22 تغريدة 30 قراءة Mar 31, 2024
ولكن البنك الدولي مبسوط: تنفذ المليشيا اليوم بالإبادة ما عجز عنه الكيزان بقانون 2005م
وقفة من بعيد قليلاً، تكشف العلاقة الباطنية لجرائم المليشيا مع مطامع رأس المال. إبادة اليوم هي استمرار لحرب طويلة بوسيلة أخرى.
قال مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثه في تقرير شهر فبراير عن الحرب الراهنة أن عمليات المليشيا في قرى الجزيرة "تبدو بلا قيمة عسكرية".
قد يبدو هذا صحيحاً. استنتج الكثيرون أن أفعال المليشيا خالية من المنطق. في رأينا هذا ليس صحيحاً. ولكن لنفهم، علينا أن نتفق أن الحرب هي استمرار للسياسة، وأن السياسة هي الاقتصاد مركزاً، وسنتخلص من الحيرة الضاربة في دوافع المليشيا.
تقول دعاية مصدرها الجنرالات نصف الحقيقة: حرب المليشيا هي حرب ضد الشعب، ولكن هذا القول ناقص. لا تفعل المليشيا ذلك لأنها (1) تضم مجموعة من المجانين – مع أن جنون السلطة أحد دوافعها، و(2) تعمل بعشوائية ناجمة عن إحساسها بالخطر من هزيمة قادمة، كما يحاول الجنرالات القول.
نقول على العكس، للمليشيا أهداف، وجرائم الجزيرة جزء من أدوات ممنهجة لتحقيق الأهداف. لنعرفها، ننظر وراء المظاهر والأقوال. نبحث في الإنتاج وعلاقاته.
نص القانون الاستعماري "قانون أرض الجزيرة لسنة 1927م" وبأثر المخاوف التي انتابتها من ثورة 1924م،
على ملكية المزارعين للأرض بعد أن وجدت مقاومة لفكرة تحويلها لملكية الدولة. وترسخ بعد أن اشتد عود حركة المزارعين الثورية واعتصامها الشهير في ميدان عبد المنعم بالخرطوم في 1953م. في الدكتاتورية العسكرية الأولى حضرت بعثة للبنك الدولي وأوصت بإلغاء العديد من امتيازات المزارعين وقاطني
المشورع – بما فيهم العمالة الزراعية الموسمية – وأهمها "الحساب المشترك" وهو طريقة اقتسام الأرباح بين الحكومة والمزارعين والشركة الاستعمارية. ولكن، ولقوة تنظيم حركة المزارعين اضطرت الديكتاتورية إلى تعديل القانون لصالح المزارعين وتعزز نصيب المزارعين في الحساب المشترك
(42% للمزارعين – 42% للحكومة- 1- لإدارة المشروع- 2% احتياطي لحساب المزارعين- 2% للخدمات التي تؤديها المجالس المحلية في المشروع). انتهى تقرير البنك الدولي الذي عرف بتقرير "لجنة ريتس" إلى الأضابير.
في الدكتاتورية العسكرية الثانية، عاد البنك الدولي مجدداً سنة 1983م وضرب مكاسب المزارعين وألغى الحساب المشترك لصالح "الحساب الفردي" وتحمل المزارعون تكلفة المياه. ولكن، لم يزل التمسك بالأرض قضية لم تمس، حتى حين.
في الدكتاتورية الثالثة زمن الكيزان، أوصت لجنة "تاج السر مصطفى" سنة 1998م بخصخصة المشروع تحت ستار الشراكة بين الحكومة ورأس المال الأجنبي، وظهرت روابط الري وهي التي تجمع الأموال من المزارعين وتسلمها للإدارة وتأخذ الحافز وتسمسر في بيع المحاصيل بين المنتجين وكبار التجار لصالح التجار
مما أوقع المزارعين والعمال الزراعيين في مثلث استغلالي بشع، البنوك وإدارة المشروع والسوق، ورابعتهم الدولة. ظهر مشروع قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005م ليتيح نهب الأرض بالبيع تحت شعار "تقنين بيع حق منفعة الحيازة"، وهو حق لم يجرؤ الاستعمار على خرقه بل ومنعه في قانون 1927 سابق الذكر.
وفي حكومة الليبراليين الجدد بقيادة حمدوك لم يتوقف هذا الاستغلال، وتماطلت في إسقاط قانون المشروع لسنة 2005م أو تعديله على الأقل رغم مطالب اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل. وارتفعت تكلفة التمويل البنكي 50 في المئة.
وبعد انفجار الحرب، تواصلت نفس السياسة. على سبيل المقارنة، تنص أدبيات الحرب الشاملة على أن تعمل كل الحكومات التي تخوض حرباً شعبية عادلة على تعزيز الاكتفاء الغذائي لحماية جنودها والشعب من تبعات الحرب، وتلجم قوى السوق والمضاربة، وتفرض التسعير الشامل والإلزامي، وتلجم التضخم.
لم يحارب الجنرالات بهذه الطريقة، بل على العكس: سمحوا للسوق أن تدمر ما نجى من الحرب، تقدمت مصلحة كبار ممولي الحرب على مصلحة الشعب من الحرب. بل وتفاقمت ممارساتها سوءاً عندما رهنت وزارة المالية في نوفمبر الماضي كامل أصول مشروع الجزيرة بقيمة 102 مليار جنيه
(أي حوالي 3 مليارات دولار بسعر الصرف الرسمي) للبنك الزراعي مقابل تمويل الموسم الشتوي. ولم يجد الخبر حظه من الانتشار. وبالطبع، لم يحقق أحد في عمولات الصفقة.
اليوم، حطّمت المليشيا ما تبقى من شبكة الري، ونهبت المحاصيل ودمرت جزءاً كبيراً منها. ماذا تعني الجريمة بلغة الإقتصاد؟
تعني أن مصير جميع المزارعين هو العجز عن السداد، وبالتالي المصادرة الشاملة للأرض والأصول للدائنين، وإذا علمنا أيضاً أن البنك الزراعي نفسه كان قد طلب من الجزار حميدتي في مايو 2022م "الحصول على 200 مليار جنيه لشراء 300 ألف طن من القمح لصالح المخزون الاستراتيجي"،
وأن حميدتي قد نفذ ذلك مقابل نسبة غير معروفة من أسهم البنك (نفى مدير البنك هذه التصريحات بعد يومين بعد هجوم إعلامي شديد وتوعد بمحاسبة مروجي الشائعات وكالعادة لم يفعل حتى لا يكشف التحقيق ما نفاه)،
نعلم أن حميدتي يلعب لصالح "تفليس" المشروع كي يقع في حبال بنك شبه مفلس لدولة على شفى الإفلاس، مما يعني "تصفير" قيمته الدفترية، وبخت المشتري القادم. تحويل إحدى مناطق الفائض الغذائي في بلادنا إلى منطقة إغاثة وسجون، ولن ينتقل المزارعون حتى وإن "استعاد" الجيش مدني إلى بيوتهم،
بل إلى حراسات البوليس، حتى يبيعوا، أو يهاجروا، أو يتحولوا إلى بشر فائضين في معسكرات النزوح ويموتوا من الألم والغضب. إن ما تقوم به المليشيا هو نزع الأرض الزراعية بالعنف العاري وتحطيم المجتمع القائم عليها بالصدمة. هو تجهيز نهائي للصفقة مع رأس المال الإماراتي والتركي،
هو تنفيذ "الحل النهائي" باللغة النازية لمحاولات كثيرة لتسليم أرض المشروع "خالية من الموانع" أي من البشر وهياكل المقاومة التنظيمية والمعنوية منذ فترة طويلة. ولم تبدأ هذه السياسة يوم 15 أبريل 2023م، ولكنها بلغت اليوم ذروتها. ومن الأكيد أن "مستر ريتس" مبسوط.
ما تفعله المليشيا هو جريمة حرب وجريمة ضد الانسانية، صحيح، ولكنها ليست المجرم الوحيد، هناك مجرمون بعيدون في واشنطون، ودبي، واسطنبول، وبورتسودان: جنرالات، ترزية قوانين، رجال بزنس، مسؤولون مرتشون، وقوّادون لسلطة المليشيا، وأجيال من الرجعيين. كلهم مشاركون.
شعارنا هو شعار مزارعي الجزيرة والمناقل "الأرض، أو الفناء".
يتبع،

جاري تحميل الاقتراحات...