فيصل بن ماجد السبيعي
فيصل بن ماجد السبيعي

@Saifkarrim

27 تغريدة 6 قراءة Feb 29, 2024
(أخيرا .. أدركت المعنى الحقيقي للسعادة)
سلسلة منشورات طويلة.
لا أزال - رغم انثقاب الذاكرة - أتذكّر مقالا قرأته قبل عدة عقود للأديب والوزير ورجل الدولة، الدكتور عبدالعزيز الخويطر رحمه الله، وقد كان يدور حول سؤال واحد:
متى نشعر بلذّة النوم؟ وقد قال الكاتب: إذا قلنا إن لذة النوم هي قُبيل النوم، فهذا جواب خاطئ؛ إذ كيف نشعر بلذّة شيء لم يحدث بعد؟! وإن قلنا إنها أثناء النوم، فهذا جواب خاطئ أيضا؛ إذ كيف نشعر باللذة ونحن موتى؟! وإن قلنا إنها بعد النوم، فهذا الجواب الثالث والأخير خاطيء أيضا
إذ كيف نشعر بلذة شيءٍ قد انقضى؟!
ويعلق الدكتور بقوله: إن من أكثر الإستشكالات والمعضلات في الحوار والنقاش هو افتراض نتيجةٍ ما، ثم بناء الحُجَج عليها والمجادلة بها. ونحن هنا افترضنا أن للنوم لذة، ثم طفقنا نتساءل ونتجادل حول توقيت تلك اللذة، في حين أن النوم (مرض) ليست له لذّة.
فهو شبيه بالموت؛ إذ تتعطل جُلُّ الحواسّ، وينفصل النائم عن العالم، ولا يشعر بما حوله زمانا ولا مكانا ولا واقعا ولا أحداثا.
واستطرادا أقول: إن الدكتور الخويطر كان يكتب باسم مستعار وهو (حاطب ليل)، بينما كان الأمير الشاعر خالد الفيصل يكتب باسم (دايم السيف)
وهناك كثيرون من الشعراء والكتّاب والأدباء - في تلك الحقبة - كانوا يكتبون بأسماء مستعارة، ولا أعلم لماذا!!
وقد جعلتُ من هذه المقالة مدخلا لموضوعي عن السعادة؛ لسبب سيتبيّنه القارئ الكريم والقارئة الكريمة، في ثنايا هذه السلسلة الطويلة من المنشورات.
والسعادة هي الشغل الشاغل للإنسان منذ أن يعقل إلى أن يموت؛ فهو يبحث عنها ويعمل لأجلها ويفني عمره في ملاحقتها، حتى ينقضي أجله وتنفد سِنُوه وتحين ساعته، وهو لم يزل غيرَ واجدٍ لها.
وقد حدا هذا الأمر بالفلاسفة إلى إدراج السعادة ضمن الأمور التي تستحق أن (تُفلسَف) وأن تكتب عنها الكتب وتوضع النظريات وتفرض الفرضيات.
فهناك من جعل السعادة في المال؛ فما دمتَ ذا مَلاءَة مالية، فأنت إذن سعيد؛ لأن المال يفتح الأبواب المغلقة، ويبني البيوت المهدّمة، ويشبع البطون الجائعة
ويكسو الأبدان العارية، بل يتجاوز ذلك إلى الترف والترفيه وصناعة لحظات من السعادة. غير أن الواقع يخالف ذلك تمامًا؛ فالمال يشتري الطعام ولا يشتري الشهيّة، ويشتري السرير ولا يشتري النوم، ويشتري الدواء ولا يشتري الشفاء، ويجلب الزوجات الحسناوات ولا يجلب الحب.
وهناك من جعل السعادة في تقوى الله، قال الشاعر:
ولستُ أرى السعادة جمعَ مالٍ
ولكنّ التقيَّ هو السعيدُ
والحق أنه حتى التقيّ لا يحظى بالسعادة المطلقة والدائمة، فهو - كغيره - عرضة للمنغصات والأكدار.
وهناك من جعل السعادة في القناعة، وهناك من جعلها في الرضا
وهناك من جعلها في الأمن بمفهومه الواسع، وهناك وهناك.
ولا شك أن المقصود بالسعادة التي يبحث عنها الجميع ولم يجدوها حتى الآن، هي السعادة الكاملة الدائمة، إذ لو كان المقصود هو السعادة العابرة؛ فإن هذا أمر يحدث لكل أحد في كل وقت
فالجائع يجد سعادة عارمة - ولكنها عابرة - في وجبة من اللحم الحنيذ والخبز الغَريض، والظمآن يجدها في ماءٍ مثلَّج سلسبيل، والعاري يجدها في حُلَّةٍ بهية المنظر غالية الثمن، والعاشق يجدها في قضاء أطول وقت ممكن مع معشوقه.
وقد قلتُ في قصيدةٍ طويلة لي بالفصحى، وهي موسومة بـ (لا تُطفئي الليل):
يا ليلُ لا تكشف غطاءَك
إن للعشّاقِ سِرّا
يا ليلُ قد طاب المُقامُ
فكن على العشاقِ دهرا
غير أنك تلاحظ - عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة - أن كل ما ذكرتُه من أنواع السعادة هو أمر طارئ
وهو "سحابةُ صيفٍ عن قليلٍ تَقَشَّعُ" كمال قال الشاعر الكُمَيتُ الأسدي. وديمومتها القصيرة هذه، تُحيلها إلى خيال طيفٍ رواه وسنان، كما قال أبو البقاء الرنديّ في رثائه للأندلس، وهي قصيدة مبكية فعلا، يقول في أحد أبياتها:
لمثل هذا يذوبُ القلبُ من كَمَدٍ
إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ
ثم بعد أن يَصِف الدنيا بالزوال والملوكَ بالفناء، يقول:
أتى على الكل أمرٌ لا مَرَدَّ لهُ
حتى قَضَوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من مُلكٍ ومن مَلِكٍ
كما روى عن خيال الطيفِ وسنانُ
وما دام الأمر طارئا، فإن مَن أدركه لا يسمى سعيدا؛ لأن السعادة يجب أن تكون صفة ملازمة للإنسان حتى يُنعَت بها، أما والأمر غير ذلك، فليس ثَمَّ سعادة.
نعم عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة، هو تماما كما قرأت، لا سعادة في الحياة الدنيا
إذ إن الشرط الأوحد لتحقيق السعادة هو ديمومتها وعدم انقطاعها أبدا، وهذا مُنافٍ لصفة الحياة التي قال عنها الشاعر العباسي أبو الحسن التهامي، في أبيات هي من أجمل ما قيل عن الدنيا على الإطلاق، وهي في رثاء أحد أبنائه، وقد بلغت تسعين بيتا.
وأقترح سماعها مُنشَدة بصوت عبدالكريم مهيوب في منصة يوتيوب، وسأضع الرابط آخرَ هذه السلسلة.
قال التهامي:
حُكمُ المَنِيّةِ في البَرِيّة جارِ
ما هذه الدنيا بِدَار قرارِ
بَينَا يُرى الإنسان فيها مُخبِرا
فإذا بهِ خبرٌ من الأخبارِ
طُبِعت على كدرٍ وأنت تريدها
صَفوا من الأقذاءِ والأكدار
ومُكلِّف الأيامِ صدَّ طِباعِها
مُتلمِّس في الماء جَذوةَ نارِ
وإذا رجوتَ المستحيلَ فإنما
تبني الرجاءَ على شَفيرٍ هارِ
فقد قرر الشاعر هنا أن الدنيا مخلوقة من الكدر، فكيف تريدها صافية لا كدر فيها ولا تنغيص ولا مرض ولا خسارة ولا فشل ولا كآبة ولا حزن ولا ....؟!!
وأعلى من قول التهامي وأعظم من كل قول، قولُ ذي العزة والجلال: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) الانشقاق 6، أي مُلاقٍ عملك إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ، فسمَّى اللهُ مسيرَ الإنسان من ميلاده إلى وفاته كدحا.
والكدح هو العمل الشاق والمعاناة الدائمة، كما قال عزّ من قائل: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) البلد 4، أي مكابدة ومعالجة وكفاح ومشقة. وهكذا شاء الله أن تكون الحياة؛ لأنها دار عمل لا دار جزاء، ولأنها ممرّ لا مستقرّ.
فإذا ما اتفقنا على أن السعادة التي نتساءل عنها في كل مجلس ومحفل ونادٍ وملتقى، إذا ما اتفقنا على أنها سراب خادع وبرق خُلَّب ووهم كبير؛ كان لزاما على العاقل ألّا يرجو من الحياة ما ليس فيها، كما أن عليه أن يفرح ويسعد بتلك اللحظات المنهوبة المُختلَسة، من البحر الخضمّ لأكدار الدنيا
ومنغصاتها، وأن ينظر إلى تلك السويعات القصار المختطفة من أشداق الشقاء، عبر (عدسة مضخِّمة)، ويستمتع بها؛ لأنه بعد انقضائها سيعود إلى ماكِنة الطَّحن العملاقة المسماة بالحياة، وسيواصل - مرغما - كدحه ومكابدته، سواء كان ذلك معنًى أم حِسّا.
فلكل نصيبه من الكدر، وهو - لا محالة - شارب من القذى مِرار ومُرارا، كما قال بشار بن برد:
إِذا أَنت لم تشرب مِرارا على القَذَى
ظمئت وأَيّ الناس تصفو مَشارِبه
ونستحضر هنا حديثا للرسول الأعظم يقول فيه: "ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدّنيا إلا كَراكِب استظلّ تحت شجرة، ثم راحَ وترَكَها".
وقبل الختام أتساءل: ما دامت هذه هي الدنيا، وهذا هو وجهها الحقيقي، وهي دنيا خالية من السعادة المستمرة؛ فلماذا يقتل بعضنا بعضا؟! ويظلم بعضنا بعضا؟! ولماذا نحمل الضغائن والأحقاد؟! ولماذا نتكالب على الدنيا التي قال عنها الشاعر:
وما هي إلا جيفة مستحيلةٌ
عليها كلاب همّهن اجتذابُها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها
وإن تجتذبها نازعتك كلابُها
وأختم بالإجابة عن السؤال الجدلي الأزلي (ما هي السعادة؟) بالقول:
إن السعادة هي في دار الخلود التي وصف اللهُ أهلَها بأنهم: (في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر) القمر 54-55، في معية الرحمن، وفي مستقرّ الرضوان، حيث لا نَصَبَ ولا صَخَب، ولا حزنَ ولا مرض، ولا همّ ولا غمّ، بل سعادة متصلة دائمة متجددة أبدَ الآبدين.
ولذا قال الله عن أهلها: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) هو 108، وهي الآية الوحيدة المتضمنة لكلمة من جذر (السعادة)، ليتيقن كل باحث عنها في الدنيا أنه "متطلّب في الماء جذوة نارِ".
انتهى
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...