عبدالله الرشيد
عبدالله الرشيد

@3bdullah62

20 تغريدة 42 قراءة May 25, 2024
الزمان / قبل ٨٨ عامًا
المكان / النماص - منطقة عسير - السعودية
قصة قديمة حدثت في منطقة عسير قبل ٨٨ عامًا تحكي حال الناس بسبب الجوع 💔
يقول راوي القصة: كنت طفلًا صغيرًا حين نشب خلاف بين أمي وأبي، فغادرت أمي بيتنا مصطحبة معها أخويّ الصغيرين …
#ثريد
وتركتني باعتباري أكبر منهما مع والدي، وتزوج أبي زوجة أخرى وأنجب منها طفلتين، وفي نحو سنة ١٣٥٧هـ أجدبت ديارنا، وشحت أرضنا، وانتشر الجوع والفاقة وضاقت الأرض بما رحبت على أهلها، حتى أكلوا أوراق الشجر وجلود الحيوانات، حتى كان الرجل يبيع أرضه التي كانت أغلى من روحه من أجل وجبة عشاء …
يمنح بها نفسه وأهله فرصة أخرى قصيرة للحياة.
حينها شعر والدي بأنه يمثل عِبئًا على والده (جدي) وأنه لن يتمكن من الوفاء بحاجته وحاجة أطفاله، فقرر الرحيل بنا، وخرجنا حتى وصلنا إلى منطقة معروفة فالتفت إليّ والدي وطلب مني الرجوع لأبقى مع جدي وجدتي، فاستجبت له ورحلت …
ثم التفت يقول لي قبل الوداع: لعلنا لا نلتقي بعد هذه اللقاء أبدًا يابني.
إنها رحلة إلى المجهول، سفر بلا وجهة ولا هدف سوى البحث عن لقمة تسد رمق الطفلتين وأمهما.
و عدت مع جدي، وازدات الأمور سوءًا، والجوع يخيم على المكان والزمان، والناس تفر من البلد،ولم يبق إلا كبار السن وبعض الصغار
وحين خاف جدي علي أن أموت جوعًا، أشار علي أن ألحق بأمي وأخويَّ الصغيرين فذهبت أمشي -وأنا في حدود ١٢ من عمري- إلى أمي في منطقة بعيدة عنا، وبقيت أمشي من الصباح حتى جاء المساء ووصلت إليها ففرحت بي فرحًا عظيمًا واستقبلتني، ورأيتها تبيع الحطب من أجل أن تسد رمق أخويَّ الصغيرين
فأضفت إليها عبئًا جديدًا، ولم يمر وقت طويل حتى شعرت أمي بأنها عاجزة عن إطعامنا، وخافت أن يقتلنا الجوع، فقالت: انزل إلى تهامة لعلك تجد والدك أو تجد شيئا تأكله وأرسلت معي أخي الذي يصغرني، وتركت أصغرنا معها، وصحبنا ابن خالتي الصغير أيضًا ونزلنا إلى تهامة أقود رحلة الأطفال البؤساء …
حيث كنت أكبرهم، فوصلنا إلى تهامة، حيث تنتشر الملاريا والوباء والناس يموتون فرادى وجماعات من فتك المرض، ولكن لا خيار لنا .. الموت جوعًا أو وباء، إنها خيارات متقاربة، لابد من الركض إلى النهاية.
مضينا حيث لا نعرف طريقًا ولا وجهة، نقترب في المساء من البيوت لنؤنس وحشتنا …
ونأكل ما نجد في الطريق من الشجر حتى وصلنا إلى السوق، والناس يتبايعون الحبوب والتمر والزبيب، فنستبق إلى حبة سقطت هنا أو هناك، والناس لا يكترثون بمنظر الأطفال الجياع يبحثون عن الحبوب كالطير وذلك لأن الفاقة تضرب الجميع والجوعى كُثر.
تفرقنا في السوق، فلما جاء المساء لم أجد أخي ولا ابن خالتي!
بحثت عنهما طوال الليل فلم أجد أخي الصغير وعمره ٨سنوات إلا في الصباح فضربته بعنف لشدة خوفي عليه وألمي من فراقه ليلة كاملة، ثم ندمت ندمًا شديدًا على ضربه وهو الصغير الشريد الجائع، فكنت أحتضنه طوال الليل وأبكي ندمًا ورحمة به
ولم أجد ابن خالتي إلا في اليوم الثالث، وجدته قد مات جوعًا أو مرضًا!
حينها قررت العودة إلى أمي وقد خسرنا في الرحلة ابن خالتي وذهبت بأخي الصغير إلى أمي وأعلمتها بوفاة صاحبنا، فحزنوا - إن كان بقي في قلوبهم حزن -
وبكوا -إن بقيت لهم عيون يبكون بها-.
وما إن وصلت حتى ارتفعت حرارة أخي
الذي كان رفيقي في الرحلة لقد أصابته الملاريا هو الآخر، وظلت أمي وأنا نسهر معه طوال الليل، وكنت أضمه إلى صدري وأبكي، وحين بزغ الفجر أرادت أمي أن تذهب لتأتي بقربة ماء فناداها أخي المحموم بصوت خافت لا تذهبي إنني سأموت الآن قبل أن تعودي بالقربة، وبالفعل مات! 💔
شعرت أن أمي المسكينة لم يعد في قدرتها القيام بإطعامنا فعدت إلى جدي لعل الأوضاع قد تحسنت، فإذا هي قد ازدات سوءًا والجوع قد كلح بوجهه في كل الزوايا، فاقترح علي جدي أن أنزل من جديد إلى تهامة إلى والدي في القرية الفلانية.
فذهبت أمشى أربعة أيام في طريق المجهول …
أقترب من المزارع آكل منها وأمضي، وفي ذات مرة اقتربت من بستان أقتات ما أستطيع منه؛ فإذا بي أرى أبي فاحتضنني وبكيت بحرقة وأعلمته بوفاة أخي، وأخبرني بوفاة زوجته، وجعل يخفض من حزني ويقول سوف أعود فآخذ أمك وأخوك ونعود إلى بلدتنا ويلتئم شملنا من جديد؛ فاجتاحني فرح أنساني كل أحزاني …
وبشرت أختيّ الصغيرتين وضممتها إلي وحدثتهما عن أحلامي وعودة أمي، وكانوا في حجرة صغيرة تحت صخرة في وادي تهامة وقلت سأذهب أجتني لكم النبق (حبات على شكل كرات يخرج من شجر السدر) ويسمى (العِبري) في نجد، وحين عدت بعد المغرب إذا أبي ينتفض من الحرارة فجعلت أرش عليه الماء وأضع النبق في فمه
لعله يأكل لكن الأجل كان أسرع ومات أبي وحبات النبق في فمه لم يتمكن من بلعها، وماتت الفرحة بسرعة!
وجاء الناس حولنا حين سمعوا صراخي مع أختيّ فدفنوا أبي، ثم ذهبوا وتركونا في الغار وحدنا أنا مع أختي، إحداهما في الثانية من عمرها والثانية في الرابعة، وانضمت أجسادنا واجتمعت علينا الأحزان
وتجاوبنا الدموع تلك الليلة الموحشة، لنستيقظ في الصباح على موت أختي ذات الأربع سنوات ولحاقها بأبي، فدفنتها بجوار قبره ورحلت بالطفلة ذات العامين أسير في حر الشمس حتى وصلت إلى قرية، حينها رأتني عجوز ورأت أختي على ظهري تصهرها الشمس قالت: يا ولدي اترك هذه الضعيفة معي …
فقد قتلتها الشمس، واذهب لعلها تتعافى ثم تعود إليها أو تموت فتستريح؛ فتركتها.
وذهبت إلى جدي وأعلمته بوفاة والدي وزوجته وأختي الصغيرة فبكاه بحرقة وظل يبكيه طويلًا حتى فقد بصره، ثم عدت بعد أيام أبحث عن أختي عند العجوز فأخبرتني أنها ماتت بسرعة بمجرد فراقي لها !💔
واستمر الجوع فترة طويلة، ثم فرجها ﷲ سبحانه ونزلت الأمطار على البلد وأغاث ﷲ الخلق وكشف ما بهم.
هذا ليس فصلًا من رواية البؤساء ولا مقطعًا من فيلم في الخيال، إنها قصة إنسان في هذه الأرض قبل ثمانية عقود فقط، قصة بقايا الآلام في وجوه الأحبة الذين ترونهم الآن في التسعين من أعمارهم.
اقرؤوا تلك القصص في وجوههم، دعوهم يحدثونكم عن ندوب التاريخ في وجوههم وأكفهم وقلوبهم.
حدِّثوا أطفالكم عن معنى المأساة والألم والأحزان والفاقة.
كافحوا أيها الأحبة من أجل الحفاظ على النعم بالعبادة والطاعة وترك المعاصي.
القصة حقيقية وموثقة بفيلم وثائقي.
🔴 اسمع القصة كاملة بلسان صاحبها إبراهيم بن عبدان البكري الشهري مع ابنه.
👇
youtube.com
أكثروا من الدعاء، ودعوا الإسراف فإن الأيام دُول.
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وفجاءة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك.
#انتهى

جاري تحميل الاقتراحات...