ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

23 تغريدة 33 قراءة Mar 23, 2024
حينما ألف ابن سينا قصته حي بن يقظان في القرن السابع الهجري، لم يكن يتخيل أن تتحول تلك القصة أو الشخصية ذات يوم لتصبح طرزان.
نعم طرزان هو شخصية عربية مشرقية، سُرقت من تراثنا، مثلها مثل سندباد وعلاء الدين وسندريلا وقصص أخرى كثيرة سطا عليه الغرب ونسبها لذاته
ما القصة؟
حياكم تحت
طرزان أو ماوكلي، ليس في الأصل إلا حي بن يقظان، ذلك البطل العربي الأسطوري الذي نسجه وطوره غير واحد من أفذاذ حضارتنا العظام، بداية من ابن سينا الذي وضع اللبنات الأولى للقصة، مرورًا بالشيخ شهاب الدين السهروردي وانتهاء بـ ابن طفيل والذي بلغت لديه القصة ذروتها من الجودة والاكتمال.
تحكي الرواية قصة شخص عربي يدعى حي بن يقظان نشأ في جزيرة وحده، حيث وجدته ظبية ورعته حتى كبر، لتتوالى الأحداث، القصة مُحملة بكم معتبر من المضامين الفلسفية، حيث ترمز للإنسان وعلاقته بالكون والدين، وتعيد طرح إشكالية فلسفية تتعلق بالمعرفة لدى البشر، هل هي فطرية أم مكتسبة.
بعد انتشار حركة الاستشراق الأوروبي فيما قبل العام 1500م جرى ترجمة عديد من المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية، وكانت رواية "حي بن يقظان" من بين ما تم ترجمته تحديدًا عام 1671 على يد إدوارد بوكوك تحت مسمى جديد هو "الفيلسوف الذي علم نفسه" أو "Philosophus Autodidactus".
أثارت هذه الترجمة اهتماماً واسعاً بين الفلاسفة والأدباء الغربيين، ومن هنا جرى السطو عليها من قبل عديد منهم، فكان حي بن يقظان أساسًا لعديد من روائع الفكر والأدب العالمي مثل كتاب (عقيدة القس من جبل السافوا) (Profession de Foi Du Vicaire Savoyard) للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو.
الرواية الأشهر لهذه الشخصية قُدمت للعالم عام 1912 وهي للمؤلف الأميركي إدغار رايس بوروس، وقد حققت في وقتها نجاحًا كبيرا كرواية، وقُدِمت لاحقا في فيلم سينمائي عام 1918 ثم توالت الإصدارات السينمائية، ليبلغ عددها عبر قرن كامل أكثر من 88 فيلمًا، معظمها حقق نجاحًا ملفتًا.
معظم التعديلات التي جرت على الشخصية نحت بها في اتجاه نزعها عن أصلها العربي، ونسبتها إلى الثقافة الغربية، فجاءت الشخصية مثلا ذات بشرة بيضاء، وهو الأمر الذي دعا القردة في لغتهم الخيالية في الرواية لتسميته بـ "طرزان" وتعني البشرة البيضاء
كذلك كانت ترجمة حي بن يقضان أساسًا لرواية الإنجليزي رديارد كيبلينج "كتاب الأدغال" الصادر عام 1894، حيث حي بن يقظان هنا تحت مسمى ماوكلي، وقد تم تربيته من قبل النمر الأسود وصديقه الدب فضلاً عن الذئاب، وعليها بني الأنمي الشهير ماوكلي فتى الأدغال الصادر عام 1989.
"ترويض الشرسة" إحدى أشهر مسرحيات شكسبير، والتي لاقت رواجا كبيرا وترجمت لكل اللغات، ولا تزال حتى اليوم تُجسّد على خشبة المسرح في شتى أنحاء العالم، هي مسرحية مفعمة بالعناصر العربية، عناصر سطا عليها شكسبير من كتاب ألف ليلة وليلة، وأخرجها في ثوب آخر يليق بالمتلقي الأوروبي.
تحكي المسرحية في مقدمتها عن أحد النبلاء الذي صادف حال عودته من رحلة صيد صعلوكًا يغط فى نوم عميق، ومن باب التسلية أمر أعوانه أن يحملوا هذا الصعلوك إلى قصره ويوهمونه أنه سيد نبيل وأن حياته الماضية لم تكن إلا حلمًا، ثم تتابع المفارقات.
تلك القصة هي نفسها قصة هارون الرشيد وحاشيته في كتاب ألف ليلة وليلة، والذين ساروا يومًا في بغداد متنكرين وفي مقهى للدراويش سمع الرشيد أحد الدراويش يتمنى لو أنه حكم بغداد ثلاثة أيام فقط . استهوت الفكرة خيال الرشيد، فصمم على أن يحقق للدرويش أمنيته، ومن ثم تتوالى أيضا المفارقات.
ليس هناك مؤلف محدد لكتاب ألف ليلة وليلة، والذي يحوي بين دفتيه كثير من القصص الشعبية العربية الذي جُمع على مدى قرون، وتدور معظم القصص ضمن قالب خيالي ضمن حدود الدولة العباسية وعاصمتها بغداد، وجد هذا الكتاب طريقه إلى أوروبا عام 1704، حين جرى ترجمته إلى الفرنسية.
على الرغم من الاختلاف القائم حول أصل ألف ليلة وليلة، عربية أم فارسية أم هندية، إلا أنها بلا شك محسوبة على الثقافة العربية، إن لم يكن من شخصياتها وأحداثها وأماكنها،وخاصة أنها لم تشتهر إلا بالنسخة العربية، وكيف لا وقد كتبت في العصر العباسي حينما كانت العربية لغة العلم والحضارة .
لم يكتفِ شكسبير بسرقة قصة "ترويض الشرسة" من كتاب ألف ليلة وليلة، بل هو متهم كذلك بسرقة فكرة مسرحيته الشهيرة "عطيل" التي تدور حول مغربي نبيل يخنق زوجته دزدمونة لظنه الخاطئ بأنها تخونه، وحين يتحقق له خطأ شكوكه يقتل نفسه تكفيراً عن خطيئته.
حيث تتشابه مع قصة "قمر الزمان ومعشوقته" الواردة في كتاب ألف ليلة وليلة، أما كلمة عطيل ذاتها فهي تحريف لـ "عبيد الله الجوهري" أحد أبطال هذه الحكايات، كذلك يرى النقاد أثار سرقة واضحة في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير من قصة "مسرور التاجر وزين المواصف" وغير ذلك.
لم تتوقف حدود السرقة في الأدب الغربي عند شكسبير، بل تم السطو على القصة العربية الشهيرة علاء الدين الواردة أيضاً في ألف ليلة وليلة، ليس هذا فحسب بل أعيد إنتاجها في قوالب متعددة، حيث قدمت مكتوبة وفي السينما والتلفزيون والرسوم المتحركة وكذلك قدمت على هيئة ألعاب فيديو
بلغت أعداد الأفلام السينمائية التي قدمت قصة علاء الدين عالميًا أكثر من 10 أفلام، كان أخرها الفيلم الأميركي ذو الإنتاج الضخم Aladdin 2019 والذي حقق نجاحًا مبهرًا، حيث تعدت إيرادته حاجز الـ 950 مليون دولار أمريكي.
كذلك سندريلا وإن لم تكن عربية فهي مشرقية بامتياز، سطا عليها الغرب ونسبها لذاته، وجاب بها العالم شرقه وغربه وكأنها جزءاً من ثقافته، في حين أنها فرعونية الأصل، كُتبت منذ آلاف السنين، ودونت مجرياتها في برديات شستربيتي المملوكة حاليًا للمتحف البريطاني!
القصة هي جزء من أسطورة رادوبيس الفرعونية، والتي لاحقًا تم سرقتها أو اقتباسها من قبل الأديب الفرنسي شارل بيرو في بدايات القرن الثامن عشر، مع كثير من التطوير والتبسيط، ليجري تقديمها بعد ذلك في أعمال كرتونية وسينمائية كثيرة، لعل آخرها هو الفيلم المنتج عام 2015، الذي حقق نجاحا كبيرا.
أما السندباد القصة العربية الأشهر الواردة كذلك في حكايا ألف ليلة وليلة، فهي الأخرى تم السطو عليها من قبل عديد من الكتاب والأدباء الأوروبيين، أشهرهم؛ إدغار آلان بو والشاعر البولندي بولسو ليسميان وكذلك الكاتب المجري غيولا كرودي، والذين أعادوا إنتاجها في شكل قصص وروايات وغيرها.
ومنذ مطلع القرن العشرين تم إنتاج العديد من الأفلام والمسلسلات والرسوم المتحركة التي تحمل اسم سندباد بداية من Sinbad the Sailor الذي أنتج عام 1935 وحتى The 7 Adventures of Sinbad الذي أنتج عام 2010، وما بين الفيلمين تم إنتاج كم لا يحصى من الأفلام.
كل هذا الاحتفاء بالشخصيات الأسطورية العربية أو الشرقية في الغرب رافقه مكاسب مادية فضلًا عن مكاسب أخرى ثقافية تمثلت في سحر أعين الناس وتصدير النموذج والمفاهيم الغربية إلى العالم، وإبهارها بشكل أو بآخر، ضمن قوة ناعمة جبارة بناها الغرب على مدى عقود ولا يزال يحصد نتائجها حتى اليوم
ذلك السطو أو السرقة التي مارسه الغربي تجاه تراثنا وشخصياتنا الأسطورية يدلنا على مدى الأصالة والسحر الكامن فيها، لكنه في الوقت ذاته يبين عن مدى التقصير منا نحن العرب في استغلال تراثنا وإعادة تقديمه.. فهل يأتي يوم نشاهد فيها ذلك التراث مجسدا لدينا بشكل يليق به!

جاري تحميل الاقتراحات...