة الخضراء على جدار غرفتي الأزرق اللامع، كانت تلك اللَّمبة رفيقة الليل وأنيس الظلام.
12. يشاركني الغرفة أخي ونقيضي، فهو ناجحٌ دراسيًا، مطيعٌ منزليًا، أحمر الخدَّين متورِّدهما، شَعرُهُ مسربل ومرتَّب، وهذا النوع من البشر دومًا يكون ثقيل طِينة.
13. كان أخي هذا فضيحةً، كان كالمذياع؛ يفتحهُ والدي من بعد صلاة العِشاء وهو يشربُ لبنَ الري، فيخبرهُ بما فعلتُ وما لم أفعل، كانت سنوات ظلاميَّة تَعِيسة.
14. كنتُ في اللَّيل أسمعُ صوتَ الجيران، وصلتُ إلى مرحلةٍ متقدِّمة من تمييز نبرات جارنا سيف، والتنبُّؤ بتصرُّفاته، كنتُ أستطيع تقديم دراسة عنه وأسرته بالسَّمع فقط.
15. والدتي -والحقُّ يقال- كانت صبورة جدًا عليَّ، صبرُها يُشبه ذاك الذي زرعَ بذرةً، ثم سحبَ كُرسيًا وجلسَ يرقُبُها حتى أثمرت! إنهُ نَوعٌ من صبرٍ لا يُحتمل.
16.كنَّا نقفُ في الشارع أنا وأولادُ الحارة وكأنَّنا من كُفَّار قريش، أنا شخصيًا كنتُ أُشبِهُ عبد الله غيث في فيلم الرِّسالة، كنَّا ننتظرُ أيَّ شيءٍ لنتعارك معه.
17. لقد مارسنا كلَّ أنواع الإفساد في الأرض، كنَّا نُدخِّن؛ نستنشِقُ الدُّخان كما لو أنهُ آخر نفسٍ لنا، حتى تتقطَّعُ حَيَازِيمُنا، كما لو كنَّا مأجورين على ذلك.
18. كان جارُنا هلاليًا يكرهُ النصر، كان يأخُذُني لمباريات النصر ضدَّ أيِّ فريق لنشجِّعَ ضدَّ النصر! من هنا أحببتُ النصرَ، حبِّي للنصر كان ثورةً للأخلاق والعقل.
19. لم يكنِ التعارفُ على الفتيات سهلاً، نظامُ المعيشة لا يُساعد على ذلك. أنا شخصيًا لم أكتشف أنَّ لي أُختًا إلا بعد 7 سنوات!
20. كنتُ أذهبُ للمدرسة حبوًا في آخر أيَّامي، أتسلَّلُ إليها كما لو أنِّي مصارعٌ يريد ضربَ كفِّ صاحبه للخروج من الحَلَبة، المدرسةُ بالنسبة إليَّ أسوأُ أعمال البشر.
21. في صِغَري، كان اسمُ موضي بالنسبةِ إليَّ خاصًا بكبيرات السِّنِّ، وكنتُ أنطقه أمْويضي، ولا يكادُ يخلو بيت في الرياض من امرأةٍ اسمها موضي، ونادرًا ما تكون شابَّة.
22. كنَا نُحبُّ تربية الحيوانات المريضة، قِطَطٍ مشوَّهة ومقطَّعة الذيول، كِلابٍ تَنهَقُ من شدَّة الاختلال! حَمَامٍ بلا ريش، ببغاوات لا يمكنها ترديد الكلام.
23. كنَّا نُطاردُ الكلابَ أغلب الوقت، صرنا خُبراء كما في قناة NatGe فالكلبُ إذا أحسَّ فيك نبحَ عليك، فإن خِفت منه هجمَ عليك، وإن هربتَ عنه لحِقَ بك وعضَّك.
24. أذكر مرَّةً لحقني كلبٌ، من شدَّة غضبه أوشك أن ينطق ويشتِمَني وهو يركض خلفي! حينها لم تحملني رجلاي. لقد جلستُ وأنا أشعرُ بالخزي، وقد عضَّني عضَّةً أليمةً.
25. كنَّا لا نعترضُ على أهلنا إذا ما هم أرادوا ضربنا، كان اعتراضنا غالبًا على موقع الضرب وتوقيته! فمنَ المعيبِ أن تُضرَبَ وسط أولاد الحارة وبين الناس.
26. ولا أريدُ وصفَ شُعُوري عندما أُضرَبُ وسط أولاد الحارة -مع أنَّهم يُضربون مثلي- لكنَّني على يقينٍ بأنَّ الله قد مهَّدَ لي طريقًا إلى الجنَّة بعد تلكمُ الأيَّام.
27. كانت ملابسنَا نمطيَّةً تصيبك بالكمد، مُرقَّعة، وقد اكتسبت -مع مرور الوقت- لونًا غيرَ لونها الأصلي، ثوبي -مثلًا- كان يقفُ سواءٌ كنت ألبسه أم لا ألبسهُ من الوَسَخِ.
28. أحببتُ نادي النصر حتَّى سجَّلت في نادي الرياض، كنتُ أريد أن أبدأ في نادي الرياض ثمَّ أرحل إلى نادي النصر في صفقة انتقال حُرٍّ، لكنَّ والدي كان أسرعَ منهما، تعرفون ماذا فعل!
29. قبل أن يعرفَ والدي بخبر تسجيلي في نادي الرياض كنتُ ألعبُ بالقدم اليمنى، وبعد أن عرفَ والدي بالخبر صرتُ ألعب باليد اليُمنى واليُسرى فقط، ولفترة ليست بالقصيرة.
30. علاقتي بوالدي أيَّام المراهقة ليست بالعميقة، كانت محدَّدَةً بإحضار اللَّبن والخُبز للبيت، خلا ذلك؛ يلتزم كلٌّ منَّا بحدوده، إلَّا أنَّ بيننا حربًا باردةً وطويلة.
31. والدي -مثلًا- لا يعرف أين مدرستي! كان خالي هوَ والدي، كان رجلًا أصفرَ الوجه مشوبًا بحُمرة، قليلَ الكلام، كلَّما نظرَ إليَّ دبَّت في جسدي روحٌ جديدة.
32. لكمْ وددتُ استعارة حنجرة سرحان عبد البصير وهو يصرخُ في مسرحيّة شاهد ما شفش حاجة قائلًا: "دنا غَلْبَاااان" صرخته تلك تُلَخِّصُ الحال.
33.كانت حارتنا تغصُّ بالمعاتيه، حتَّى قطط الحارة تستنكر العاقل، وتعرف أنَّه غريبٌ تاه! فهي معتادةٌ علينا وعلى عُتْهنا.
34. كان مؤذِّن مسجدنا يلعبُ معنا الكُرَة، وقد كان يؤخِّرُ أذان المغرب حتَّى يُسجِّلَ فريقُهُ هدفَ تعادلٍ أو فوز، وكان الإمامُ يحضرُ ولم يؤذَّنْ للصلاة بعد!
35. وقد عُزِلَ -في وقتٍ لاحق- عن مهام المؤذِّن لما لُوحظ عليه من تأخير، فأبدلهُ الله خيرًا، وصار مؤذِّنًا في مسجد جامع، إضافةً إلى سكنٍ خاص به.
36. كان بعضُ الأساتذة يُحَدِّثنا عن أمِّ كلثوم الفنَّانة وصوتها ومن هذا الكلام، وكنتُ أحسبها أمَّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ، فكنتُ أُفكِّرُ طوال الليل حتَّى عرفت.
37. في المرحلة المتوسِّطة كان شُغلي الشاغل هو الدُّخان، كنت شاردَ الذهن، يقطعُ هذا الشرود سؤالُ بندر: "في أيِّ مرحلةٍ دراسيةٍ نحن" من فرط ضياعه هو الآخر.
38. مرَّت المرحلة المتوسِّطة بالكثير جدًا من أعقاب السجائر، والقليل جدًا من المحصول العلمي، كانت مرحلةً سريعة، أسرعُ من غفوة عصر يوم الجُمُعة.
39. درَّسني في المرحلة المتوسِّطة ع.ر ولم أستفد منهُ شيئًا ولله الحمد.
40. كان أستاذُ الكيمياء يُحضِّر الماجستير، ويقول لنا: "بعد الحُصَّة، عندي ماجستير" كنت أُشفق عليه، ظننتُ الماجستير مرضًا يحتاج معه إلى جلسات علاج
41. المرحلة المتوسِّطة كانت بالنسبة لي كأزمة منتصف العُمر، احترتُ فيها بين رُفقاء الضُّرِّ، وأهل الصَّلاح، وما عادتْ نفسي تأمرني بالسُّوء من فرط ذنوبي.
22. كنَا نُحبُّ تربية الحيوانات المريضة، قِطَطٍ مشوَّهة ومقطَّعة الذيول، كِلابٍ تَنهَقُ من شدَّة الاختلال! حَمَامٍ بلا ريش، ببغاوات لا يمكنها ترديد الكلام.
23. كنَّا نُطاردُ الكلابَ أغلب الوقت، صرنا خُبراء كما في قناة NatGe فالكلبُ إذا أحسَّ فيك نبحَ عليك، فإن خِفت منه هجمَ عليك، وإن هربتَ عنه لحِقَ بك وعضَّك.
24. أذكر مرَّةً لحقني كلبٌ، من شدَّة غضبه أوشك أن ينطق ويشتِمَني وهو يركض خلفي! حينها لم تحملني رجلاي. لقد جلستُ وأنا أشعرُ بالخزي، وقد عضَّني عضَّةً أليمةً.
25. كنَّا لا نعترضُ على أهلنا إذا ما هم أرادوا ضربنا، كان اعتراضنا غالبًا على موقع الضرب وتوقيته! فمنَ المعيبِ أن تُضرَبَ وسط أولاد الحارة وبين الناس.
26. ولا أريدُ وصفَ شُعُوري عندما أُضرَبُ وسط أولاد الحارة -مع أنَّهم يُضربون مثلي- لكنَّني على يقينٍ بأنَّ الله قد مهَّدَ لي طريقًا إلى الجنَّة بعد تلكمُ الأيَّام.
27. كانت ملابسنَا نمطيَّةً تصيبك بالكمد، مُرقَّعة، وقد اكتسبت -مع مرور الوقت- لونًا غيرَ لونها الأصلي، ثوبي -مثلًا- كان يقفُ سواءٌ كنت ألبسه أم لا ألبسهُ من الوَسَخِ.
28. أحببتُ نادي النصر حتَّى سجَّلت في نادي الرياض، كنتُ أريد أن أبدأ في نادي الرياض ثمَّ أرحل إلى نادي النصر في صفقة انتقال حُرٍّ، لكنَّ والدي كان أسرعَ منهما، تعرفون ماذا فعل!
29. قبل أن يعرفَ والدي بخبر تسجيلي في نادي الرياض كنتُ ألعبُ بالقدم اليمنى، وبعد أن عرفَ والدي بالخبر صرتُ ألعب باليد اليُمنى واليُسرى فقط، ولفترة ليست بالقصيرة.
30. علاقتي بوالدي أيَّام المراهقة ليست بالعميقة، كانت محدَّدَةً بإحضار اللَّبن والخُبز للبيت، خلا ذلك؛ يلتزم كلٌّ منَّا بحدوده، إلَّا أنَّ بيننا حربًا باردةً وطويلة.
31. والدي -مثلًا- لا يعرف أين مدرستي! كان خالي هوَ والدي، كان رجلًا أصفرَ الوجه مشوبًا بحُمرة، قليلَ الكلام، كلَّما نظرَ إليَّ دبَّت في جسدي روحٌ جديدة.
32. لكمْ وددتُ استعارة حنجرة سرحان عبد البصير وهو يصرخُ في مسرحيّة شاهد ما شفش حاجة قائلًا: "دنا غَلْبَاااان" صرخته تلك تُلَخِّصُ الحال.
33.كانت حارتنا تغصُّ بالمعاتيه، حتَّى قطط الحارة تستنكر العاقل، وتعرف أنَّه غريبٌ تاه! فهي معتادةٌ علينا وعلى عُتْهنا.
34. كان مؤذِّن مسجدنا يلعبُ معنا الكُرَة، وقد كان يؤخِّرُ أذان المغرب حتَّى يُسجِّلَ فريقُهُ هدفَ تعادلٍ أو فوز، وكان الإمامُ يحضرُ ولم يؤذَّنْ للصلاة بعد!
35. وقد عُزِلَ -في وقتٍ لاحق- عن مهام المؤذِّن لما لُوحظ عليه من تأخير، فأبدلهُ الله خيرًا، وصار مؤذِّنًا في مسجد جامع، إضافةً إلى سكنٍ خاص به.
36. كان بعضُ الأساتذة يُحَدِّثنا عن أمِّ كلثوم الفنَّانة وصوتها ومن هذا الكلام، وكنتُ أحسبها أمَّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ، فكنتُ أُفكِّرُ طوال الليل حتَّى عرفت.
37. في المرحلة المتوسِّطة كان شُغلي الشاغل هو الدُّخان، كنت شاردَ الذهن، يقطعُ هذا الشرود سؤالُ بندر: "في أيِّ مرحلةٍ دراسيةٍ نحن" من فرط ضياعه هو الآخر.
38. مرَّت المرحلة المتوسِّطة بالكثير جدًا من أعقاب السجائر، والقليل جدًا من المحصول العلمي، كانت مرحلةً سريعة، أسرعُ من غفوة عصر يوم الجُمُعة.
39. درَّسني في المرحلة المتوسِّطة ع.ر ولم أستفد منهُ شيئًا ولله الحمد.
40. كان أستاذُ الكيمياء يُحضِّر الماجستير، ويقول لنا: "بعد الحُصَّة، عندي ماجستير" كنت أُشفق عليه، ظننتُ الماجستير مرضًا يحتاج معه إلى جلسات علاج
41. المرحلة المتوسِّطة كانت بالنسبة لي كأزمة منتصف العُمر، احترتُ فيها بين رُفقاء الضُّرِّ، وأهل الصَّلاح، وما عادتْ نفسي تأمرني بالسُّوء من فرط ذنوبي.
42. كنتُ منتظمًا في مدارس تحفِيظ القُرآن الكريم عصرًا، وأتعلَّم عزفَ العودِ بعد صلاةِ العِشاء، وأنامُ بعد قراءة صفحةٍ من كتابِ رياض الصَّالحين.
43. لقد كانت في صدري معركةٌ بين الظلام والخير، جزءٌ منِّي مع الفاسدين، وجزءٌ آخر لا ينفكُّ عن ترغيبي بالصَّالحين، باختصار: كنتُ أُحبُّ الفاسدين ولستُ منهم.
44. كانت العُطلات الصيفيَّة متعةً لأقراني، لكنَّها تمثلُّ كابوسًا بالنسبة إليَّ، كنتُ أعمل في كلِّ عُطلة، عملتُ في كل شيءٍ، عملتُ حتَّى في حديقة الحيوانات بالملزِّ.
45. عملي في حديقة الحيوانات علَّمني الكثير، أهمَّ ما تعلَّمتهُ: أننَّي صِرتُ أتعامل مع بعض البشر بشكلٍ أفضل بكثير ممَّا سبق.
46. في حديقة الحيوان بحيِّ الملزّ شاهدتُ العجائب والفرائد، فلأوَّل مرَّة أشاهد أسدًا يأكل الفول، وكان يصدُّ عن اللبؤة كما لو كان مصابًا بعجزٍ أسديّ.
47. شاهدتُ زرافةً قصيرةً ومصابة بضمور عضليّ، ذئابًا تعيش فرادى، وحيدَ قرنٍ بلا قرن! والبعير كان كبيرًا عاجزًا ساخطًا، وكأنَّهُ من شيبان نجد.
48. كنتُ في الثانويَّة أُشبِه الفتيان الذين يظهرون في دعاية برنامج الأُمَم المتَّحدة للغذاء، غائرَ العينين، وثمَّة سوادٌ يُغطِّي وجهي كذاك السواد الذي يعلو القاهرة في ساعات الصباح الأولى.
49. وقتما انتظمتُ دارسًا في المرحلة الثانويَّة، تعرَّفت على صديقٍ اسمه ثامر من أهل الحريق، كان لعينًا بشكلٍ عَجز معهُ إبليس، وطلبَ إبليس مناظرته.
50. تعرَّفت على ثامر عندما قال الأستاذ لنا: "بكرة عليكم واجب كذا وكذا" فقال ثامر وبصوت مسموع: "في النَّخل" هكذا قالها صراحةً، دون أيِّ احترام للأستاذ، أو خوف من العقاب.
51. ثامر هذا من بديع خلق الله، لو أنَّ مُلحدًا شكَّ في صنيع الله وبديع خلقه، لاستشهدتُ بثامر، حاضر النُّكتة، خشن المعشر، قرويّ من الطراز الأوَّل.
52. ثامر أرضعته أُمُّه اللَّكاعة من ثدييها، كان حَرِيْقِيًا متعافيَ البدن، مطبوعًا على صدره V12، أقنى الأنف، مكتوبًا بين عينيه خربان يقرؤها كلُّ عاقل.
53. ثامر قد عرَكته الحوطة، وضرَّسته نعام، مرهفُ الحسِّ، خفيف النَّفس، أهمُّ ما عنده في دنياه سيَّارته المازدا، ويحنُّ للحريق حنينَ من غالبته الفُرص.
54. في المرحلة الثانويَّة أصابني تبلُّدٌ مريرٌ، كنت أتغيَّب عن المدرسة وأذهبُ لمقهى شيشة رفقة ثامر، بسيّارته نوع مازدا طراز ٧٦ ولونها الذهبي الأخَّاذ.
55. في المرحلة الثانويَّة تعرَّفت على أُستاذٍ قُبض عليه فيما بعد بتُهمةِ الإرهاب، كان مُعلمًا سمّيعًا لأُمِّ كلثوم، يتحدَّثُ عنها بإطناب مملٍّ.
56. كانت حصَّة اللُّغة الإنجليزيَّة مضيعةً للوقت، الأُستاذُ نفسه لم يكُ يتحدَّث الإنجليزيَّة جيّدًا، وأغلبُ التلاميذ لا يجيدون العربيَّة أصلًا، ضياع.
57. أما حصَّة الكيمياء فالأستاذ شيخٌ هرِمٌ، يتحدَّثُ أكثر شيء عن كيمياء الجسد، كان يُحبُّ النساءَ بشكل مريب، كان جلُّ حديثه عن النساءِ اللواتي شغفنَ قلبه.
58. كنتُ بليدًا في مادة الرياضيات، علبة هندسة العقيلي بالنسبة لي أدوات حِجامة، كنتُ أتردَّدُ في ناتج جمع ١+١، نشأتُ كارهًا للأرقام والأعداد.
59. في المرحلة الثانويَّة صِرتُ مثقلًا بالهموم، صِرتُ أبعدَ شيءٍ في الضياع والتِّيه، وأعتقد أنَّ الملائكةَ لا تدخلُ غرفتي إذا كنتُ أنا فيها.
60. قرَّرتُ التوبةَ، عقدتُ العزمَ على أنْ أتوبَ، جمعتُ كلَّ أشيائي الفاسدة وحفظتها عند بعضِ الأصدقاء، لأستعيدَها حالَ عدولي عن التوبة!
61. كنتُ أُحِبُّ اللونَ الرماديّ، أُحِبُّ عدمَ الوضوح، أُحِبُّ أنْ أبقى بينَ البَيْنِ، وسطَ الاحتمالينِ، أُمسِكُ عصفورًا بيدي، وأحاولُ في العشرة التي على الشجرة.
62. عندما حلَّتْ أزمةُ حربِ الخليج، لم يبقَ في الحارة غيري وهِرٍّ مُحترمٍ، الكلُّ هربَ إلى مسقط رأسه، كان الموتُ يطلُّ بوجهه الشَّاحب علينا في اليوم مئة مرَّة.
43. لقد كانت في صدري معركةٌ بين الظلام والخير، جزءٌ منِّي مع الفاسدين، وجزءٌ آخر لا ينفكُّ عن ترغيبي بالصَّالحين، باختصار: كنتُ أُحبُّ الفاسدين ولستُ منهم.
44. كانت العُطلات الصيفيَّة متعةً لأقراني، لكنَّها تمثلُّ كابوسًا بالنسبة إليَّ، كنتُ أعمل في كلِّ عُطلة، عملتُ في كل شيءٍ، عملتُ حتَّى في حديقة الحيوانات بالملزِّ.
45. عملي في حديقة الحيوانات علَّمني الكثير، أهمَّ ما تعلَّمتهُ: أننَّي صِرتُ أتعامل مع بعض البشر بشكلٍ أفضل بكثير ممَّا سبق.
46. في حديقة الحيوان بحيِّ الملزّ شاهدتُ العجائب والفرائد، فلأوَّل مرَّة أشاهد أسدًا يأكل الفول، وكان يصدُّ عن اللبؤة كما لو كان مصابًا بعجزٍ أسديّ.
47. شاهدتُ زرافةً قصيرةً ومصابة بضمور عضليّ، ذئابًا تعيش فرادى، وحيدَ قرنٍ بلا قرن! والبعير كان كبيرًا عاجزًا ساخطًا، وكأنَّهُ من شيبان نجد.
48. كنتُ في الثانويَّة أُشبِه الفتيان الذين يظهرون في دعاية برنامج الأُمَم المتَّحدة للغذاء، غائرَ العينين، وثمَّة سوادٌ يُغطِّي وجهي كذاك السواد الذي يعلو القاهرة في ساعات الصباح الأولى.
49. وقتما انتظمتُ دارسًا في المرحلة الثانويَّة، تعرَّفت على صديقٍ اسمه ثامر من أهل الحريق، كان لعينًا بشكلٍ عَجز معهُ إبليس، وطلبَ إبليس مناظرته.
50. تعرَّفت على ثامر عندما قال الأستاذ لنا: "بكرة عليكم واجب كذا وكذا" فقال ثامر وبصوت مسموع: "في النَّخل" هكذا قالها صراحةً، دون أيِّ احترام للأستاذ، أو خوف من العقاب.
51. ثامر هذا من بديع خلق الله، لو أنَّ مُلحدًا شكَّ في صنيع الله وبديع خلقه، لاستشهدتُ بثامر، حاضر النُّكتة، خشن المعشر، قرويّ من الطراز الأوَّل.
52. ثامر أرضعته أُمُّه اللَّكاعة من ثدييها، كان حَرِيْقِيًا متعافيَ البدن، مطبوعًا على صدره V12، أقنى الأنف، مكتوبًا بين عينيه خربان يقرؤها كلُّ عاقل.
53. ثامر قد عرَكته الحوطة، وضرَّسته نعام، مرهفُ الحسِّ، خفيف النَّفس، أهمُّ ما عنده في دنياه سيَّارته المازدا، ويحنُّ للحريق حنينَ من غالبته الفُرص.
54. في المرحلة الثانويَّة أصابني تبلُّدٌ مريرٌ، كنت أتغيَّب عن المدرسة وأذهبُ لمقهى شيشة رفقة ثامر، بسيّارته نوع مازدا طراز ٧٦ ولونها الذهبي الأخَّاذ.
55. في المرحلة الثانويَّة تعرَّفت على أُستاذٍ قُبض عليه فيما بعد بتُهمةِ الإرهاب، كان مُعلمًا سمّيعًا لأُمِّ كلثوم، يتحدَّثُ عنها بإطناب مملٍّ.
56. كانت حصَّة اللُّغة الإنجليزيَّة مضيعةً للوقت، الأُستاذُ نفسه لم يكُ يتحدَّث الإنجليزيَّة جيّدًا، وأغلبُ التلاميذ لا يجيدون العربيَّة أصلًا، ضياع.
57. أما حصَّة الكيمياء فالأستاذ شيخٌ هرِمٌ، يتحدَّثُ أكثر شيء عن كيمياء الجسد، كان يُحبُّ النساءَ بشكل مريب، كان جلُّ حديثه عن النساءِ اللواتي شغفنَ قلبه.
58. كنتُ بليدًا في مادة الرياضيات، علبة هندسة العقيلي بالنسبة لي أدوات حِجامة، كنتُ أتردَّدُ في ناتج جمع ١+١، نشأتُ كارهًا للأرقام والأعداد.
59. في المرحلة الثانويَّة صِرتُ مثقلًا بالهموم، صِرتُ أبعدَ شيءٍ في الضياع والتِّيه، وأعتقد أنَّ الملائكةَ لا تدخلُ غرفتي إذا كنتُ أنا فيها.
60. قرَّرتُ التوبةَ، عقدتُ العزمَ على أنْ أتوبَ، جمعتُ كلَّ أشيائي الفاسدة وحفظتها عند بعضِ الأصدقاء، لأستعيدَها حالَ عدولي عن التوبة!
61. كنتُ أُحِبُّ اللونَ الرماديّ، أُحِبُّ عدمَ الوضوح، أُحِبُّ أنْ أبقى بينَ البَيْنِ، وسطَ الاحتمالينِ، أُمسِكُ عصفورًا بيدي، وأحاولُ في العشرة التي على الشجرة.
62. عندما حلَّتْ أزمةُ حربِ الخليج، لم يبقَ في الحارة غيري وهِرٍّ مُحترمٍ، الكلُّ هربَ إلى مسقط رأسه، كان الموتُ يطلُّ بوجهه الشَّاحب علينا في اليوم مئة مرَّة.
63. كنَّا إبَّان الأزمة ننامُ في سطح المنزل من فرطِ توكُّلنا على الله، لن يصيبنا إلَّا ما كتبَ اللهُ لنا، أذكرُ ذلك العشاء المختصر، لبنًا وزيتونًا وحساءَ طماطم.
64. كنتُ أرقبُ صواريخَ سكود كما لو كنتُ جُنديًا في الدِّفاع الجويّ، وكلَّما انطلقتْ صافراتُ الإنذار صعدتُ مُنتشيًا فوق الخزَّان لعلَّ الصاروخ يتوَجَّه إلينا وينسفنا!
65. عندي صورةٌ التقطتها للعائلة أيَّام الأزمة وهم متحلِّقين على وجبةِ العشاء، أسميتُها العشاء الأخير، لأنَّهُ في اليوم التالي أُعلنَ تحريرُ الكويت.
66. كانتِ الرياضُ خاوِيَةً إلَّا من بعضِ الذين خرجوا لشراء الأشرطة اللاصقة، التجوَال فيها من بعد مغيب الشمسِ بساعتين يشبهُ التجوَال في مقبرةٍ عُلِّقَ الدَّفنُ فيها.
67. قرَّر والدي إدخالي مدرسةً أهليَّة، لأنَّ استمراري في المدرسة الحكوميَّة هوَ نوعٌ من الدَّوران حولَ نُقطة، يريدُ أنْ أحصلَ على نسبةٍ تؤمِّن لي مستقبلًا.
68. الدخولُ في المدرسة الأهليَّة يشبهُ كثيرًا الدخول في مشغل نسائيّ، لأوَّل مرَّةٍ في حياتي أشاهدُ هذه الوجوه المُسفرة، نظافةً ولطافةً ورهافة.
69. كنتُ في هذه المدرسة الأهليَّة كالزبيبةِ بين مجموعةٍ من عناقيد العنب البَيْروتي الناضجة المُتدلِّية، كنتُ أتعسهم وأفسدهم ولا ريب.
70. كان معنا طالبٌ مدلَّلٌ يسمُّونهُ دحومي، رائحتُه ذكيَّة، أقلامهُ ملوَّنة، كُتُبه مُجلَّدة، ملابِسُه نظيفة، وجهُهُ وجهُ حوريَّة، أظنُّه يُقَاسِم أخته أشياءَ كثيرة.
71. كانتِ الوالدة تحبُّ حياكةَ البيوز، كانت تحوِّل أيَّ ثوبٍ لي أضعه للغسيل إلى مجموعة من البيوز في لحظات، هكذا كانت تقضي جُلَّ وقتها، أو خاشعةً فوق سُجَّادتها.
72. كانت الوالدة تلُفُّ الريال في يدي ليبدو أكثر، كانت تَمتَصُّ صَدَماتي كما امتصَّتْ أوروبَّة غزوات الجرمان، كانت شخصيَّتي المفضلة أبدًا.
73. كانت -ولا تزال- دعواتُ والدتي تصلُ أسرعَ من طرود FedEx، وتنسفُ كلَّ شيءٍ كما لو كانت عَبوَاتٍ متفجِّرة، تشعرُ بي وأنا على بُعدِ آلاف الأميال.
74. كانت والدتي تعرفُ أنَّ رعيَ الغنم حِرفَةُ الأنبياء، لذا أرادتني راعيًا للغنم؛ لعلِّي أكونُ نبيا، كانت تُحبُّني أكثر شيء، فالله الله بأُمَّهاتكم.
75. إن كانتِ الناس تُثقلها الهموم، فأنا تثقلني الذكريات، كان كلما تقدَّمت بيَ الأيَّامُ، ازدادَ قحطُ الأصدقاء، وتمرَّغتُ في وَحلٍ من أشباههم.
76. كان أصدقاءُ الطفولة والمراهقة من الصنف النادر المُهَدَّدِ بالانقراض اليوم، كانوا من النوع الذي إنْ أنتَ أردتَ طعنَ أحدِهم في ظهرهِ؛ أعطوكَ كُلهم ظهورهم.
77. ولنْ أنسى ما حييتُ أنَّهُ كلَّما ادْلَهَمَّ الظلامُ، وخَيَّمَ الهدوءُ، وسكتَ صوتُ المؤذِّنِ بعدَ آذان العِشاء، كنتُ أخرجُ لأجوبَ طُرُقَات السويدي مع صديقي بندر.
78. كانت علاقتي بوالدي نوعًا من التراجيديا، لو اطَّلع موريس چارد على تفاصيلها لألَّفَ لها موسيقى تصويريَّة خالدة.
79. كان الوالدُ -أدام اللهُ ظِلَّه- ينظرُ إليَّ نظرةً نفعيَّةً صرفة، كنتُ أجيرًا باليوميَّة، موظفًا بلغَ نهاية سُلَّمِه الوظيفي، جمهوريَّة مَوزٍ غُلِبَت على أمرها.
80. كنتُ أكرَهُ يومَ الجُمُعة، كرهتُهُ لأنه يَومٌ طويل، ولأنَّ الذي يعقبه يومُ سَبت، ولأنَّهُ يومُ المشاوير، ولأنَّهُ عِيدٌ، والشياطينُ لا تُحَبِّذ الأعياد!
81. كنتُ أصحو الجُمعة على صوتِ المِنْفاخ الكهربائي الذي تستخدمه الوالدة لتنظيف مجاري النوافذ، ونداءِ والدي الجهوري المُزَلزِل: “قوموا صلّوا”
82. كانت تتضاءلُ نسبة الرؤية في البيت إلى أقلِّ من النصف يوم الجمعة سبب دُخان البَخُور، ورائحةِ القهوةِ العربيَّة التي تطاردك في حُلمِك من شدَّة رائحتها.
83. كان الوالدُ يذهبُ لصلاة الجمعة قبلَ التاسعة، أُديرُ المفتاحَ، وأُشعِلُ المُحرِّك على صوتِ السِّواك الذي يلعبُ لُعبَته في فمِ الوالد.
64. كنتُ أرقبُ صواريخَ سكود كما لو كنتُ جُنديًا في الدِّفاع الجويّ، وكلَّما انطلقتْ صافراتُ الإنذار صعدتُ مُنتشيًا فوق الخزَّان لعلَّ الصاروخ يتوَجَّه إلينا وينسفنا!
65. عندي صورةٌ التقطتها للعائلة أيَّام الأزمة وهم متحلِّقين على وجبةِ العشاء، أسميتُها العشاء الأخير، لأنَّهُ في اليوم التالي أُعلنَ تحريرُ الكويت.
66. كانتِ الرياضُ خاوِيَةً إلَّا من بعضِ الذين خرجوا لشراء الأشرطة اللاصقة، التجوَال فيها من بعد مغيب الشمسِ بساعتين يشبهُ التجوَال في مقبرةٍ عُلِّقَ الدَّفنُ فيها.
67. قرَّر والدي إدخالي مدرسةً أهليَّة، لأنَّ استمراري في المدرسة الحكوميَّة هوَ نوعٌ من الدَّوران حولَ نُقطة، يريدُ أنْ أحصلَ على نسبةٍ تؤمِّن لي مستقبلًا.
68. الدخولُ في المدرسة الأهليَّة يشبهُ كثيرًا الدخول في مشغل نسائيّ، لأوَّل مرَّةٍ في حياتي أشاهدُ هذه الوجوه المُسفرة، نظافةً ولطافةً ورهافة.
69. كنتُ في هذه المدرسة الأهليَّة كالزبيبةِ بين مجموعةٍ من عناقيد العنب البَيْروتي الناضجة المُتدلِّية، كنتُ أتعسهم وأفسدهم ولا ريب.
70. كان معنا طالبٌ مدلَّلٌ يسمُّونهُ دحومي، رائحتُه ذكيَّة، أقلامهُ ملوَّنة، كُتُبه مُجلَّدة، ملابِسُه نظيفة، وجهُهُ وجهُ حوريَّة، أظنُّه يُقَاسِم أخته أشياءَ كثيرة.
71. كانتِ الوالدة تحبُّ حياكةَ البيوز، كانت تحوِّل أيَّ ثوبٍ لي أضعه للغسيل إلى مجموعة من البيوز في لحظات، هكذا كانت تقضي جُلَّ وقتها، أو خاشعةً فوق سُجَّادتها.
72. كانت الوالدة تلُفُّ الريال في يدي ليبدو أكثر، كانت تَمتَصُّ صَدَماتي كما امتصَّتْ أوروبَّة غزوات الجرمان، كانت شخصيَّتي المفضلة أبدًا.
73. كانت -ولا تزال- دعواتُ والدتي تصلُ أسرعَ من طرود FedEx، وتنسفُ كلَّ شيءٍ كما لو كانت عَبوَاتٍ متفجِّرة، تشعرُ بي وأنا على بُعدِ آلاف الأميال.
74. كانت والدتي تعرفُ أنَّ رعيَ الغنم حِرفَةُ الأنبياء، لذا أرادتني راعيًا للغنم؛ لعلِّي أكونُ نبيا، كانت تُحبُّني أكثر شيء، فالله الله بأُمَّهاتكم.
75. إن كانتِ الناس تُثقلها الهموم، فأنا تثقلني الذكريات، كان كلما تقدَّمت بيَ الأيَّامُ، ازدادَ قحطُ الأصدقاء، وتمرَّغتُ في وَحلٍ من أشباههم.
76. كان أصدقاءُ الطفولة والمراهقة من الصنف النادر المُهَدَّدِ بالانقراض اليوم، كانوا من النوع الذي إنْ أنتَ أردتَ طعنَ أحدِهم في ظهرهِ؛ أعطوكَ كُلهم ظهورهم.
77. ولنْ أنسى ما حييتُ أنَّهُ كلَّما ادْلَهَمَّ الظلامُ، وخَيَّمَ الهدوءُ، وسكتَ صوتُ المؤذِّنِ بعدَ آذان العِشاء، كنتُ أخرجُ لأجوبَ طُرُقَات السويدي مع صديقي بندر.
78. كانت علاقتي بوالدي نوعًا من التراجيديا، لو اطَّلع موريس چارد على تفاصيلها لألَّفَ لها موسيقى تصويريَّة خالدة.
79. كان الوالدُ -أدام اللهُ ظِلَّه- ينظرُ إليَّ نظرةً نفعيَّةً صرفة، كنتُ أجيرًا باليوميَّة، موظفًا بلغَ نهاية سُلَّمِه الوظيفي، جمهوريَّة مَوزٍ غُلِبَت على أمرها.
80. كنتُ أكرَهُ يومَ الجُمُعة، كرهتُهُ لأنه يَومٌ طويل، ولأنَّ الذي يعقبه يومُ سَبت، ولأنَّهُ يومُ المشاوير، ولأنَّهُ عِيدٌ، والشياطينُ لا تُحَبِّذ الأعياد!
81. كنتُ أصحو الجُمعة على صوتِ المِنْفاخ الكهربائي الذي تستخدمه الوالدة لتنظيف مجاري النوافذ، ونداءِ والدي الجهوري المُزَلزِل: “قوموا صلّوا”
82. كانت تتضاءلُ نسبة الرؤية في البيت إلى أقلِّ من النصف يوم الجمعة سبب دُخان البَخُور، ورائحةِ القهوةِ العربيَّة التي تطاردك في حُلمِك من شدَّة رائحتها.
83. كان الوالدُ يذهبُ لصلاة الجمعة قبلَ التاسعة، أُديرُ المفتاحَ، وأُشعِلُ المُحرِّك على صوتِ السِّواك الذي يلعبُ لُعبَته في فمِ الوالد.
84. نقفُ عند الإشارة المروريّة، الشَّمسُ تصفعُ وجهي، وكأنَّها أشرقتْ من كبدِ السماء، أشعرُ حينها أنَّني على بُعد شبرٍ من مصباح مكتبي أصفر متوهِّج.
85. كان والدي يُصِرُّ على الصلاةِ في بَاحةِ المسجد، تحتَ مَروحةٍ زرقاءَ قديمة من طراز TAT تُحرِّك السَموم حولنا، وصوتِ تكْتَكتِها السرياليّ.
86. كنتُ أبصق قُطنًا من شدَّة الحَرِّ بعد صلاة الجمعة، كأنَّنا من معشر المُهاجرين ونحن نجلسُ وحيدين في باحةِ المسجد، وأَعُدُّ حُبَيبات الرمل فوقَ السجاد.
87. في أيَّام الشتاء قارس البرودة، تستحيلُ الرياض قِطعةً من صَفيحٍ بارد، تنكمشُ، وتتداخلُ الأحياء، بيتنا يزحفُ ويصير في مُنحَدِرٍ يطلُّ على وادٍ غير ذي زرع.
88. كنت في الأيَّام الباردة أخرجُ باكرًا عنوةً إلى المدرسة، مُنتَعِلًا أملي، مُتَّجِهًا لبيت صديقي ثامر، كانت جدَّتهُ هيلة تُحضِّرُ فولًا لا يُنسى.
89. لكمْ ودَدتُ أن أُلطِّخَ نفسي بذلك الفول السَّاخن كيما يَقيَني بردَ الرياض القارس الذي يدُكُّ العظمَ دكَّا.
90. هيلة هذه ثاني أفضل صانعٍ للَّحم المقَدَّد -المقفَّر- بعد قبائل الجرمان، كانت تنشر اللحمَ في سطح بيتهم، وترفعهُ على الحِبال عاليًا لتغيضَ أُمَّهات الحارة.
91. جدَّته هذه عمَّرتْ عُمرَ لُبَد، وبنشاطِ أسد، شَهِدت موقعةَ حصان طروادة.
92. في آخر أيَّامها كان الطبيبُ يكشفُ على قلبها عند ساقها، نتيجة الترهُّل، كانت تُشبه رغيفَ التميس الذي أُحضره للبيت وقد أكلتُ نِصفَه في الطريق.
93. كانت تستخدمُ الدَّيْرَم وكأنَّها زعيمة قبيلة هِنديَّة، تُقلِّبه في فِيها تقليبَ مُسْتاك، وإذا انتهت منه؛ وضعته بين أصابع رِجلها.
94. في آخر أيَّامها كانت تُصلِّي وتحكي مع أبنائها وبناتها أثناء الصلاة، وكانت -فجأةً- تسألهم عن غنمها، وعن أُناسٍ ذهبوا للحجِّ مَشيًا.
95. يقولُ ثامر: كانت جدَّتي تقرأُ سورةَ الإخلاص مرَّةً في صلاتها، ولمَّا قرأت (لَم يلد ولم يُولد) اِلتفتتْ عليَّ وسألتني: متى جاء حمد؟! من حمد؟ الريل وحمد لمظفّر النواب؟!
96. عندما ماتتْ جدَّة ثامر سَرتْ في الحارة طمأنينةٌ جليلةٌ، طمأنينةٌ ما بعثها جيشُ صلاحِ الدين في وقته.
97. تعلَّمتُ الرسمَ في المدرسة، كنت أرسُم كلَّ شيء، وعلى أيَّة شيء، كنتُ أرسم الخطَّ، فصرتُ أخطُّ الصحائفَ المدرسيّة للجيران بمقابل إلَّا لحبيبتي أفراح.
98. أفراح هذه بنتُ الجيران، كانت تكبرني بعامين، كنت أتخيَّلها جميلةً كالسيَّدة الخارقة في مجلَّة الرجل الوَطوَاط.
99. كنت أتخيَّلها ذات شفة صغيرة، ولِسانٍ عصفوريّ، وعينٍ ذابلة، ورموش كأنهنَّ سيوفُ أحباش، وأنفٍ ناتئ، وشعرٍ أسود منسدل كالليل البَهيم، كانت خيالاتي جامحة.
100. كان طيفُها يزورني كلَّ ليلةٍ كسفينةٍ تَمْخرُ عُباب جسدي، وأنا أتقلَّبُ على سريري الحديديّ متجاهلًا هَمْهَمَة أخي وحَنَقِه جرّاء صَرْصَرَة السرير.
101. كنتُ قد بَنَيتُ مرصدًا فلكيَّاً يرتَقِبُ بُزُوغها، عندما تظهرُ وقد تقنَّعت بِمَلحَفَةٍ فُصِّلت لجسدٍ أنحَلُ بكثير، لم أنتبه لخيطِ اللُّعاب الذي امتدَّ من فمي إلى صدري.
102. أوَّل مرّة شاهدتها -صدفةً- في نهار عيد الفِطر، كانت تسترقُ النظرَ من وراء الباب، كان المنظرُ أشبَهَ شيءٍ بأغلفة أفلام الرعب.
103. ذُهِلتُ وصُدِمتُ، تمنَّيتُ الأرضَ لو تنشقُّ وتبلعُني، شَعرتُ بهبوطٍ مفاجئ ودوخة! كنتُ -على عُجري وبُجري- أجملَ منها، وأنا الذي ليس لي في الحُسن أمل.
104. دقيقةُ صمتٍ، ترحُّمًا على حال من تزوَّجها.
85. كان والدي يُصِرُّ على الصلاةِ في بَاحةِ المسجد، تحتَ مَروحةٍ زرقاءَ قديمة من طراز TAT تُحرِّك السَموم حولنا، وصوتِ تكْتَكتِها السرياليّ.
86. كنتُ أبصق قُطنًا من شدَّة الحَرِّ بعد صلاة الجمعة، كأنَّنا من معشر المُهاجرين ونحن نجلسُ وحيدين في باحةِ المسجد، وأَعُدُّ حُبَيبات الرمل فوقَ السجاد.
87. في أيَّام الشتاء قارس البرودة، تستحيلُ الرياض قِطعةً من صَفيحٍ بارد، تنكمشُ، وتتداخلُ الأحياء، بيتنا يزحفُ ويصير في مُنحَدِرٍ يطلُّ على وادٍ غير ذي زرع.
88. كنت في الأيَّام الباردة أخرجُ باكرًا عنوةً إلى المدرسة، مُنتَعِلًا أملي، مُتَّجِهًا لبيت صديقي ثامر، كانت جدَّتهُ هيلة تُحضِّرُ فولًا لا يُنسى.
89. لكمْ ودَدتُ أن أُلطِّخَ نفسي بذلك الفول السَّاخن كيما يَقيَني بردَ الرياض القارس الذي يدُكُّ العظمَ دكَّا.
90. هيلة هذه ثاني أفضل صانعٍ للَّحم المقَدَّد -المقفَّر- بعد قبائل الجرمان، كانت تنشر اللحمَ في سطح بيتهم، وترفعهُ على الحِبال عاليًا لتغيضَ أُمَّهات الحارة.
91. جدَّته هذه عمَّرتْ عُمرَ لُبَد، وبنشاطِ أسد، شَهِدت موقعةَ حصان طروادة.
92. في آخر أيَّامها كان الطبيبُ يكشفُ على قلبها عند ساقها، نتيجة الترهُّل، كانت تُشبه رغيفَ التميس الذي أُحضره للبيت وقد أكلتُ نِصفَه في الطريق.
93. كانت تستخدمُ الدَّيْرَم وكأنَّها زعيمة قبيلة هِنديَّة، تُقلِّبه في فِيها تقليبَ مُسْتاك، وإذا انتهت منه؛ وضعته بين أصابع رِجلها.
94. في آخر أيَّامها كانت تُصلِّي وتحكي مع أبنائها وبناتها أثناء الصلاة، وكانت -فجأةً- تسألهم عن غنمها، وعن أُناسٍ ذهبوا للحجِّ مَشيًا.
95. يقولُ ثامر: كانت جدَّتي تقرأُ سورةَ الإخلاص مرَّةً في صلاتها، ولمَّا قرأت (لَم يلد ولم يُولد) اِلتفتتْ عليَّ وسألتني: متى جاء حمد؟! من حمد؟ الريل وحمد لمظفّر النواب؟!
96. عندما ماتتْ جدَّة ثامر سَرتْ في الحارة طمأنينةٌ جليلةٌ، طمأنينةٌ ما بعثها جيشُ صلاحِ الدين في وقته.
97. تعلَّمتُ الرسمَ في المدرسة، كنت أرسُم كلَّ شيء، وعلى أيَّة شيء، كنتُ أرسم الخطَّ، فصرتُ أخطُّ الصحائفَ المدرسيّة للجيران بمقابل إلَّا لحبيبتي أفراح.
98. أفراح هذه بنتُ الجيران، كانت تكبرني بعامين، كنت أتخيَّلها جميلةً كالسيَّدة الخارقة في مجلَّة الرجل الوَطوَاط.
99. كنت أتخيَّلها ذات شفة صغيرة، ولِسانٍ عصفوريّ، وعينٍ ذابلة، ورموش كأنهنَّ سيوفُ أحباش، وأنفٍ ناتئ، وشعرٍ أسود منسدل كالليل البَهيم، كانت خيالاتي جامحة.
100. كان طيفُها يزورني كلَّ ليلةٍ كسفينةٍ تَمْخرُ عُباب جسدي، وأنا أتقلَّبُ على سريري الحديديّ متجاهلًا هَمْهَمَة أخي وحَنَقِه جرّاء صَرْصَرَة السرير.
101. كنتُ قد بَنَيتُ مرصدًا فلكيَّاً يرتَقِبُ بُزُوغها، عندما تظهرُ وقد تقنَّعت بِمَلحَفَةٍ فُصِّلت لجسدٍ أنحَلُ بكثير، لم أنتبه لخيطِ اللُّعاب الذي امتدَّ من فمي إلى صدري.
102. أوَّل مرّة شاهدتها -صدفةً- في نهار عيد الفِطر، كانت تسترقُ النظرَ من وراء الباب، كان المنظرُ أشبَهَ شيءٍ بأغلفة أفلام الرعب.
103. ذُهِلتُ وصُدِمتُ، تمنَّيتُ الأرضَ لو تنشقُّ وتبلعُني، شَعرتُ بهبوطٍ مفاجئ ودوخة! كنتُ -على عُجري وبُجري- أجملَ منها، وأنا الذي ليس لي في الحُسن أمل.
104. دقيقةُ صمتٍ، ترحُّمًا على حال من تزوَّجها.
105. مرَّت بعدها الأيَّام، طويلةً وصامتة، كأنّها رسمٌ تخطيطي لقلبِ إنسانٍ متوفى.
106. هذه السيرة مخالفةٌ للأصول، الأشخاصُ المذكورون حقيقيُّون، وبداعي احترامهم جرى تغييرُ الأسماء، أما أنا فغير متحرِّجٍ من الفضيحة.
107. كُثُرٌ هيَ الليالي التي عُدت فيها إلى البيت يحملني بندر وثامر، لقد كنت أدخل في هوشاتٍ مع الجميع، أَضرِبُ وأُضرَب.
108. كانت الجروح في مقدِّمة رأسي أكثر منها في مؤخِّرته، ليست شجاعةً منِّي أو إقدامًا، بل كنتُ أنظرُ إلى الوراءِ كثيرًا وأنا أهرب.
109. لستُ مقطوعًا من شجرة، لكنني هززتُ نفسي حتَّى سقطت! هكذا يُعرِّف ثامر بنفسهِ دائمًا عندما يتغيَّبُ والده عن مجلس الآباء.
110. كانت ساقاه طويلتين، كأنَّه مالك الحزين، أكثر وقته حافيًا، وقد اكتسبَ باطنُ قدمهِ طبَقةً من الوسخِ تَقيهِ، إلا أنَّ شمائلَ الطِّيبِ تتقاتلُ عنده.
111. وكما أحرق التوحيدي كُتبه في آخر أيَّامه، فعل ثامر مِثله، أحرق بيتهم بعد وفاة والده، وعاد إلى الحَريق، رجع إلى مزرعته.
112. عاد المخبولُ إلى موطنه الأصلي، حيث النخيل والترنج والعبري والبمبر، عاد سيرته الأولى، شابًا همُّهُ الأكبر تلقيح النخل.
113. كانت الرياض بالنسبةِ لثامر، كمن فتحَ هديَّةً فوجدَها مقلبًا سَمجًا.
114. كانت الوالدة ترعى بضعَ دجاجاتٍ في سطح البيت، ذاك الدَّجاج الذي لم أرَ بيضةً واحدة منهُ، فيما بعد عرفتُ أن الديك مصاب بالعُقم.
115. كان ذلك الديك يعتنق غير الإسلامِ دينا، لا يصيحُ الفجرَ، ولا يصدحُ بصوتهِ عند بزوغ خيوط الصبح الأولى، لكن إذا شاهدني صاحَ وارتبك.
116. كانت والدتي -مع حُبّها لي- تنكأُ في كُلِّ مرةٍ جُرحي وهي تقولُ غاضبة: "يقولون يا حظّها جاها ولد، ليتك بنت وآخذ نفعك"
117. سأجعلُ أتحدَّث لكم الليلة عن حارتنا، المستوطنةِ التي ساقتنا الأقدارُ إليها.
118. أبصرتُ النُّورَ في أواخر شعبان، ولم تكن الممرضةُ التي أولدتني على درايةٍ بحجم المصيبة التي أظهرتها للدنيا، وإلا لدَسَّت قُطُن التَّطهير في فمي.
119. كانت حارتنا بسيطةً، كمُدُنِ أوروبَّة الشرقيَّة، بساطةً موغلةً في الفقرِ والعوز، كان الشارعُ معلِّمي الذي أدينُ له بالفضل بعدَ الله.
120. كان بيتنا -أو لحدنا-، على شارعٍ ضيَّق أولهُ مُظلمٌ وآخره مُعتم، ولمبَّة صفراء مُتدلِّية فوق الباب وظيفتها إخبارُ الناس أنَّ هنا بيتًا.
121. كان الظلامُ يطوِّق حارتنا حتى في أكثر ساعات النهار نورًا، وأصواتُ البيوتِ متداخلةً وكأنَّها صالات انتظارٍ لرحلةٍ تأخَّر إقلاعها أكثر من عشر ساعات.
122. كانت الحارةُ برُمَّتها تغطُّ في موتةٍ صُغرى من بعد صلاة العِشاء، ولا تسمعُ إلا نقيقَ الضفادع في الوادي المتاخم، وفحيحَ الأزواج في غُرفِ النَّوم.
123. كانت كلُّ أُمٍّ لديها كفايتها من المصائب، الأزواج، وأبناء مثلي وبندر وثامر وعزَّام، كانت الجنَّة تُحيط بهنَّ أينما قلَّبن أبصارهن.
124. أقامَ في الحارةِ وافدٌ مِصري حَبيب، لعنَ اليوم الذي سكنَ فيه حارتنا، كانت زوجته تدرِّسُ فتيات الحارة، وهو يدرِّسُ فتيانها.
125. كنا نردِّدُ أهزوجةً بالغة الدناءة إذا ما نحن شاهدناه، فحواها: "أوه يا مصري يا مسخره، أمك راقل وأبوك مره" كُنَّا جُرذانًا بلا ضمير.
106. هذه السيرة مخالفةٌ للأصول، الأشخاصُ المذكورون حقيقيُّون، وبداعي احترامهم جرى تغييرُ الأسماء، أما أنا فغير متحرِّجٍ من الفضيحة.
107. كُثُرٌ هيَ الليالي التي عُدت فيها إلى البيت يحملني بندر وثامر، لقد كنت أدخل في هوشاتٍ مع الجميع، أَضرِبُ وأُضرَب.
108. كانت الجروح في مقدِّمة رأسي أكثر منها في مؤخِّرته، ليست شجاعةً منِّي أو إقدامًا، بل كنتُ أنظرُ إلى الوراءِ كثيرًا وأنا أهرب.
109. لستُ مقطوعًا من شجرة، لكنني هززتُ نفسي حتَّى سقطت! هكذا يُعرِّف ثامر بنفسهِ دائمًا عندما يتغيَّبُ والده عن مجلس الآباء.
110. كانت ساقاه طويلتين، كأنَّه مالك الحزين، أكثر وقته حافيًا، وقد اكتسبَ باطنُ قدمهِ طبَقةً من الوسخِ تَقيهِ، إلا أنَّ شمائلَ الطِّيبِ تتقاتلُ عنده.
111. وكما أحرق التوحيدي كُتبه في آخر أيَّامه، فعل ثامر مِثله، أحرق بيتهم بعد وفاة والده، وعاد إلى الحَريق، رجع إلى مزرعته.
112. عاد المخبولُ إلى موطنه الأصلي، حيث النخيل والترنج والعبري والبمبر، عاد سيرته الأولى، شابًا همُّهُ الأكبر تلقيح النخل.
113. كانت الرياض بالنسبةِ لثامر، كمن فتحَ هديَّةً فوجدَها مقلبًا سَمجًا.
114. كانت الوالدة ترعى بضعَ دجاجاتٍ في سطح البيت، ذاك الدَّجاج الذي لم أرَ بيضةً واحدة منهُ، فيما بعد عرفتُ أن الديك مصاب بالعُقم.
115. كان ذلك الديك يعتنق غير الإسلامِ دينا، لا يصيحُ الفجرَ، ولا يصدحُ بصوتهِ عند بزوغ خيوط الصبح الأولى، لكن إذا شاهدني صاحَ وارتبك.
116. كانت والدتي -مع حُبّها لي- تنكأُ في كُلِّ مرةٍ جُرحي وهي تقولُ غاضبة: "يقولون يا حظّها جاها ولد، ليتك بنت وآخذ نفعك"
117. سأجعلُ أتحدَّث لكم الليلة عن حارتنا، المستوطنةِ التي ساقتنا الأقدارُ إليها.
118. أبصرتُ النُّورَ في أواخر شعبان، ولم تكن الممرضةُ التي أولدتني على درايةٍ بحجم المصيبة التي أظهرتها للدنيا، وإلا لدَسَّت قُطُن التَّطهير في فمي.
119. كانت حارتنا بسيطةً، كمُدُنِ أوروبَّة الشرقيَّة، بساطةً موغلةً في الفقرِ والعوز، كان الشارعُ معلِّمي الذي أدينُ له بالفضل بعدَ الله.
120. كان بيتنا -أو لحدنا-، على شارعٍ ضيَّق أولهُ مُظلمٌ وآخره مُعتم، ولمبَّة صفراء مُتدلِّية فوق الباب وظيفتها إخبارُ الناس أنَّ هنا بيتًا.
121. كان الظلامُ يطوِّق حارتنا حتى في أكثر ساعات النهار نورًا، وأصواتُ البيوتِ متداخلةً وكأنَّها صالات انتظارٍ لرحلةٍ تأخَّر إقلاعها أكثر من عشر ساعات.
122. كانت الحارةُ برُمَّتها تغطُّ في موتةٍ صُغرى من بعد صلاة العِشاء، ولا تسمعُ إلا نقيقَ الضفادع في الوادي المتاخم، وفحيحَ الأزواج في غُرفِ النَّوم.
123. كانت كلُّ أُمٍّ لديها كفايتها من المصائب، الأزواج، وأبناء مثلي وبندر وثامر وعزَّام، كانت الجنَّة تُحيط بهنَّ أينما قلَّبن أبصارهن.
124. أقامَ في الحارةِ وافدٌ مِصري حَبيب، لعنَ اليوم الذي سكنَ فيه حارتنا، كانت زوجته تدرِّسُ فتيات الحارة، وهو يدرِّسُ فتيانها.
125. كنا نردِّدُ أهزوجةً بالغة الدناءة إذا ما نحن شاهدناه، فحواها: "أوه يا مصري يا مسخره، أمك راقل وأبوك مره" كُنَّا جُرذانًا بلا ضمير.
126. كان منزله بعد العصر يكتظُّ بالدَّارسين الذين لا مستقبلَ لهم، درَّسنا الرياضيات والقواعد والعلوم والأدب وقِلَّة الأدب.
127. كان يعملُ نجَّارًا، ولم يُكمل تعليمه حتى، لكنَّ سحنته وسحنونه، وبنطاله الكروهات، جعلت منه إمامَ عصره، وفريدَ نوعه، فَوَثِق فيه الآباءُ ثقةَ الأنبياء.
128. ثواب هو اسم رجلٍ أبَّال، جاءَ إلى حارتنا بعد أن قذفتْ به صروفُ الدَّهرِ من برادِ المصايف إلى بَاحُوراء نجد، هذا المسكين.
129. ثواب رجلٌ مزواجٌ، لديه ترسانةً من الأولاد، حتى أنهُ بدأ يُرمِّز بعضهم بدلًا عن تسميته، كان عددُ أولاده يرتفعُ وينخفضُ مثل مؤشِّر البورصة.
130. كانت عندهُ فتاةٌ مجنونة -شفاها الله-، تصعدُ فوق الجدران، وتخيف الوغدان، تضحكُ مع شمسِ الأصيل، وتبكي إذا سَعْسَع اللَّيل.
131. كان والدُها، ثواب، سائقَ أُجْرة، كثيرَ الضَّجر، وطولَه شِبر، للدرجة التي كنت أرى فيها ركبتيه من تحت الباب إذا جاء يشتكيني عند والدي.
132. جارُنا سعيد بلغ من العمر عِتيَّا، كان شبيهًا بجدِّ هايدي، إلا أنهُ لا يلبسُ سِروالًا، وليس عندَهُ حفيداتٍ يشبهنَ هايدي.
133. كان يخرج صباحًا عند باب بيتهم، يُسند ظهرَهُ للأيَّام، صامتًا حتى تصليه شمسُ الظهر الحارقة، كنتُ أحسده على هذه البحبوحة، أردتُ أنْ أكبرَ وأصير مثله.
134. توفي سعيدٌ صبيحةَ يومٍ سبتٍ حار، كان الهواءُ فيه مثل لهيبِ النار، أكل شحمًا وتوفَّاه الله، وجدوه ممدَّدًا في باحة المنزل، رافعًا إصبعه الوسطى لأهله.
135. جارنا حسن كان مختلًا، يقولون: "فيهِ جِنيَّة!" أكثر ما يفعله هو التَّدخين والمشي في الحارة، لو كانت هذه الجنيَّة حقيقة لاصطفيتها خليلةً لي.
136. كان يتجوَّلُ في الحارةِ مثل مسَّاحٍ، ويتفرَّسُ في الوجوه مثل مُسْتشرق، وإذا أشعلَ سِيجَارته استحالَ آلةً بخاريَّة رديئة الصُّنع.
137. كُنَّا لا ندري ما الخمرة، لكنَّنا نعرفُ بأنَّ جارنا سالم قد يبيع أولاده مقابل زِقِّ خمرة، كان يخمِّرُ التمر الذي يصله من المحسنين في بيته.
138. كُنَّا نسميه أبا نَواس، غيرَ أنَّ أبا نواس إذا ثمل قال الشِّعر، أما هو فيخرج ويُفحِّط في ملعبنا التُّرابي، والمسجَّلة تَصدحُ بأغنية بشير: "سرى ليلي"
139. كان يشربُ حتى تغدو نسبةَ الدَّمِ في الكحول ٢٪، كان يتخمَّر تخمُّر جاهليَّة، حتى يفقد رُشدَه، بشرابٍ هو أسوأُ ما يُذْهَبُ العقلُ به.
140. احتالَ ثامر مرَّةً على سالم، وأخذَ من شرابهِ حتى ثَمِل، يقول ثامر: "نمتُ تلك الليلة، وحلمتُ بحمارٍ يأكل سيكل، وعمارة سكنية تقطع الشارع".
141. قفلة: أصدقاءُ الإنترنت هم عادةً أسوأ الأصدقاء، ذاكرتهم لا تشيخ، فكل شيءٍ مدوَّنٌ في الإنترنت، وهو ذاكرتهم.
142. عزمتُ اليومَ أن أُنهيَ ما قد بدأته، سأضعُ حدًا لذلك كُلِّه، ففي التكرار مرارة، وفي الإطالةِ شَجْو، وفيكم ما يُغنيكم عن ذلك.
143. بعدَ بُرهة، شعَّ الإنترنتُ بنوره في البيوت، أنارَ الظُلُمَات، دخلَ مع كل شقٍّ، كان كالغبار؛ يدخلُ في كلِّ مكانٍ ويجثم، يسوقُ الفرحَ ويطردُ الترح.
144. كان دخولُ الإنترنت إلى حياتي أشبَهَ شيءٍ بخيطِ الدُّخان الَّذي ينْسَلُّ في جوفِ الصائمِ بعد فِطره، نشوةٌ يخالجُها دَعَة.
145. عندما دخلَ الإنترنت إلى بيتنا جلستُ أيَّامًا لا أحادثُ أصدقائي، كنت ألعبُ الشطرنج على موقع ياهو مثل كاسباروڤ، والسنوكر مثل سوليڤان.
146. حتَّى والدي تغيَّر، صار أكثر أبويَّةً، الرَّجل الصَّلفُ صار ألطف! لا يدخلُ البيتَ إلا وقد تأبَّطَ جحَّةً أو شمَّاما؛ "إنهُ الإنترنت يا سادة"
127. كان يعملُ نجَّارًا، ولم يُكمل تعليمه حتى، لكنَّ سحنته وسحنونه، وبنطاله الكروهات، جعلت منه إمامَ عصره، وفريدَ نوعه، فَوَثِق فيه الآباءُ ثقةَ الأنبياء.
128. ثواب هو اسم رجلٍ أبَّال، جاءَ إلى حارتنا بعد أن قذفتْ به صروفُ الدَّهرِ من برادِ المصايف إلى بَاحُوراء نجد، هذا المسكين.
129. ثواب رجلٌ مزواجٌ، لديه ترسانةً من الأولاد، حتى أنهُ بدأ يُرمِّز بعضهم بدلًا عن تسميته، كان عددُ أولاده يرتفعُ وينخفضُ مثل مؤشِّر البورصة.
130. كانت عندهُ فتاةٌ مجنونة -شفاها الله-، تصعدُ فوق الجدران، وتخيف الوغدان، تضحكُ مع شمسِ الأصيل، وتبكي إذا سَعْسَع اللَّيل.
131. كان والدُها، ثواب، سائقَ أُجْرة، كثيرَ الضَّجر، وطولَه شِبر، للدرجة التي كنت أرى فيها ركبتيه من تحت الباب إذا جاء يشتكيني عند والدي.
132. جارُنا سعيد بلغ من العمر عِتيَّا، كان شبيهًا بجدِّ هايدي، إلا أنهُ لا يلبسُ سِروالًا، وليس عندَهُ حفيداتٍ يشبهنَ هايدي.
133. كان يخرج صباحًا عند باب بيتهم، يُسند ظهرَهُ للأيَّام، صامتًا حتى تصليه شمسُ الظهر الحارقة، كنتُ أحسده على هذه البحبوحة، أردتُ أنْ أكبرَ وأصير مثله.
134. توفي سعيدٌ صبيحةَ يومٍ سبتٍ حار، كان الهواءُ فيه مثل لهيبِ النار، أكل شحمًا وتوفَّاه الله، وجدوه ممدَّدًا في باحة المنزل، رافعًا إصبعه الوسطى لأهله.
135. جارنا حسن كان مختلًا، يقولون: "فيهِ جِنيَّة!" أكثر ما يفعله هو التَّدخين والمشي في الحارة، لو كانت هذه الجنيَّة حقيقة لاصطفيتها خليلةً لي.
136. كان يتجوَّلُ في الحارةِ مثل مسَّاحٍ، ويتفرَّسُ في الوجوه مثل مُسْتشرق، وإذا أشعلَ سِيجَارته استحالَ آلةً بخاريَّة رديئة الصُّنع.
137. كُنَّا لا ندري ما الخمرة، لكنَّنا نعرفُ بأنَّ جارنا سالم قد يبيع أولاده مقابل زِقِّ خمرة، كان يخمِّرُ التمر الذي يصله من المحسنين في بيته.
138. كُنَّا نسميه أبا نَواس، غيرَ أنَّ أبا نواس إذا ثمل قال الشِّعر، أما هو فيخرج ويُفحِّط في ملعبنا التُّرابي، والمسجَّلة تَصدحُ بأغنية بشير: "سرى ليلي"
139. كان يشربُ حتى تغدو نسبةَ الدَّمِ في الكحول ٢٪، كان يتخمَّر تخمُّر جاهليَّة، حتى يفقد رُشدَه، بشرابٍ هو أسوأُ ما يُذْهَبُ العقلُ به.
140. احتالَ ثامر مرَّةً على سالم، وأخذَ من شرابهِ حتى ثَمِل، يقول ثامر: "نمتُ تلك الليلة، وحلمتُ بحمارٍ يأكل سيكل، وعمارة سكنية تقطع الشارع".
141. قفلة: أصدقاءُ الإنترنت هم عادةً أسوأ الأصدقاء، ذاكرتهم لا تشيخ، فكل شيءٍ مدوَّنٌ في الإنترنت، وهو ذاكرتهم.
142. عزمتُ اليومَ أن أُنهيَ ما قد بدأته، سأضعُ حدًا لذلك كُلِّه، ففي التكرار مرارة، وفي الإطالةِ شَجْو، وفيكم ما يُغنيكم عن ذلك.
143. بعدَ بُرهة، شعَّ الإنترنتُ بنوره في البيوت، أنارَ الظُلُمَات، دخلَ مع كل شقٍّ، كان كالغبار؛ يدخلُ في كلِّ مكانٍ ويجثم، يسوقُ الفرحَ ويطردُ الترح.
144. كان دخولُ الإنترنت إلى حياتي أشبَهَ شيءٍ بخيطِ الدُّخان الَّذي ينْسَلُّ في جوفِ الصائمِ بعد فِطره، نشوةٌ يخالجُها دَعَة.
145. عندما دخلَ الإنترنت إلى بيتنا جلستُ أيَّامًا لا أحادثُ أصدقائي، كنت ألعبُ الشطرنج على موقع ياهو مثل كاسباروڤ، والسنوكر مثل سوليڤان.
146. حتَّى والدي تغيَّر، صار أكثر أبويَّةً، الرَّجل الصَّلفُ صار ألطف! لا يدخلُ البيتَ إلا وقد تأبَّطَ جحَّةً أو شمَّاما؛ "إنهُ الإنترنت يا سادة"
147. وضعنا الحاسوبَ في غُرفةٍ متطرِّفة من البيتِ منسيَّة، ما كان فيها حياة، إلا صوت طنين البعوض، وحفيف أغصان السِّدرة عند نافذتها.
148. أوَّلُ مرَّة شغَّل الإنترنت لنا خالي، ثم ذهب! فتورَّطنا في إطفائِهِ، كانت والدتي تقول: "كبُّوا عليه مويه" صارت تستظرف أطالَ اللهُ في عُمرها.
149. نقلني الإنترنتُ من سراديب الواقع إلى مخيَّمات الاستيطان، كانت نقلةً مجازيَّة، كنتُ فيهِ كمن يحاولُ استخلاصَ السُّكَّر من مياهِ البحر الميَّت.
150. كنتُ إذا غادرتُ أولادَ الحارة، قالوا لي: "أكيد بتروح تلعب بالتلفون" كانوا يسمُّون الإنترنت تلفونًا.
151. كان الإنترنتُ في بدايته فسحةً لي، الإنترنت كما وصفَهُ بعضهم بأنَّهُ: "أعظمُ حفلةٍ تنكريَّة عرفناها" وأنا فيها ذلك المدعو الذي يُطرَدُ في كلِّ مرة.
152. لقد سرقَ الإنترنت البدويَّ من خَيمَته، والقرويَّ من مزرعته، لقد غيَّر المجتمعَ في لمحةِ عين، وكأنَّما جاءَ بالسِّحر.
153. كنتُ أرقبُ الإنترنت رِقَابَ المريضِ لنبضهِ، وأحرصُ عليه حِرصَ المؤمن على فرضه، وأفديهِ فداءَ الشَّريف لعِرضه، كنتُ مُتغَطرفًا في مِشيتي: عندنا إنترنت.
154. كان الحاسوب مُربَّع الشَّكل، شاشته صفراء فاقعٌ لونها، مع سوادٍ خفيف يشوبُ أطرافها، وهنالك عَسَلٌ اندلقَ على زِرِّ المسافة.
155. وإذا انطلقَ صوتُ المودم في معالجة الاتصال، أشعرُ وأنَّني في آلةِ سفرٍ عبر الزمن، الرحلةُ غامضةٌ، والمحطةُ الأولى موقعُ أينَ.
156. كنتُ أطالعُ موقعَ أينَ ساعةً، أقلِّبُ ناظري فيه، أتفحَّص أيقوناته، أعمدته وألسنته، كانت حَرَكةُ الماوس بحنوِّ أصابع حوريَّة تطوفُ على ظهري.
157. كان أخي يجلس جواري، ويقول لي: "كلّم ناس، كلّم ناس" كُنا نعرف أنَّ في الإنترنت أُناسًا لكن أين هم؟!
158. كنتُ أقرأُ لوالدي مقالات الخُفَّاش الأسود، أجلسُ أمام الحاسوب وأقرأ، ووالدي يتلمَّظ قهوته تارة، ويشْرق بها من الضحك تارة أخرى.
159. بدأتِ المنتدياتُ جولتها، ودارت صولتها، سجَّلت في أوِّل منتدى عام ٢٠٠١م تقريبًا، كان مالِكُه شابًا من عائلةٍ فاحشة الثراء.
160. أوَّل موضوعٍ لي كان عن نادي النصر؛ وجدتهُ مُثبَّتًا، لم أنمْ تلك الليلة، كنتُ أتخيَّل صيحاتَ المعجبين والمعجبات تحتَ وِسادتي، وأبتسمُ بتغطرس.
161. عندَ الظهر، وجدتُ المُشرفَ حَذفَ موضوعي، ثم عدَّله ليكون عن الهلال، أعاد طرحه باسمهِ، وثبَّته، ثم حذف عضويتي من المنتدى برُمَّته، طردني!
162. تكوَّنت عندي فكرةٌ بعد هذه الحادثة، أنَّ غالبية المنتديات أوكار وشاية، ومواطن غواية، كُنَّ الإناث يسرحن ويمرحن في المنتديات.
163. غالبية المنتديات عند التسجيل تظهرُ لك كمدينة يوتوبيا، وبعد التسجيل تغدو كقرية عند قيامِ السَّاعة، ليس فيها إلا شِرار الخلق.
164. ممَّا شَهِدتهُ إبَّان عصر المنتديات، أستطيع القول: الرجل إذا استخفَّ لأجل امرأة يصير كائنًا سَمِجًا، ثقيلًا، ولا يمكن بَلْعُهُ، أما المرأة إذا تظرَّفت فتغدو مثل حصوةٍ كلوية.
165. أمضيتُ سنواتٍ أبحثُ عن إكسير الحياة، وحجر الفلاسفة، ورجلٍ يصمد أمام امرأة، وامرأةٍ خفيفة الظِّل، المستحيلات بأُمِّ عينها.
166. كتبتُ الشِّعرَ، كنتُ أدفعُ شِعري على كُرسيٍ مُتحرِّك من كثرةِ كسوره، وأدفعه إلى قِسم العِظام الأدبيِّ، كان شَعْرًا في عظمةِ السَّاق.
148. أوَّلُ مرَّة شغَّل الإنترنت لنا خالي، ثم ذهب! فتورَّطنا في إطفائِهِ، كانت والدتي تقول: "كبُّوا عليه مويه" صارت تستظرف أطالَ اللهُ في عُمرها.
149. نقلني الإنترنتُ من سراديب الواقع إلى مخيَّمات الاستيطان، كانت نقلةً مجازيَّة، كنتُ فيهِ كمن يحاولُ استخلاصَ السُّكَّر من مياهِ البحر الميَّت.
150. كنتُ إذا غادرتُ أولادَ الحارة، قالوا لي: "أكيد بتروح تلعب بالتلفون" كانوا يسمُّون الإنترنت تلفونًا.
151. كان الإنترنتُ في بدايته فسحةً لي، الإنترنت كما وصفَهُ بعضهم بأنَّهُ: "أعظمُ حفلةٍ تنكريَّة عرفناها" وأنا فيها ذلك المدعو الذي يُطرَدُ في كلِّ مرة.
152. لقد سرقَ الإنترنت البدويَّ من خَيمَته، والقرويَّ من مزرعته، لقد غيَّر المجتمعَ في لمحةِ عين، وكأنَّما جاءَ بالسِّحر.
153. كنتُ أرقبُ الإنترنت رِقَابَ المريضِ لنبضهِ، وأحرصُ عليه حِرصَ المؤمن على فرضه، وأفديهِ فداءَ الشَّريف لعِرضه، كنتُ مُتغَطرفًا في مِشيتي: عندنا إنترنت.
154. كان الحاسوب مُربَّع الشَّكل، شاشته صفراء فاقعٌ لونها، مع سوادٍ خفيف يشوبُ أطرافها، وهنالك عَسَلٌ اندلقَ على زِرِّ المسافة.
155. وإذا انطلقَ صوتُ المودم في معالجة الاتصال، أشعرُ وأنَّني في آلةِ سفرٍ عبر الزمن، الرحلةُ غامضةٌ، والمحطةُ الأولى موقعُ أينَ.
156. كنتُ أطالعُ موقعَ أينَ ساعةً، أقلِّبُ ناظري فيه، أتفحَّص أيقوناته، أعمدته وألسنته، كانت حَرَكةُ الماوس بحنوِّ أصابع حوريَّة تطوفُ على ظهري.
157. كان أخي يجلس جواري، ويقول لي: "كلّم ناس، كلّم ناس" كُنا نعرف أنَّ في الإنترنت أُناسًا لكن أين هم؟!
158. كنتُ أقرأُ لوالدي مقالات الخُفَّاش الأسود، أجلسُ أمام الحاسوب وأقرأ، ووالدي يتلمَّظ قهوته تارة، ويشْرق بها من الضحك تارة أخرى.
159. بدأتِ المنتدياتُ جولتها، ودارت صولتها، سجَّلت في أوِّل منتدى عام ٢٠٠١م تقريبًا، كان مالِكُه شابًا من عائلةٍ فاحشة الثراء.
160. أوَّل موضوعٍ لي كان عن نادي النصر؛ وجدتهُ مُثبَّتًا، لم أنمْ تلك الليلة، كنتُ أتخيَّل صيحاتَ المعجبين والمعجبات تحتَ وِسادتي، وأبتسمُ بتغطرس.
161. عندَ الظهر، وجدتُ المُشرفَ حَذفَ موضوعي، ثم عدَّله ليكون عن الهلال، أعاد طرحه باسمهِ، وثبَّته، ثم حذف عضويتي من المنتدى برُمَّته، طردني!
162. تكوَّنت عندي فكرةٌ بعد هذه الحادثة، أنَّ غالبية المنتديات أوكار وشاية، ومواطن غواية، كُنَّ الإناث يسرحن ويمرحن في المنتديات.
163. غالبية المنتديات عند التسجيل تظهرُ لك كمدينة يوتوبيا، وبعد التسجيل تغدو كقرية عند قيامِ السَّاعة، ليس فيها إلا شِرار الخلق.
164. ممَّا شَهِدتهُ إبَّان عصر المنتديات، أستطيع القول: الرجل إذا استخفَّ لأجل امرأة يصير كائنًا سَمِجًا، ثقيلًا، ولا يمكن بَلْعُهُ، أما المرأة إذا تظرَّفت فتغدو مثل حصوةٍ كلوية.
165. أمضيتُ سنواتٍ أبحثُ عن إكسير الحياة، وحجر الفلاسفة، ورجلٍ يصمد أمام امرأة، وامرأةٍ خفيفة الظِّل، المستحيلات بأُمِّ عينها.
166. كتبتُ الشِّعرَ، كنتُ أدفعُ شِعري على كُرسيٍ مُتحرِّك من كثرةِ كسوره، وأدفعه إلى قِسم العِظام الأدبيِّ، كان شَعْرًا في عظمةِ السَّاق.
167. كتبتُ مواضيعَ مُخجلة، كنت أتمنى هجمةً سبتمبريَّة ثانية تقصدُ غُرفَ الخوادم التي تحفظ غثائي.
168. كنتُ أنقل مواضيعي من منتدى إلى آخر، كنتُ حاطبَ ليل، وأعيدُ اجترارَ مواضيعي بتكرارٍ غير مبرَّر.
169. كانت الكِتابة المنتدويَّة أسوأ تجربة بعد دخولي المدرسة، أذكرُ كاتبًا منتدويًا من أهلِ حائل، كنت أغبطهُ على ما حباه الله من بيان.
170. تعرَّفت عليه، ثم قابلته، وفهمتُ أخيرًا مفاد العبارة المكتوبة على المرايا الجانبية للسيَّارات: الأجسام في المرآة أقرب ممَّا تبدو عليه في الواقع.
171. كان تيَّاها بنفسه، يقرظ مكتوبه، ويشيد بردوده، ينوِّه إلى مفرداته، ويمجِّد استعاراته، وكأنه تشايكوفيسكي وهو يضع لمسته الأخيرة على كسَّارة البندق.
172. نشأتُ وأنا على يقينٍ من أنَّ الكِتابة مِحنة لا مِهنة، الكتابةُ ليست بالعمل الودِّي، ولا بالجُهد الفردي، إنَّ كتابةَ سطرٍ واحدٍ، تتطلُّب منك نَهم مِرْياع، وديمومة مذياع.
173. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولمن ذكروا في هذه العُجالة، وأخصُّ بذلك من بقي منهم على طبعه لم يتبدل.
174. تمَّت.
168. كنتُ أنقل مواضيعي من منتدى إلى آخر، كنتُ حاطبَ ليل، وأعيدُ اجترارَ مواضيعي بتكرارٍ غير مبرَّر.
169. كانت الكِتابة المنتدويَّة أسوأ تجربة بعد دخولي المدرسة، أذكرُ كاتبًا منتدويًا من أهلِ حائل، كنت أغبطهُ على ما حباه الله من بيان.
170. تعرَّفت عليه، ثم قابلته، وفهمتُ أخيرًا مفاد العبارة المكتوبة على المرايا الجانبية للسيَّارات: الأجسام في المرآة أقرب ممَّا تبدو عليه في الواقع.
171. كان تيَّاها بنفسه، يقرظ مكتوبه، ويشيد بردوده، ينوِّه إلى مفرداته، ويمجِّد استعاراته، وكأنه تشايكوفيسكي وهو يضع لمسته الأخيرة على كسَّارة البندق.
172. نشأتُ وأنا على يقينٍ من أنَّ الكِتابة مِحنة لا مِهنة، الكتابةُ ليست بالعمل الودِّي، ولا بالجُهد الفردي، إنَّ كتابةَ سطرٍ واحدٍ، تتطلُّب منك نَهم مِرْياع، وديمومة مذياع.
173. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولمن ذكروا في هذه العُجالة، وأخصُّ بذلك من بقي منهم على طبعه لم يتبدل.
174. تمَّت.
جاري تحميل الاقتراحات...