1 هذه محاولة لفهم المنطق الذي تعمل به الانظمة العربية سواء ما كان منها تابعا لإسرائيل وأمريكا أو ما كان منها تابعا لإيران وروسيا ومحاولات الاولين التقرب من حامي الثانين والعكس بالنسبة إلى الثانين: ما منطقهم وتميزه عن تجربة العرب لخرافة الحياد الإيجابي للبقاء وليس للبناء
2-ولأبدا بتوضيح معنى "للبقاء وليس للبناء" بمقارنة بين مصر والهند اللذين تزعما حركة الحياة الإيجابي المزعوم. فلنقارن ثمرة هذه السياسة في الهند وثمرتها في مصر. فأين توجد الهند وأين توحد مصر الآن؟ فمصر تراجعت إلى ما دون ما كانت عليه قبل مايزعمونه ثورة أمر لا يشك فيه أي باحث موضوعي.
3-أما الهند فقد صارت من اقطاب العالم لأنها اليوم ثالث قواه من حيث الدخل القومي الخام في حين أن مصر تكاد تصبح اقرب إلى ما كان عليه الصومال قبل شروعه في التعافي حاليا. وما اتوقعه هو أن حتى من يتوهمون انفسهم اغنياء مآلهم قد يكون مآل مصر بعد وهم التحديث بالاستيراد بديلا من الإنتاج
4-فعندما تكون الثروة مقصورة على بيع المواد الخام وتكديس المال السائل دون القدرة على حمايتهما حماية ضامنة للسيادة بشروط ردع الاطماع فإن فقدان الثروة يمكن أن يحصل بجرة قلم من الحامي الاجنبي عندما يريد لمصلحة تخصه إذ ما فعلوه حتى بروسيا ولها شروط الردع ففعله ايسر مع المحميات العربية
5-هل يمكن ان يصدق أحد أن اسرائيل وأمريكا ستحميان توابعهم من العرب أو أن إيران وروسيا ستفعلان إذا تعارض ذلك مع مصالحهم فيكون كل صلح بين الحاميين المضاعفين على حساب مصالح المحتمين بهم: يكفي أن تتصالح امريكا وروسيا ومعهما اسرائيل وإيران حتى تصبح ثورات العرب وممراتهم غنيمة يتقاسمونها
6-ذلك ما أفهم به ما يجري حاليا في الحربين اللتين يراق فيهما دم الاكرانيين ودم الفلسطينيين فهو حاليا في إطار المفاوضات بين القطبين المضاعفين: فأمريكا ومعها اسرائيل تفاوض روسيا وإيران والعكس بالعكس ولهم اربعتهم نفس المصلحة لضرب عصفورين بحجر واحد: محاصرة الصين وتوطيد تبعية العرب.
7-وحتى لا يظن أني من أصحاب نظرية المؤامرة فإني لا اعتبر الظاهرة ناتجة عن استراتيجيات الاعداء وحدها لأنها ما كانت لتكون مؤثرة لو لم توجد شروط فاعليتها في ماعليه الوضعية العربية التي تنتج بصورة شبه حتمية التبعية بسبب فقدان شروط السيادة الناتج عن مفارقتين مضاعفتين في "دول" العرب.
8-فكلمة "دولة" ليست اسما مصحوبا بمسماه. فحتى لو سلمنا بأن شرط السيادة صار نسبيا بسبب التوالج بين المحلي والدولي في عصرنا فإن هذه الشرط يبقى أضافيا قبل كل معنى آخر إلى شروط الحماية التي تقتضي إما العظمة الذاتية المحققة للحماية الذاتية أو الحلف الضامن لما يحقق شروط الحماية الجماعية
9-بل اكثر من ذلك فإن ما يميز عصرنا أنه لم يبق بوسع أي دولة أن يكون لها من العظمة القدر الذي يغنيها عن الحلف ومن ثم فالتقاطب لم يعد بين دولتين بل هو صار منذ ما بين الحربين العالميتين علاقة بين حلفين غربي وشرقي هما الناتو ووارسو. ولكل منهما توابع والعرب والمسلمون كلهم توابع لهما.
10 محاولة المسلمين عامة والعرب خاصة سلوك طريق ثالثة سموها الحياة الإيجابي رأينا ثمرتها من خلال مقارنة دولتين الزعيمين المصري والهندي. لكن لا توجد دولة اسلامية عامة وعربية خاصة صارت بحيادها قادرة على أن تكون ذات حد ادنى من السيادة فصاروا غنيمة بالقوة يتلاعب بهم الحلفان بحسب الظرف
11-ومن هذه الوضعية انطلق: فالحلفان المتلاعبان بالمسلمين عامة وبالعرب خاصة يبرز دورهما في القسمة البينة في بلاد العرب أي في "محميات" جامعة "الدول" العربية أي الجامعة التي فرضها سيايكس بيكو بتفتيت الجغرافيا وتشتيت التاريخ الحائلين دون شروط السيادة أي شروط الثروة و التراث المستقلة
12-فالفتات الجغرافي الذي فرضه ساسكس بيكو والشتات التاريخيفرضته المحميات لتوطيد الفتات بالشتات هو الذي جعل الحياد المزعوم لا يهدف للبناء بل كان للبقاء ما يعني أنه ينتج حتما حربا اهلية دائمة بين الحكام والمحكومين لأن الحكم لا يتأسس على أرادة الجماعة بل إرادة الحامي لأنظمة المستبدة
13-ومعنى ذلك أن الضعف الخارجي علته الاستضعاف الداخلي: منع تحرير المواطنين صار شرط عدم تحرير الأوطان. ما يعني أن الاستعمار الخارجي الحامي يقتضي أن يكون الحكم الداخلي استعمارا داخليا فيكون الحكم خادما للجماعة بل هو مستخدم لأرذل ما فيها فتصبح شوكتها ليس قوة القوة بل قانون القوة.
14-ومن هنا يطرح مشكل الحماية الذاتية في الجماعات مم تتألف وكيف تنقلب العلاقة فلا تكون قوامة الدولة الشرعية رعاية وحماية في خدمة الجماعة باستخدام افضل مافيها بل استخدامها أرذل مافيها ممن لهم اهلية تحقيق الرعاية والحماية اللتين هما شرط السيادة الداخلية المقاومة للحرب الخارجية عليها
15-فما الذي يحقق شروط الرعاية؟ إنه خمسة عناصر اثنتان للتكوين واثنتان للتموين والخامسة هي الاصل. فالتكوين مؤلف من التربية المدرسية والتربية الاجتماعية للتكوين والتموين من التراث والثروة. وكلها تتأسس على البحث العلمي وتطبيقاته. وكلها مستحيلة في فتات الجغرافيا وشتات التاريخ: سايكس
16 ولنأت الآن إلى الحماية. هي أيضا مؤلفة من خمسة عناصر. فالحماية الداخلية هي القضاء والأمن. الحماية الخارجية هي الدبلوماسية والدفاع. واصلها جميعا هو الاستعلامات وتطبيقها أي الاطلاع على حال الجماعة داخليا وخارجيا وخدمتها على علم بعلل الحرب الاهلية وعدوان الاعداء عملا بالانفال 60.
17-وإذا كانت قوامة الرعاية بأبعادها الخمسة مستحيلة موضوعيا بسحبب حجم الفتات الجغرافي والشتات التريخي فإن قوامة الحماية بأبعادها الخمسة اكثر استحالة لأن الأصل في الرعاية مستحيل ماديا والاصل في الحماية مستحيل روحيا:التخاون بين العرب وتآمر بعضهم على البعض بمقتضى توظيف الحامي للمحمي
18-سأكتفي بمثالين من مجموعة المغرب العربي ومن مجموعة الخليج. وكلاهما قابل للتعميم على مجموعة الهلال وعلى مجموعة النيل وعلى مجموعة القرنين (افريقياق والجزيرة العربية). فخمستها في حرب أهلية دائمة بحسب إرادة الحماة لأنهم كلهم محميات صارت علنية بالتدريج لكنها سرية منذ سايكس بيكو
19-فلا احد يمكن أن يجادلني في ما عليه علاقة المغرب والجزائر ولا في علاقة الإمارات بالسعودية. وقبل ذلك علاقة العراق وسوريا رغم وحدة اسم الحزبين قبل سقوطهما ولا بين مصر والسودان ولا بين اليمن والصومال. فكلهم في حرب اهلية بمقتضى سياسة حماتهم واستعبدهم كمحميات مستبدة بشعوبها المسكينة
20-كل ذلك معلوم ولا يخفيه اسم امارة أو ملكية أو مشيخة: فكلها يحكمها أمن وجيش وقضاء دبلوماسية فاسدة كلها وليس فيها بحث علمي ينتج الثورة والتراث للرعاية ولا استعلام سياسي ينتج الاطلاع على حال الأمة ويحمها من علل الحرب الاهلية وحرب اعدائها عليها ليحمي ارادة الجماعة وسيادة دولتها.
21 لكن ما حققه الطوفان في مستوى بيان هشاشة اسرائيل عسكريا وفي مستوى تعرية كل أكاديبنها وسردياتها في العالم كله وخاصة في الغرب يثبتان أن قلة مؤمنة يمكن أن تغير التاريخ تغييرا جذريا يذكر بالنشأة الأولى لبداية دولة الإسلام المنيعة التي تمكنت من تاسيس اكبر امبراطورية تشمل كل المعمورة
22-وهو ما يجعلني اعتقد بأن الاستئناف سيكون من جنس النشأة الاولى: تستعيد الامة وحدتها الجغرافية ولحمتها التاريخية فتصبح قادرة على اصلاح الرعاية بابعادها الخمسة والحماية بابعادها الخمسة فيتحقق الوعد بشهادتها على العالمين لتنقذ الإنسانية من التلويثين المادي للطبيعة والروحي للحضارة.
23 دار التاريخ دورته فعاد للامة الوعي بشروط استئناف دورها الكوني ثانية: لذلك فما يحصل في فلسطين ومركز الاسراء والمعراج من العلامات القاطعة على أن الاستئناف بدأت شمسه تبزغ من جديد ولا يمكن لاي قوة أن توقف سعي الامة للتخلص من سايكس بيكو ووعد بلفور وحلفاء الغرب من الباطنية معهما.
24-ولست اشك في أن الكثير من العلماء سيشككون في هذه الرؤية لانهم مستسلمون لوهم يعيشون عليه ولا يدرون أن قرنا من محاولة علمنة الشعوب فشلت في رموزرها كلها: في تريكا وفي تونس وفي إيران وفي مصر ولن تصمد حماقات ما يجري في علمنة الخليج عامة والسعودية خاصة:فشل الكبار ولن ينجح فيه الصغار
25 ما استردته تركيا وتونس اكثر بلاد الإسلام هجوما للعلمنة العربية دليل قاطع أنه لن ينجح لا في الإمارات ولا في السعودية ومن ثم فالطوفان سيجلب صغائر الصغار فيرمي بهم في مزبلة الاحتقار بعد فضحية العار حتى تنجو دار الإسلام من الدمار.
جاري تحميل الاقتراحات...