د.نجوى المطيري
د.نجوى المطيري

@ange22228

6 تغريدة 9 قراءة Mar 29, 2024
فن صياغة التقارير والإلقاء والعرض لهدهد سليمان عليه السلام في سورة النمل:
لقد أكد هدهد سليمان في سورة النمل على أن ما لديه من مبررات هي يقينية ومؤكدة، ولا تحتمل التأليف أو الظن أو التخمين أو الافتراض، ولكنها تقوم على الحقائق المجردة.
ومن هنا نتعلم منه أحد فنون الإدارة والاتصالات، فيما أصبح يعرف الآن بـ "فن صياغة التقارير والإلقاء والعرض".
وبدءًا فإن التقرير، سواء كان شفهيًا أو مكتوبًا، ما هو إلا وعاء يحتوي معلومات، يقدم إلى مستوى إداري أعلى؛ للمساعدة على اتخاذ قراراته على بينة ورشد.
وللتقرير الجيد مواصفات عديدة، من أهمها: أجزاءه المتماسكة والمتكاملة والكافية والموجزة، وكلماته الواضحة والمعبرة، وبُعده عن الغموض أو التخمين أو الإيجاز المخل، أو التطويل الممل..
وأهم أجزاء التقرير: مقدمة مشوقة، وصلب الموضوع، ثم خاتمة وتوصيات في النهاية.
فماذا عن تقرير الهدهد؟
وأين هو من كل هذه المواصفات؟!!
#ثريد
#رمضان
#رمضان_19_الدعاء_المستجاب
أولاً: المقدمة:
لقد تضمن تقرير الهدهد كافة عناصر التقرير الجيد، وأولها وجود مقدمة مشوقة، ومعبرة عن الموضوع الذي سوف تتناوله، وذلك حينما قال: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِين}
فالتشويق الكامل يأت من قوله {أحطت بما لم تحط به}؛ فهذه المقولة تثير لدى السامع كل قوى الاستعداد والتحدي لسماع ما سوف يأتي بعد ذلك، حتى تجده وكأنه يتساءل: ما هذا الشيء الذي يعرفه الهدهد وأحاط به ولا يعرفه سليمان عليه السلام؟!!
رغم مكانته، ورغم ما سُخِّر له من إنسٍ وجنٍّ وجبالٍ وحديدٍ ورياحٍ وطير، ورغم أن الله عز وجل قد أتاه من كل شيء..؟!!
والحقيقة أن هذه المقدمة لم تقتصر على عنصر التشويق فحسب، بل إنها - رغم إيجازها الشديد - قد تضمنت صفة أخرى مهمة، تُعدُّ من أهم صفات المقدمة الجيدة، وهي إعطاء السامع أو القارئ فكرةً عن طبيعة الموضوع، وذلك حينما قال:{وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِين}؛ فالموضوع يتعلق بسبأ، وما هي سبأ؟ فعلى المخاطَب أو السامع أن ينتظر بلهفة وشوق لمزيد من التوضيح والتعريف.
ثم إنه قد أبان عن منهجه في هذا التقرير، وهل هو قائم على مجرد التكهن والتخمين والسماع، أم هو قائم على التبيين واليقين والتحقق العلمي الموثق؟ وذلك حينما قال: {بِنَبَإٍ يَقِين}.
ثانيًا: صلب الموضوع:
بعد المقدمة التي اشتملت على كل الصفات المهمة، أخذ الهدهد في سرد عناصر التقرير، والتي تمثل صلب الموضوع الأساسي..
فالهدهد هنا يحاول إعطاء صورة كاملة وشاملة وضافية وغير منقوصة عمَّا يتعلق بقوم سبأ، ويمكن لنا أن نتبين أن هذا الصلب قد تضمن عناصر عدة، أهمها:
- نظام الحكم.. {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ}.
- القدرة الاقتصادية.. {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}.
- النظام الاجتماعي ووضع المرأة فيه..{إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ}.
- النظام الحضاري والصناعي ومدى تقدمه..{وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}.
- العقيدة الدينية.. {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}.
- مدى رسوخ العقيدة في نفوسهم.. {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}.
- صعوبة تغييرهم وتحويلهم عن هذا الوضع إلا بخطة محكمة ومدروسة تستغرق وقتًا وجهدًا.. {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}.
ثالثًا: التوصيات:
لم يقف الهدهد عند مجرد النقل والسرد، بل إننا نلاحظ تدخل رؤيته وتقييمه للأمور وحكمته، والتي وصلت مداها بتوصية لنبي الله سليمان عليه السلام يوجهه فيها لطبيعة القرار الذي يجب اتخاذه في مثل هذا الموقف!
وهذا يوضح أعلى الدرجات الإيجابية والمسئولية والمشاركة من مقدم التقرير إلى قائده، ويتضح ذلك حينما نراه يختم تقريره بقوله:{أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}.
وهنا يتوقف سليمان عليه السلام أمام هذا المستوى الراقي من هذا الجندي المبادر، الذي لا يكتفي بمجرد تأديته الأوامر، ولكن من منطلق فهمه وإيمانه برسالة المنظمة التي يعمل تحت لوائها، ينطلق ويؤدي، ويبدع ويتفانى في إتقان دوره، بما ينعكس بأعلى درجات الكفاءة والفعالية على تحقيق وإنجاز هذه الرسالة.
الدرس الرابع: لا تبنِ قراراتك إلا على حقائق:
في درسنا الرابع والأخير من دروس هذه القصة نطرح سؤالاً مفاده: لو كنت مكان سيدنا سليمان عليه السلام.. ماذا كنت ستفعل بعد سماعك لهذا التقرير من الهدهد؟
الإجابة موجودة وموثقة في القرآن الكريم، وهي قول سليمان عليه السلام:{سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}.
فإن مضمون هذه الإجابة هي درس عظيم آخر في الإدارة، ومنه نتعلم أنه لا يمكن للقائد أن يبني قرارًا، وخاصة إذا كان من هذا النوع الإستراتيجي، إلا عن بينه وحقائق لا تحتمل أي لبس أو تخمين.
والعجيب أننا كثيرًا ما نرى خلطًا بين أمور ثلاثة لدى الكثير من المديرين، بل لدى الناس عمومًا، وهذه الأمور الثلاثة هي:
-الحقائق.
-الافتراضات.
-الأحكام أو القرارات.
فإن ما قاله الهدهد لا يزال بالنسبة إلى سليمان عليه السلام مجرد افتراض قد يحتمل الصواب أو الخطأ، ومن ثم لا يجب أن يُبنى عليه حُكمًا أو قرارًا إلا بعد تحويله إلى حقيقة، وهذا يحتاج إلا تبين وتأكد ودراسة، واختبار لصحة الافتراض من عدمه، كما يجب البعد في ذلك عن العواطف والانفعالات والأهواء الشخصية.
وهذا بالضبط هو ما فعله سليمان عليه السلام مع الهدهد، حيث قال:{سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}، أي سوف نتأكد أو نتبين مدى صحة ما تدعيه، وبعد ذلك يتم اتخاذ القرار المناسب، ليس فقط بشأن الهدهد وعقابه أو ثوابه، وإنما بشأن القرار الأهم، وهو المتعلق بقوم سبأ، وما يجب اتخاذه حيالهم، وهو قرار إستراتيجي مهم، يتطلب وضع خطة على أعلى مستوى لتحويلهم إلى عبادة الله.
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...