شيرين عرفة
شيرين عرفة

@shirinarafah

8 تغريدة 29 قراءة Mar 09, 2024
كيف تم اغتيال #مصر من دون رصاصة واحدة؟!
بقلم / شيرين عرفة
استيقظ المصريون صبيحة الأربعاء 6 مارس/ آذار، على خبر مؤلم، زاد من مشاعر الحزن والمرارة التي يقاسونها، على وقع الأخبار المروعة القادمة من غزة، وضغط الأعباء الاقتصادية التي تثقل كاهلهم منذ سنوات.
وهو خبر، تعويم الجنيه المصري، للمرة الخامسة منذ عام 2016، حيث تهاوى بشكل حاد أمام الدولار، وفقد ما يقرب من 60% من قيمته، وتهاوت معه كذلك، أرصدة ومدخرات وأحلام وآمال المصريين.
حيث تخطى السعر الرسمي للدولار الأمريكي بالبنوك المصرية حاجز الخمسين جنيها، وبالرغم من أن تلك الخطوة بخفض العملة المحلية، كانت متوقعة لدى الجميع، على اعتبار أن تطبيق سعر صرف مرن، هو أحد المطالب الرئيسية لصندوق النقد الدولي، والتي أعلن عن التزامه بها النظام المصري
إلا أن العملة التي فقدت أكثر من سبعة أضعاف قيمتها خلال عشر سنوات، وهي الفترة الزمنية التي عانت فيها مصر من حكم الجنرال "عبد الفتاح السيسي"، قد شهدت بهذا الخفض الجديد، أعلى انهيار لها عبر التاريخ 👇
يتبع
هذا بالطبع، لم يكن الأزمة الوحيدة التي تمر بها البلاد،
فتقرير صحيفة الإيكونوميست البريطانية الشهيرة، الذي صدر قبل  شهر من الآن تحت عنوان “مصر لا تستحق صفقة إنقاذ مالية جديدة”، تحدث بوضوح عن انهيار اقتصادي وشيك، وعلى مصر أن تتفاداه بالحصول على صفقة إنقاذ مالية عاجلة، مشيرة إلى أن انهيار الدولة التي تخطى عدد سكانها المئة مليون، سيتسبب في زعزعة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله.
وتحدثت الصحيفة عن أزمة مالية خانقة تواجهها مصر، بسبب سياسات الإنفاق الضخم، والاقتراض المحموم التي ينتهجها النظام المصري، بالإضافة إلى فرار المستثمرين الأجانب كنتيجة طبيعية لسيطرة جنرالات الجيش على الاقتصاد، وتفشي الفساد،
وذلك كله جعل من العجز المالي وعجز ميزان المدفوعات حالةً مزمنة يواجهها الاقتصاد، ودفع بالدين الخارجي لتحطيم الأرقام القياسية، فقفز إلى مستوى تاريخي جديد، حيث بلغ أكثر من 170 مليار دولار في عام 2023، ووصلت نسبة أعباء الدين العام إلى 114% من إجمالي الإيرادات العامة للدولة، بينما قيمة الأقساط الواجب سدادها من الدين العام المحلي والخارجي هذا العام بلغت 1316 مليار جنيه (42.6 مليار دولار)، منها 4.89 مليار دولار لصندوق النقد الدولي. 👇
والمتابع لأحوال مصر خلال مدة تولي السيسي لحكم البلاد، عقب انقلابه العسكري في يوليو 2013، يدرك مدى التقارب والتشابه بين السياسات التي انتهجها، وبين ما أوضحه وشرحه بالتفصيل الكاتب الأمريكي “جون بيركنز” في كتابه الشهير “الاغتيال الاقتصادي للأمم”، والذي نشره عام 2004، ليكشف به النقاب عن نوع جديد من اغتيال البلدان وتدميرها، دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة، أو الدخول في حرب مع أبنائها، وهو القتل بواسطة الاقتصاد، والتلاعب بالسياسات.
وقدم بيركنز شهادته الشخصية بصفته “قرصانًا اقتصاديًّا”، عمل بإحدى المؤسسات الاقتصادية الكبرى، وجندته الولايات المتحدة الأمريكية، ليمارس دورا في توريط الدول النامية بالديون الهائلة، المستندة إلى تقارير اقتصادية زائفة ومُبالغ فيها، بغرض نهب ثروات تلك الدول وتدمير اقتصاداتها، وجعلها تابعة للسياسة الأمريكية. واعتبر “بيركنز” ذلك نوعًا جديدًا من أنواع العبودية والاستعمار، لجأت إليه الدول الكبرى للسيطرة على الأمم النامية ذات الموارد الطبيعية، من أجل سلب خيراتها، والتحكم في قراراتها وتركيعها اقتصاديا.
ومن أهم الوسائل التي ذكرها في كتابه، واعتمد عليها قراصنة الاقتصاد، مؤسسات الأمم المتحدة المتمثلة في صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. وأوضح أن الخطوة الأولى للاغتيال الاقتصادي تبدأ بدعم الديكتاتوريات التي يثقون في انصياعها للإملاءات الأمريكية، والإطاحة بالحكومات المنتخبة التي تعمل لصالح الشعوب 👇
ضرب “بيركنز” عدة أمثلة واقعية، تعامل هو بنفسه معها؛ فبدأ بدولة “جواتيمالا” في أمريكا اللاتينية،
التي تمكنت في خمسينيات القرن الماضي من إجراء انتخابات حرة ونزيهة لأول مرة في تاريخها، ووصل إلى سدة الحكم فيها الرئيس “جيكوبو آربنز”،
الذي تحدى الهيمنة الواسعة لشركة الفواكه الأمريكية العريقة “يونايتد فروت”، من خلال سنِّه قوانين زراعية في صالح المزارعين، ما أغضب الإدارة الأمريكية، التي وجهت جهاز الاستخبارات المركزية لديها لتنظيم انقلاب عليه، واستبداله بديكتاتور يميني متطرّف هو الكولونيل “كارلوس أرماس”،
الذي امتثل بالكامل للرغبات الأمريكية، فأوقف الإصلاح الزراعي، وألغى الضرائب على الاستثمار الأجنبي، وأطلق يد الشركات الأمريكية العاملة في البلاد، كما ألغى نظام الاقتراع السري في الانتخابات،
وقضى على العملية الديمقراطية، واستمرت جواتيمالا على مدار نصف قرن تقريبا، تُعاني من حكم الديكتاتوريات المستبدة، التي تحظى بدعم أمريكي غير محدود.👇
وفي الإكوادور،
حاول الرئيس المنتخب “خيمي رولدوس” فرض سيادة بلاده على الغابات التي تزخر بآبار البترول، فما كان من الولايات المتحدة إلا أن قامت باغتياله من خلال تفخيخ طائرته، وأتت بعده بديكتاتورية تضمن ولاءها، وافقت على إغراق البلاد في الديون، ودفعها نحو الإفلاس، فنتج عن ذلك – خلال ثلاثة عقود- أن ارتفع حد الفقر من 50% إلى 70%، ونسبة البطالة من 15% إلى 70%، مع تزايد الدَّيْن العام من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار. 👇
وفي “بنما” لم يختلف الحال أيضا، فبعد نصف قرن من الحكم المتوارث لمجموعة من العائلات الثرية، التي تربطها علاقات وثيقة مع واشنطن،
جاء “عمر توريخوس” عبر صندوق الانتخابات، فأعلن صراحة عن رغبته في أن تكون بنما دولة مستقلة، تمارس سلطاتها التامة على شعبها وأراضيها ومسطحاتها المائية، ويقصد بذلك طبعا قناة بنما الملاحية، التي كانت أمريكا تسيطر عليها، وتعتبرها ذراعها القوية للتحكم في طرق التجارة عبر المحيطين الهادي والأطلسي، فانتهى به الأمر إلى اغتياله على متن طائرة انفجرت به في الجو، بالطريقة نفسها التي واجهت نظيره الإكوادوري، بعد شهرين فقط من مقتل الأخير، وتحديداً في 31 يوليو/ تموز 1981.
وقد واجه الرجلان المصير نفسه، وهو الاغتيال والاختفاء من الوجود، من أجل إحلال حكام آخرين، يقبلون بأن يكونوا دُمى في يد أمريكا، ويسيرون على نهج “غواتيمالا” وما فعله فيها الكولونيل “أرماس”.👇
ومن خلال النماذج التي قدمها الكتاب، يمكننا ببساطة، فهم الموقف الأمريكي والإسرائيلي، الداعم بشدة للانقلاب العسكري في مصر على الرئيس المنتخب “محمد مرسي”، والذي أعلن فور توليه الحكم عن رغبته في استقلال الإرادة المصرية، والنهوض بالبلاد، كما أظهر دعمه المطلق لفلسطين، وساند غزة أثناء الحرب الإسرائيلية عليها عام 2012، وكشف عن سياساته الرامية لتحرير القرار المصري، من خلال الاهتمام بزراعة المحاصيل الاستراتيجية والاتجاه للاكتفاء الذاتي من القمح، وتشجيع الصناعات المحلية، والإنتاج.. وجميعنا يتذكر جملته الشهيرة: “إذا أردنا أن نمتلك إرادتنا، علينا أن نُنْتج غذاءنا، ودواءنا، وسلاحنا”.
وكان الرد الفوري عليه من أمريكا وإسرائيل، هو تحريك أذرعهم داخل البلاد، وإعطاء الضوء الأخضر لانقلاب الجنرالات؛ فجاء “السيسي” وقُتِل “مرسي”، وشهدنا بأعيننا خلال السنوات الماضية مراسم تأبين مصر، بعد اغتيالها وتدميرها، وتركيعها للمحتل الإسرائيلي، وانبطاحها أمام الأمريكان.. وحدث كل هذا – مع الأسف- دون أن يخوضوا ضدنا حربا واحدة، أو يكونوا في حاجة لإطلاق الرصاص.

جاري تحميل الاقتراحات...