25 تغريدة 7 قراءة Apr 02, 2024
إقتصاد الحرب وحرب الإقتصاد في حالة المليشيا: ماذا تقول روزا لوكسمبورغ عن مستقبلنا؟
من أين يموّل المتحاربون جيوشهم؟ هذا هو السؤال الأول لكل من يريد الانتصار في الحرب.
يفكر أي قائد عسكري أمرين أساسيين لاستدامة قواته، الغذاء والذخيرة. يحافظ ضباط الصف على الحلقة الواصلة بين عمليات الإمداد، والاحتياجات اليومية للجنود. وكما أن لكل حرب خسائرها التي لا يمكن التنبؤ بها، فإن سرعة تعويضها هو ما يحسم النتيجة النهائية.
ولهذا، تعتبر اللوجستيات أكثر عناصر الحرب خطورة: الطرف الذي يمتلك الأصول الانتاجية الأقوى، ويستطيع تأمين خطوط الإمداد وحمايتها، وتوفير الاحتياجات التكتيكية "عند الطلب"، بدون سحب مخزون أكبر من نصيب الاستهلاك المدني، ستكون له اليد العليا في فضاء المعركة الاستراتيجية.
تعتبر الأصول الانتاجية الصناعية جزءا من المجهود الحربي، وحمايتها وتوسيعها جزء من إدارة الحرب على الصعيد الشامل.
عندما انفجرت الحرب في 15 أبريل، كانت القوات المسلحة في موقع الأفضلية، حتى وإن كان الجنرالات محاصرين تحت الأرض. والمليشيا، بحكم الظروف السكانية والإنتاجية
، تقاتل في أرض غير مواتية يمتلك فيها الطرف المعادي لها ميزة الوصول لإمدادات أوسع، وله احتياطيات كبيرة من الغذاء والذخائر في قواعد محمية بالعاصمة، وتخدمه قاعدة انتاجية تسمح له بالصمود، وكانت المليشيا ممولة من الخزينة العامة حتى إعلانها قوات متمردة في نهاية أبريل
، وانقطعت بالتالي رواتب عناصرها، والأهم من ذلك قدراتها على استدامة الإمدادات. خطة الجنرالات حتى يوليو 2023م هي حزمة من التكتيكات لتسريع تفكك المليشيا بمزيج التجويع، والضربات الجوية، والحرب النفسية (موت حميدتي).
شنت المليشيا بعد الأسبوع الثاني للحرب هجوماً بدا وقتها غير مفسّر، عبثياً باللغة القحاتية، على المناطق الصناعية في بحري والباقير وجياد. نهبت فيه كل ما وجدته بالتركيز على الغذاء، وبعدها، فتحت أبوابها أمام المعتاشين بالجريمة.
نهبت الماكينات وخطوط الكهرباء والمياه، وحطّمت المباني أو أحرقت. كان القطاع الصناعي يعاني أصلاً من التقشف الحكومي، فقد انخفضت الانتاجية فيه ما بين 30 و 40 في المئة خلال الشهور الأخيرة في سنة 2022م.
قبل أقل من أسبوع من اندلاع الحرب أكد أمين المال لاتحاد الغرف الصناعية الفاتح جبورة في تصريحات صحفية توقف «5940» مصنعاً عن العمل من أصل «7350» مصنعاً بالبلاد، وأشار إلى أن عدد المصانع العاملة لا يتجاوز «1400» مصنع. شمل الدمار المنشآت كلها، المتعطلة والعاملو.
ثم أتى الاستيلاء على مجمع اليرموك لصناعة السلاح، وقيادة الإحتياطي المركزي، جميعاً، لتتحقق نتيجة مزدوجة: يوفر للمليشيا امدادات هائلة من الذخائر والأسلحة، وحرم بالمقابل المجتمع المضاد والجيش، بالمقابل، من ميزته الرئيسية على التعويض والعيش.
أي، حولت المليشيا بتدمير القدرات الانتاجية وفي القلب منها الصناعة، الجيش ليكون على صورتها.وإذا أخذنا في اعتبارنا الحجم الضخم للمجمع العسكري-الصناعي- البنكي الذي يسيطر عليه الجنرالات كجزء من الناتج المحلّي الإجمالي، فإن جزءاً كبيرا من الخسائر الاقتصادية قد وقع على الجنرالات أنفسهم
النسيان آفة. تم إنشاء نظام المليشيات المعاصر على يد الجنرالات منذ الثمانينات لإدارة "الحرب الرخيصة" ضد التمرد، وتطور حتى وصل إلى مرحلة مليشيا حميدتي، عبر تتابع الابتكارات الإبادية والحيل القانونية. المليشيا مدربة على شن الحرب على الاقتصاد المعيشي، تموّل نفسها من موارد عدوّها،
بلا تكاليف على ميزانية الحكومة، هي لصوصية مسلّحة إبادية، هكذا أرادها الجنرالات. حرب بالمعيار الرأسمالي هي "الأقل تكلفة": تقليل المصروفات مع زيادة العوائد: لا تنفق قيادة المليشيا على إطعام جنودها،
وتحصل على تشوين من مخازن وحاميات الجيش (لم ترد أي تقارير عن تدمير مخزونات الجيش في نيالا أو مدني وغيرها قبل الهرب منها أي أنها أعطيت مجاناً لها، ننتظر لجنة أديب هنا أيضاً)، بينما، في ذات الوقت تخلق العوائد الجديدة من رسوم السيطرة على الطرق، التجارة
، وأخيراً من رسوم المياه وستار لينك، دعك من التهريب وتجارة الآثار والرقيق البشري، اخصم هذا من ذاك، وضع في اعتبارك أن تجارة الذهب العابرة للحدود لا تزال مستمرة، وصادر المواشي قد بلغ هذه السنة معدلات قياسية وهي في عظمها تمر بالطرق التي تسيطر عليها المليشيا،
واحسب كيف أن الربح الرأسمالي يتراكم لدى المليشيا بسرعة وكميات لا مثيل لها. ولكن بالمعيار المضاد، معيار الحياة، هي حرب الإبادة والموت. يؤدي المنطق الرأسمالي إلى الجنون والعبث، ولكنه يمتلك منطقه الخاص، منطق الربح ثم المزيد من الربح. لقد خرج من حرب المليشيا على الإقتصاد،
إقتصاد جديد للحرب، سنعود له في مقال قادم.
لا يمكن تفسير ما يجري اعتماداً فقط على المشهدات الملموسة، هناك حاجة للتجريد، أي للنظرية. نكتب عنه هنا بالخطوط العريضة لا أكثر. من وجهة نظر المادية التاريخية، فإن ما تقوم به المليشيا هو تحطيم التراكم الرأسمالي، وقد حدث بمقدار هائل.
توقع إبراهيم البدوي وزير المالية بحكومة حمدوك في الشهر السادس للحرب أن تبلغ خسائر البنية التحتية 60 مليار دولار مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بعشرين في المئة، زيادة على تقدير للبنك الدولي بانكماش قدره 12 في المئة. في يناير الماضي،
قال وزير المالية فريق أول جديد لنج جبريل إبراهيم أنه لا توجد تقديرات دقيقة حول خسائر الاقتصاد من الحرب، ولكنه قال أن إيرادات الدولة قد انخفضت 80 في المئة. بعد بضعة أيام، صرح جنرال إبراهيم جابر الضلع الرابع في بنتاغون القيادة أن تكاليف إعادة بناء المؤسسات تبلغ 150 مليار دولار،
وهو في الغالب يتحدث عن خسائر المجمع العسكري الذي يسيطر عليه الجنرالات. ولكن، ما معنى كل هذه الأرقام على المدى الطويل؟ تقول خطوط الحركة والنمو للحرب الحالية أنه مكان التراكم المحطّم ينشأ نظام اجتماعي جديد له أنماطه الجديدة للتراكم، هو نظام تتحكم بنشوئه الآن المليشيا وآخرون.
التوقع المرجح أن التسويات السياسية ستتم على تكريس هذا التراكم في مواقع السلطة. نتواضع قليلاً : ليس في مقدور أية نظرية أن تفرض المستقبل، على الأكثر أن تقارب خطوطه العريضة لا أكثر. وفي حالة تم تثبيت كل المعطيات الإنتاجية والاستهلاكية على ماهي عليه اليوم،
فإن الأغلب هو "إذا كان استغلال العمل يتيح فقط توفير حياة مرفهة للمستغِلين، سيكون لدينا نوع من نظام العبودية المحّدث للقرون الوسطى،ولكن ليس الحكم الحديث لرأس المال" بقول روزا لوكسمبورغ.ملامح هذا المستقبل في شذرات موجودة في تقرير منظمة"صيحة"عن اختطاف النساء للقيام بالأعباء المنزلية
، والشهادات عن تشغيل المختطفين قسرياً في الأعمال الزراعية خصوصا في دارفور. هذه لمحات من "مجتمع الديقراطية الزاهر" التي تعد بها المليشيا، والذي لن يكون لن مثيل سوى ديمقراطية مالكي العبيد.
تحتاج المليشيا أن تدمر كي تطعم جنودها، هذا دافع رئيسي للتوسع الجغرافي.
استغرقت 7 شهور للقضاء على كل الفائض الاجتماعي المتراكم في الخرطوم، وتكاد تكمل في 4 أشهر نهب الجزيرة كلها، يوظف داعموا المليشيا الدوليون في الإمارات هذه الضرورة، ويستخدمونها لتجريد البلاد من كل ثروة، والمساحة التي ينبغي على المليشيا نهبها تزداد مع كل منعطف عسكري،
ومع تضخم قواتها، سيزداد مقدار الإبادة اللازم لانتزاع الفائض، وتنفتح مجالات جديدة للاستثمار والتراكم. يبزغ اقتصاد حرب واسع، يشارك فيه الجنرالات أيضاً، كما سنرى في المادة القادمة.
أين ستتوجه المليشيا في الأسابيع القادمة؟ ابحث عن الفتريتة!
يتبع،

جاري تحميل الاقتراحات...