د. محمد عياش الكبيسي
د. محمد عياش الكبيسي

@maiash10

2 تغريدة 5 قراءة Mar 25, 2024
هذه نصيحتي التي أرجو أن تبرأ بها ذمتي
.
(كان صرحاً من خيالٍ فهوى)
.
أحد قدامى (الإسلاميين) ممّن كانت له صولات وجولات وتضحيات يكتب اليوم هذه العبارة تعليقا على خطبة قديمة يبشّر بها الخطيب بوحدة الأمة الإسلامية وخلافة على منهاج النبوّة.
.
شعرت بمعاناة هذا الأخ والتي هي معاناتنا جميعا، نعم
:
قرن كامل من الدعوة إلى الله والخطابات والمؤلفات والرسائل والأناشيد والمشاعر والعواطف واللقاءات والاجتماعات والندوات والمؤتمرات.
.
قرن كامل من السجون والمعتقلات والتعذيب والإعدامات والتضحيات التي يشيب لها الولدان.
.
قرن كامل من التجارب المختلفة من الخنادق والبنادق إلى الانتخابات والتحالفات.
.
ثم ماذا؟ ولماذا؟
.
إننا نستطيع أن نلقي باللائمة على "حلف الشيطان" من الغربيين والشرقيين والمنافقين والباطنيين، ومكر الليل والنهار الذي لم ينقطع للحظة واحدة، إضافة إلى الحاضنة التي لم تفهم رسالتنا لحد الآن، فصارت كالرمال المتحركة مرة معنا ومرة ضدنا، تفرح إذا انتصرنا وتشمت إذا خسرنا!
.
كل هذا صحيح لكن هل هذا هو كل شيء؟
.
أما آن لنا بعد كل هذا الذي أصابنا أن نقف مع أنفسنا ولو لمرة واحدة، أو نقف أمام المرآة لننظر في وجوهنا، وننظر فيمن حولنا:
كم مرة غلّبنا مصالحنا الشخصية وشهواتنا الخفية على مصلحة الدعوة؟
كم مرة رفعنا الجاهل وقليل الخبرة إلى موقع الصدارة وصنع القرار وخفضنا (الحفيظ العليم) و (القوي الأمين).
.
كم مرة تكبرنا على نصيحة الناصحين، وركلنا بأرجلنا قواعد الشورى، زاعمين أننا وحدنا نعرف الأسرار وخفايا الأمور .
.
كم مرة نقع في الفخ نفسه ونلدغ من الجحر الواحد فلا نتعظ؟ يلدغنا الثعبان في يدنا اليسرى فنصافحه باليد اليمنى، ثم يلدغنا في يدنا اليمنى لنمكنه بعدها من عيوننا وقلوبنا! ويهدم لنا ألف مسجد هناك ثم نثق بوعوده في تحرير مسجدنا نحن؟
.
لقد كان بعض الإخوة وأنا أعرفهم جيدا وهم من خيرة الناس صدقا وعلما وخبرة، لديهم (معلومات) وليست آراء تتعلق بأكثر من بلد، لكن أصحاب القرار تكبروا على هذه المعلومات واستخفوا بها، بل منهم من لم يرض باستماعها لأن عندهم قاعدة (أهل مكة أدرى بشعابها) و(لا يفتي قاعد لمجاهد)! حتى إذا وقع الفاس بالراس صاروا يتباكون ويتلاومون، بل تبين بأن الشخص الذي وصلته المعلومة لم يوصلها (لربعه) أصلا، وهذه حالة من حالات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
.
أنا هنا والله لا أتكلم عن جماعة أو تيار معيّن، فهمّ استئناف الحياة الإسلامية بعد سقوط دولة الإسلام تحت سنابك خيول بريطانيا وفرنسا كان همّا كبيرا حملته مدارس شتى، من مصر إلى الهند ومن المغرب والجزائر إلى تركيا، لكن أغلب هذه التجارب كانت نتائجها متشابهة.
.
اليوم أنا أقرأ عبارة هذا الأخ الداعية القديم (كان صرحا من خيال فهوى) فأشعر بجرحها العميق في قلبي، وكنت قد سمعت عبارة مثلها من أستاذنا الدكتور عدنان الدليمي قبل سنوات من وفاته رحمه الله وهو من أكثر الدعاة حماسا وعملا وإنتاجا، فاستذكرتها الآن لتزيدني مرارة وألما، لكني لن أسمح لهذه ولا لتلك أن تفتح نافذة لليأس على قلبي -لا والله- بل ستحملني مسؤولية أكبر -على الأقل في باب الكلمة المسؤولة والنصيحة الصادقة- وبهذا الصدد فإني أدعو نفسي وكل إخواني وأخواتي من شتى المدارس والتوجهات إلى النظر في هذه النقاط:
:
١-إننا جميعا أفرادا وجماعات قد ارتكبنا ذنوبا ومعاصي ومخالفات لمنهج النبوة حتى ونحن نمارس عملنا "الإسلامي"، فيجب أن نعترف بذلك أمام الله، ونتوب توبة نصوحا، ولا نخدع أنفسنا بأن هذه اجتهادات، لأن الاجتهاد في الشرع له شروط، وكثير من أصحاب القرار في العمل الإسلامي اليوم لا تتوفر فيهم هذه الشروط، وعليه فهم آثمون على كل حال، حتى "عضو الشورى" الذي يأتي بالتصويت، ليس له أن يدلي برأيه "تصويتا" بغير علم وخبرة حقيقية في الموضوع، لأن هذا سيكون تضليلا وليس شورى شرعية.
.
٢-لقد تبين لنا من خلال قرن كامل أنه لا توجد جماعة واحدة قادرة على أن تتحمل عبء هذه الأمانة ومواجهة حلف الشيطان، وإذا كان القرآن شدد النكير على ثلاثة تخلفوا عن تبوك، وأربعين نزلوا من جبل الرماة يوم أحد وقد حصلت بهم النكسة، فكيف بأمة غائبة بكليتها أو مغيبة؟
.
إن القرآن يقول: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) وهذا الخطاب ليس موجها لجماعة معينة، بل للأمة كلها، وعليه فإن واجب الوقت هو ترك التعصب والتحزب والولاءات القاصرة والتوجه إلى تعميق أواصر الثقة والمحبة وحسن الظن بعلماء الأمة وشبابها ودعاتها وكل فعالياتها، وكما كنت أقول دائما: كل من لا نستطيع أن نخرجه من دائرة الإيمان لا يجوز لنا أن نحرمه من حق الأخوة لأن الله تعالى يقول (إنما المؤمنون إخوة).
.
يتبع
٣-إن كفاءات الأمة وخبراتها وتجاربها وحتى معلوماتها التفصيلية موزعة في كل شرائح الأمة ومناطقها المختلفة ومن ثم لا بد من العمل على الإستفادة من كل هذه الطاقات -قدر المستطاع- أما حالة الغرور بالذات وبما عندنا من مؤيدين و (أتباع) فهذا غرور محض.
.
٤-لابد من مراجعة جادة وشاملة لمناهج الدعوة إلى الله والعمل الإسلامي، فلا يجوز شرعا ولا عقلا أن نكرر ذات الأساليب التي أدت بنا إلى الطرق المسدودة والنتائج الكارثية، وهذا في تقديري واجب الوقت الذي لا تبرأ ذمتنا إلا به.
.
٥-أخيرا ينبغي أن لا نبخس عمل كل عامل وتضحية كل مضحّ في سبيل هذا الدين، إذ الأصل حسن الظن بالعاملين جميعا، والأجر ثابت إن شاء الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، خاصة الشهداء الذين قضوا على هذا الطريق، لكن هذا شيء وواجب النصح والتصحيح والتوبة من باطن الإثم في نفوسنا وطريقة تفكيرنا شيء آخر من دون تجريح ولا تعميم.
.
هذه نصيحتي لنفسي ولأمتي والتي أرجو أن أبرّئ بها ذمتي أمام الله،
وصلى الله وسلّم على حبيبنا وقرة عيوننا سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
.
محمد عياش الكبيسي
١٤-رمضان-١٤٤٥ للهجرة المباركة

جاري تحميل الاقتراحات...