المصحف | فيديو
المصحف | فيديو

@Quran__Video

24 تغريدة 4 قراءة Feb 28, 2024
#موجز_السيرة_النبوية (الجزء الثاني).
- بداية الدعوة
عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال : جاورت بحِراء شهرًا ، فلمَّا قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي ، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي ، وعن يميني ، وعن شمالي ، فلم أرَ أحدًا ، ثم نوديت فنظرت فلم أرَ أحدًا ، ثم نوديت فرفعت رأسي ، فإذا هو على العرش في الهواء ، يعني : جبريل عليه السلام ، فأخذتني رجفةٌ شديدة ، فأتيت خديجة ، فقلت : دثروني ، فدثروني ، فصبُّوا عليَّ ماءً ، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ؛ وعن عبد الله بن مسعود قال : رأى رسولُ اللهِ ﷺ جِبريلَ في صورتِه ولهُ ستُّمائةِ جَناحٍ ، كلُّ جَناحٍ منها قد سدَّ الأفُقَ ، يسقُطُ مِن جناحِه من التَّهاويلُ (الألوان المختلفة) والدُّرُّ والياقوتُ ما اللهُ بهِ عليمٌ.
بعد نزول الآيات علي النبي ﷺ ، بدأ بدعوة المقربين إليه ، فكانت زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها أول من أسلمت ، وكان يعيش مع النبي ﷺ إبن عمه الإمام عليَّ بن أبي طالب ، لأن في سنة من السنوات أصابت قريش أزمة مالية شديدة ، فذهب النبي ﷺ إلي عمه العباس وقال له : (يا أبا الفضل ، إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما تري من هذه الأزمة ، فانطلق بنا إليه نخفف من عياله آخذ من بنيه رجلًا ، وتأخذ أنت رجلًا فنكفلهما عنه) ؛ فتكفل العباس بجعفر بن أبي طالب وتكفل النبي ﷺ بعليَّ بن أبي طالب ، فلمّا بُعث النبي ﷺ دخل الإمام عليّ في الإسلام وكان يبلغ من العمر آنذاك عشرة أعوام فكان أول من أسلم من الصبيان ، وكان للنبي ﷺ مولي يُسميَّ زيد بن حارثة فدخل في الإسلام أيضًا ، وأول من بدأ به النبي ﷺ كان صديقه أبو بكر رضي الله عنه ، فلمَّا عرض عليه الإسلام وافق بلا تردد ، يقول النبي ﷺ : (ما عرضتُ الإسلام على أحد إلا كانت له كَبْوَة ، إلا أبو بكر ، فإنه لم يَتَلَعْثَم (يتردد) في قوله) ؛ وبعد أن أسلم أبو بكر رضي الله عنه بدأ في الدعوة ، فأسلم علي يديه الكثير ، ومن أبرزهم عثمان بن عفان ، الزبير بن العوام ، سعد بن أبي وقاص ، طلحة بن عبيد الله ، عبدالرحمن بن عوف ، وكل الخمسة من المبشرين بالجنة رضي الله عنهم جميعًا ، وأسلم أيضًا علي يديه عبد مناف بن أسد المعروف بالأرقم بن أبي الأرقم وكان في السادسة عشر من عمره.
واستمرت الدعوة سرًا مدة ثلاث سنوات ، حتي نزل قول الله تعالى : {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} ، فخرج النبي ﷺ فصعد على الصفا فهتف : يا صباحاه ! يا بني فلان ، يا بني عبد المطلب ، يا بني عبد مناف ! فاجتمعوا إليه ؛ فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح الجبل أكنتم مصدقيّ ؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك كذبًا ، قال : فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد . فقال أبو لهب : تبًا لك ! أما جمعتنا إلا لهذا ؟ ثم قام ، فنزل قول الله تعالى : {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ، مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ، سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} ، ثم استرسل النبي ﷺ فقال : يا معشرَ قريشٍ أنقذوا أنفسكُم من النارِ ، يا معشرَ بني كَعْبٍ أنقذوا أنفسكُم من النارِ ، يا معشرَ بني عبد منافٍ أنقذوا أنفسكُم من النارِ ، يا معْشَرَ بني هاشمٍ أنقذوا أنفسكم من النارِ ، يا معشرَ بنِي عبد المطلبِ أنقذوا أنفسكُم من النارِ ، يا فاطمةَ بنتَ محمدٍ أنقذي نفسكَ من النارِ ، فإني واللهِ ما أمْلِكُ لكُم من اللهِ شيئا ، إلا أن لكم رحِمًا سأبلُها ببلالها ؛
وفي السنة الرابعة من البعثة نزل قول الله تعالى : {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} ، فقام النبي ﷺ بالجهر بالدعوة وإعلانها في كل مكان بمكة ؛ فبدأت الاضطهادات والسُخرية والإستهزاء والتعذيب من قِبَل المشركين ، فقرر النبي ﷺ أن يجتمع بالصحابة سرًا في دار عند الصفا للأرقم بن أبي الأرقم ، فكان إذا خيّم الليل اجتمع الصحابة في الدار ليعلمهم النبي ﷺ دينهم.
- الهجرة الأولي إلي الحبشة
ظل يشتد إيذاء المشركين حتي بلغ أشده في أوساط السنة الخامسة من البعثة ، فلمَّا رأي النبي ﷺ ما يصيب المسلمين من البلاء قال لهم : (لو خرجتم إلي أرض الحبشة ؛ فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتي يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه) ، فخرج فوج من المسلمين إلي الحبشة في شهر رجب مكون من اثني عشر رجلًا وأربع نساء ، ورئيسهم عثمان بن عفان وكان معه زوجته رقية بنت النبي ﷺ ؛ وبعدها بلغ المسلمين المهاجرين في الحبشة أن قريشًا قد أسلمت ولم يكن كذلك ، فرجعوا إلي مكة في شهر شوال ، حتي إذا دنوا منها وعرفوا حقيقة الأمر ، رجع البعض منهم إلي الحبشة ، ولم يدخل أحد منهم مكة إلا مستخفيًا أو في جوار أحد من قريش.
- الهجرة الثانية إلي الحبشة
لمَّا قدِم أصحاب النبي ﷺ مكة من الهجرة الأولي لقوا من المشركين أذيً شديدًا مرةً أُخري ، فأذن لهم النبي ﷺ في الهجرة إلي الحبشة ثانية ، فكانت الهجرة الثانية أعظم مشقة ، وبلغ عدد المهاجرين ثلاثة وثمانين رجلًا وثماني عشر إمرأة ؛ فحزن المشركون في مكة على إفلاتهم منهم وذهابهم إلى مكان يأمنون فيه على أنفسهم ، ومن ثم قرروا إرسال رجلين منهم ، وهما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ، ليُرْجِعوا المهاجرين إلى مكة ، فذهبا وأخذا معهما هدايا كثيرة للنجاشي وبطارقته ، ثم قالا له : أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم ، من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ، لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينًا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه ؛ فقالت البطارقه حوله : صدَقوا أيها الملك ، قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم ، فأسلِمْهُم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم ، فغضب النجاشي ثم قال : لا هَيْمُ اللهِ (أي : لا والله) إذًا لا أُسْلِمُهُم إليهما ، ولا أكاد قومًا جاوروني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي ، حتى أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم ، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهم ورددتهم إلى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
استدعي النجاشي أصحاب النبي ﷺ وسألهم فقال : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم ؟ فتكلم جعفر بن أبي طالب إبن عم النبي ﷺ ، فقال له : أيها الملك ، كنا قومًا أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه ، وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ، وأخذ يعدد عليه أمور الإِسلام ، ثم قال : فصدقناه ، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئَا ، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا ، وشقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك ؛ فقال له
النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ فقال له جعفر : نعم ، فقال له النجاشي : فاقرأ عليّ ، فقرأ عليه بعض الآيات من أوائل سورة مريم ، فبكي النجاشي حتى أخضل (بلَّ) لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسي ليخرج من مشكاة واحدة (أي : إن القرآن والإنجيل أصلهما واحد) ، انطلقا ، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد ؛ وظل حاميًا ومدافعًا عن المسلمين حتي عادوا إلي المدينة العام السابع من الهجرة ؛ وأسلم النجاشي ولكن لم يهاجر إلي النبي ﷺ ولمَّا توفيَّ صلي عليه النبي ﷺ صلاة الغائب.
- إسلام حمزة بن عبد المطلب ثم عمر بن الخطاب
مر أبا جهل بالنبي ﷺ يومًا عند الصفا فآذاه وسبه ، فسكت النبي ﷺ ولم يرد ، فمسك أبو جهل حجر وضرب النبي ﷺ في رأسه حتي نزف منه الدم ، ثم انصرف إلي نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم ، ورأت هذا المشهد مولاة لعبد الله بن جُدعان في مسكن لها علي الصفا ، وأقبل حمزة عم النبي ﷺ من القنص (الصيد) متوشّحًا قوسه فأخبرته المولاة بما رأت ولم يكن أسلم بعد ، فغضب حمزة وذهب إلي أبو جهل ثم قال له : تشتم ابن أخي وأنا علي دينه! ، ثم ضربه بالقوس ضربةً شديدة فشجَّهُ شجَّةً مُنكرة ، فثار رجال من بني مخزوم فقالوا : حيّ أبي جهل ، وثاروا بنو هاشم فقالو : حيّ حمزة ، فقال أبو جهل : دعوا أبا عِمارة ، فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا ؛ ثم رجع حمزة إلي بيته وقال : ما صنعت ؟! ، اللهم إن كان رُشدًا فاجعل تصديقه في قلبي ، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجًا ، فلمَّا أصبح ذهب إلي النبي ﷺ فقال له : يا ابن أخي ، إني قد وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه ، وإقامةُ مثلي علي ما لا أدري ما هو ، أرشدٌ أم هو غيٌّ شديد ؟ فحدثني حديثًا ؛ فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني ، فأقبل النبي ﷺ فذكَّره ووعظه ، وخوَّفه وبشَّره ، فألقي الله في قلبه الإيمان بما قال النبي ﷺ فقال : أشهد أنك الصادق شهادة الصدق ، فأظهر يا ابن أخي دينك ، فوالله ما أُحبُّ أن لي ما أظلَّته السماء وأنّي علي ديني الأول ؛ وبعدها بثلاثة أيام أسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فقد دعا النبي ﷺ : (اللَّهُمَّ أَيِّدِ الْإِسْلَامَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ (أبي جهل) أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ، فكان إسلامه هو وحمزة رضي الله عنهم قوةً ونُصرة للمسلمين ، بينما كان شعورًا بالذُل والهوان للمشركين ؛
يقول ابن مسعود رضي الله عنه : ما كُنَّا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتي أسلم عمر ، فلمَّا أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة ؛ ويقول : كان إسلام عمر عزًّا ، وهجرته نصرًا ، وإمارته رحمة ؛ وعن صهيب بن سنان قال : لمَّا أسلم عمر ظهر الإسلام ودُعي إليه علانية ، وجلسنا حول البيت حِلقًا ، وطُفنا بالبيت ، وانتصفنا ممن غلظ علينا ، ورددنا عليه بعض ما يأتي به.
روي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه قال : سألت عمر بن الخطاب لأي شيء سُميت بالفاروق ؟ قال : أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام ، ثم قص عليه قصة إسلامه ، وقال في آخرها : قلت أي : حين أسلمت : يا رسول الله! ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا ؟ قال: «بلى! والذي نفسي بيده ، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم» ، قال : قلت : ففيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن ، فأخرجناه في صفين ، حمزة في أحدهما ، وأنا في الآخر ، له كديد ككديد الطحين ، حتى دخلنا المسجد ، قال : فنظرت إلى قريش وإلى حمزة ، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها ، فسماني رسول الله ﷺ «الفاروق» يومئذ.
- المقاطعة والحصار
بعد أن أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ورأت قريش أمر النبي ﷺ يعلوا ويتزايد ، قال بعضهم لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما ، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا ، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا ، فمشوا إلى أبي طالب وكلموه وهم أشراف قومه : عتبة و شيبة ابنا ربيعة ، و أبو جهل بن هشام ، و أمية بن خلف ، و أبو سفيان بن حرب في رجال من أشرافهم ، فقالوا : يا أبا طالب ، إنك منا حيث قد علمت ، وقد حضرك ما ترى ، وتخوفنا عليك ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه ، ليكف عنا ونكف عنه ، وليدعنا وديننا وندعه ودينه ، فبعث إليه أبو طالب فجاءه ، فقال : يا ابن أخي ، هؤلاء أشراف قومك ، وقد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك ، فقال النبي ﷺ : (نعم ، كلمة واحدة تعطونيها وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم) ؛ فقال : أبو جهل : نعم وأبيك ، وعشر كلمات ، قال : (تقولون لا إله إلا الله ، وتخلعون ما تعبدون من دونه) ؛ فصفقوا بأيديهم ، ثم قالوا : يا محمد ، أتريد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن أمرك لعجب.
قررت قريش اللجوء إلي أسلوب جديد لم يعتمده العرب ولم تفعله أُمة قبلهم ، وهو فرض الحصار ، فأجمعوا أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب وبني عبد مناف ألا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة.
حُبس النبي ﷺ ومن معه في شِعْب (وادي) أبي طالب ليلة هلال مُحرم من السنة السابعة من البعثة ، وبقوا محصورين مُضيقًا جدًا مقطوعًا عليهم الطعام والشراب وكلَ ما يحتاجونه ، فاشتد وعظم الأمر عليهم فأكلوا أوراق الشجر ، وكلَّ شيء رطب ، وكان صياحُ الصبيانِ يُسمع من وراء الشِعْب من شدة الجوع ، وظلوا علي هذا الحال نحو ثلاث سنين حتى هلك منهم من هلك ، ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم وأنه أرسل إليها الأرَضَة فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم ؛ إلا ذكر الله عز وجل ، فأخبر بذلك عمه أبو طالب فخرج إليهم فأخبرهم أن ابن أخيه قال كذا وكذا ، فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه ، وإن كان صادقًا رجعتم عن ظلمنا ، قالوا : أنصفت ، فأنزلوا الصحيفة فلمَّا رأوا الأمر كما أخبر النبي ﷺ ازدادوا كفرًا وعنادًا ، ولكن بعد هذه الحادثة تعاقد نفرٌ من عقلاء قريش على نقض هذه الصحيفة وسعوا في ذلك حتى حصل وخرج النبي ﷺ ومن معه من الشِعْب ، وهؤلاء النفر هم : هشام بن عمرو ، وزهير بن أبي أمية ، وأبو البختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، والمُطعَم بن عدي.
- عام الحُزن
في العام العاشر للبعثة وبعد فك الحصار بستة أشهر مات أبو طالب عم النبي ﷺ ، والمدافع عنه ، والباسط عليه الحماية ؛
عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حزن رضي الله عنه قال : لمَّا حضرَتْ أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل ، فقال له : يا عَمِّ قل لا إله إلا الله ، كلمة أُحَاجُّ لك بها عند الله ، فقالا له : أَتَرَغَبُ عن ملة عبد المطلب ؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا ، فكان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول لا إله إلا الله ، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك ، فأنزل الله : {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ، وأنزل الله في أبي طالب : {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} ؛ ورواه مسلم من حديث أبي هريرة أيضًا وفيه : لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الخرع (الضعف) لأقررت بها عينك.
فلمَّا مات أبو طالب ازدادت قريش من الأذى للرسول ﷺ ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابًا ، فدخل النبي ﷺ بيته والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي والنبي ﷺ يقول : (لا تبكي يا بُنية فإن الله مانعٌ أباكِ). ويقول بين ذلك : ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ ذكُر عنده عمه أبو طالب ، فقال : (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيُجعل في ضحضاح من النار) ؛ وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال : (أهون أهل النار في النار عذابًا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه).
بعد وفاة عم النبي ﷺ بثلاثة أيام وقبل الهجرة بثلاث سنوات توفيَّت السيدة خديجة رضي الله عنها زوجة النبي ﷺ ، والمناصرة ، والمسانِدة له في أصعب مواقف حياته ، والمعاونة له علي تبليغ الرسالة ، والذي أنفقت كل مالها في سبيل الدعوة ، وقد عاشت مع النبي ﷺ أربعة وعشرين سنة وستة أشهر ، ودُفنت فى مقبرة المعلاة بالحجون ، ولم تكن صلاة الجنازة قد كُتبت يومئذ ، ونزل معها النبي ﷺ في حفرتها ودفنها بيديه ؛ وكان قد بشرها الله ببيتٍ في الجنة ، فقد قال النبي ﷺ : (أتاني جِبريلُ فقال : يا رسولَ اللهِ هذهِ خَديجةُ قد أَتَتْكَ معها إناءٌ فيهِ إدامٌ أو طعامٌ أو شَرابٌ ، فإذا هيَ قد أَتَتْكَ ، فاقرَأ علَيها السَّلامَ مِن ربِّها و مِنِّي ، و بشِّرْها ببَيتٍ في الجنَّةِ مِن قصَبٍ (اللؤلؤ المجوَّف) ، لا صَخبَ فيها و لا نَصبَ).
كان النبي ﷺ يُكثر من ذكرها بعد وفاتها ، ويُثني عليها ، ويبر صديقاتها ، فكان عندما يذبح شاه يرسل إلى صديقاتها منها ، حيث يقول : اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة خديجة ؛ فعن عائشة رضي الله عنها قال : (ما غِرْتُ علَى أحَدٍ مِن نِسَاءِ النَّبيِّ ﷺ ، ما غِرْتُ علَى خَدِيجَةَ ، وما رَأَيْتُهَا ، ولَكِنْ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا ، ورُبَّما ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أعْضَاءً ، ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ ، فَرُبَّما قُلتُ له : كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إلَّا خَدِيجَةُ ، فيَقولُ : إنَّهَا كَانَتْ ، وكَانَتْ ، وكانَ لي منها ولَدٌ).
عن عائشة رضي الله عنها : (كان النَّبيُّ ﷺ إذا ذكَرَ خَديجةَ أَثْنى عليها ، فأحسَنَ الثناءَ ، قالت : فغِرْتُ يومًا ، فقُلْتُ : ما أكثرَ ما تذكُرُها حَمراءَ الشِّدْقِ ، قد أبدَلَكَ اللهُ عزَّ وجلَّ بها خَيرًا منها ، قال : ما أبدَلَني اللهُ عزَّ وجلَّ خَيرًا منها، قد آمَنَتْ بي إذ كفَرَ بي الناسُ ، وصدَّقَتْني إذ كذَّبَني الناسُ ، وواسَتْني بمالِها إذ حرَمَني الناسُ ، ورزَقَني اللهُ عزَّ وجلَّ ولَدَها إذ حرَمَني أولادَ النِّساءِ) ؛ الشدق : هو جانب الفم ، وتقصد سقوط الأسنان من الكِبر ، فلم يبق بياض إلا حُمرة اللثة ، "قد أبدلك الله خيرًا منها" أي : قد أبدلك الله زوجة حديثةَ السن ؛ وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ : (خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ، وخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ) ؛ أي : السيدة مريم خير النساء في زمانها ، والسيدة خديجة خير النساء في زمانها.
- النبى ﷺ مع أهل الطائف
لمَّا أشتد أذى قريش بالنبي ﷺ وأصحابه بعد موت عمه أبي طالب ، قرر الخروج إلى الطائف أراد النبي ﷺ أن يبحث عن أرض أخرى تقبل التوحيد ، فخرج إلى الطائف ماشيًا على قدميه من أجل أن يُبَلِّغَ الرسالة ، ولمَّا وصل النبي ﷺ إلى الطائف ، ذهب إلى ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف ، وهم : عبد ياليل ، ومسعود ، وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي ، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ، وإلى نصرة الإسلام ، فقال أحدهم : إنه سيمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسله ، وقال آخر : أما وجد الله أحدًا غيرك ؟ ، وقال الثالث : والله لا أكلمك أبدًا ، إن كنت رسولًا لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك ، فقام عنهم الرسول ﷺ وقال لهم : إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ، وأقام الرسول ﷺ بين أهل الطائف عشرة أيام ، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه ، فقالوا : أُخرج من بلادنا ، وأغروا به عبيدهم ،
فلمَّا أراد الخروج تبعه عبيدهم يسبونه ويصيحون به ، حتى إجتمعوا عليه ، ووقفوا له صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة ، حتى دامت قدماه الشريفتين ، وكان زيد بن حارثة رضي الله عنه يرافقه ، فدافع عنه حتى أصيب بجرح في رأسه ، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجؤوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف ، فلما التجأ إليه رجعوا عنه ، فلما رآه عتبة وشيبة وما لقي ، فدعوا غلامًا نصرانيًا يقال له : عدّاس ، وقالا له : خذ قطفًا من هذا العنب فضعه فى هذا الطبق ، ثم أذهب به إلى ذلك الرجل ، فقل له يأكل منه ، ففعل عدّاس ، ثم ذهب به حتى وضعه بين يدى رسول الله ﷺ ، فلما وضع الرسول ﷺ يده فيه قال : بسم الله ، ثم أكل ، فنظر عدّاس في وجهه ثم قال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ، فقال له النبي ﷺ : ومن أهل أي البلاد أنت يا عدّاس ؟
، وما دينك ؟ ، قال : نصراني ، وأنا رجل من أهل نِينَوى ، فقال : من قرية الرجل الصالح يونس بن متّي ؟ ، فقال له : وما يدريك ما يونس بن متَّي ؟ ، فقال : ذاك أخي كان نبيًا وأنا نبي ، فأكبَّ عدّاس على النبي ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه ، فقال أبناء ربيعة أحدهما للآخر أما غلامك فقد أفسده عليك ، فلما جاء عدّاس ، قالا له : ويلك يا عدّاس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ ، قال : يا سيدى ما فى الأرض شيء خير من هذا لقد أخبرنى بأمر ما يعلمه إلا نبي ، قالا له : ويحك يا عدّاس لا يصرفنَّك عن دينك فإن دينك خيرٌ من دينه ؛
عاد الرسول ﷺ إلى مكة ، وهو حزين ، مهموم ، كسير القلب ، فلمَّا بلغ قرن الثعالب رفع رأسه فإذا بسحابة قد أظلته فنظر فإذا فيها جبريل عليه السلام ، فناداه فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، ثم ناداه ملك الجبال وسلَّم عليه ، ثم قال : يا مُحَمَّد قد بعثنى الله ، إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، قد بعثنى إليك ربك لتأمرنى ما شئت ، إن شئت تطبق عليهم الأخشبين (الجبلين) ، فرفض الرسول ﷺ ، وقال : أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ، لا يشرك به شيئًا.

جاري تحميل الاقتراحات...