(علم القراءات .. العلم الزائف) سلسلة منشورات.
اطلعت على المؤهلات العلمية لبعض المستشيخين، فوجدت من بينها (إجازة بالقراءات العشر)، وأتساءل: أي فائدة وأي إضافة أضافها هذا العلم لنا نحن المسلمين؟! وما المردود العلمي الذي خرج به من أفنى وقته في تعلم علم لا ينفع، والجهل به لا يضرّ؟!
اطلعت على المؤهلات العلمية لبعض المستشيخين، فوجدت من بينها (إجازة بالقراءات العشر)، وأتساءل: أي فائدة وأي إضافة أضافها هذا العلم لنا نحن المسلمين؟! وما المردود العلمي الذي خرج به من أفنى وقته في تعلم علم لا ينفع، والجهل به لا يضرّ؟!
فليس هو في العقائد، ولا في الفقه، ولا في الأخلاقيات، ولا في أي مجال يثري الساحة الثقافية الإسلامية، وتعتبر دراسته حراكا ثقافيا إسلاميا قد يخفف من وطأة التشدد والتزمت، ويقلل من قائمة المحرمات الطويلة التي اختلقها البعض
ويدفع عن الإسلام تلك الشبهات التي ما برح أعداء الإسلام ينسجونها حوله، وهي وإن كانت أوهن من بيت العنكبوت؛ إلا أنها قد تؤثر على العوام ومحدودي الثقافة والمراهقين، فتقلق ذلك الإيمان الساكن في قلوبهم وتجعله يتململ.
إن مما ابتليت به الأمة الإسلامية هو ما يسمى (علم القراءات)، وإذا أردت أن تضمن لشيء الانتشار فأسبقه بكلمة (علم)؛ حتى ينطلي على السوقة والدهماء والرعاع والعوام. وتزعم هذه الفرية أنه يمكنك أن تخلخل السبك المحكم للقرآن الذي وصفه من أنزله بقوله: (كتاب أحكمت آياته) هود، 1.
وذلك بوضع كلمة مكان كلمة أو إضافة كلمة أو تغيير الحركة الإعرابية لكلمة!! ما هذا الشغب في أعظم ما تناقلته البشرية من نصوص مقدسة منذ نزوله وحتى تنفد الأيام ويموت الزمان؟! ما هذا الاستخفاف بنص بلغ الغاية في الإتقان والبناء اللفظي إلى درجة فاقت قدرات البشر قاطبة
وأذهلت أساطين اللغة وأربابها منذ مئات السنين إلى اليوم؟! هل يدرك أولئك حجم الجريمة التي ارتكبوها ويرتكبونها في حق القرآن العظيم؟!
ويزعم أولئك القوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان (يشكل) على أصحابه عند قراءته للقرآن
ويزعم أولئك القوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان (يشكل) على أصحابه عند قراءته للقرآن
فهو – مثلا - يقرأ عليهم صباحا: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) الحجرات، 6. ثم يفجأهم مساء بأن يقرأ ذات الآية؛ ولكنه يقول (فتثبتوا) بدل (فتبينوا)، في حين أن التبين والتثبت لا يؤديان نفس المعنى تماما، والقرآن شديد الدقة في اختيار الكلمات ولا يقبل الترادف بتاتا.
فإنما يلجأ إلى الترادف الشعراء ليقيموا وزن قصائدهم ويوافقوا حرف الروي الذي بنوا عليه قوافيهم، كما يلجأ إليه الخطباء ليحشدوا الألفاظ بغية التأثير في الجماهير، ويلجأ إليه أيضا الكتاب ليثبتوا ثراءهم القاموسي.
كما تذكر بعض الروايات أن عمر بن الخطاب سمع رجلا يقرأ بقراءة لم يعهدها، فرفع الأمر للمقام النبوي الذي أقر الرجل على ذلك وبين لعمر أن الآية هكذا نزلت!! وتزعم الرواية المختلقة أن عمر داخله الشك، وأن النبي أخبره أن القرآن نزل على سبعة أحرف
إلى آخر تلك الرواية التي تنضح إساءة للقرآن وللرسول. بل إن منهم من تجرأ وزعم أنه كان لعبدالله بن مسعود مصحف يختلف عن بقية المصاحف، وأنه - مثلا - كان يقرأ الآية التي في سورة الكهف: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) الكهف، 79
كان يقرؤها بإضافة كلمة (صالحة) بعد كلمة (سفينة)!! والقارعة والطامة، هي أن المفسرين ومدوني كتب الحديث، نقلوا هذا الخبر ولم ينتقدوه ولم يفندوه، وكأن ابن مسعود رسول أنزل إليه قرآن آخر!! وحاشا هذا الصحابي الجليل أن يفعل ذلك.
لذلك أقول بكل حزم وغضب: إن القرآن العظيم محكم غاية الإحكام، ومتماسك ومترابط بقوة جبارة، وهو معجز في سبكه والعلاقة بين مفرداته بشكل يفوق التصور البشري، بل إن حركة واحدة لو تغيرت لشوهت المعنى تماما.
كما أن كل حرف في القرآن هو في مكانه الصحيح ويؤدي المعنى المطلوب، ولو أزيل هذا الحرف أو استبدل به آخر لاختل المعنى. ومن ذلك قوله تعالى عن أهل الجنة: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) الزمر 73، وعن أهل النار: (حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها) الزمر 71
إذ يلاحظ وجود الواو قبل كلمة (فتحت) في حق أهل الجنة، وغيابها في حق أهل النار. والسبب هو أن أهل الجنة تفتح لهم أبوابها قبل أن يقتربوا منها؛ حفاوة بهم وتكريما لهم، والتقدير: وكانت قد فتحت أبوابها.
ومثاله في واقعنا أنك إذا دعوت ضيفا أثيرا لديك لزيارتك في منزلك، فإنك تقوم بتنظيف المجلس وتعطيره وترتيبه، وتفتح الباب الرئيس للمنزل، بل قد تكلف أحد أبنائك بالوقوف لدى الباب حتى يبلغك بقدوم الضيف لتقدم له الترحيب والحفاوة.
أما أهل النار فهم يساقون إليها سوقا ويدعون إليها دعا وهي موصدة الأبواب، حتى إذا اقتربوا منها فتحت أبوابها فجأة ليزج بهم في أتونها. ومثاله في واقعنا، اقتياد السجناء إلى زنزاناتهم، إذ يصلون إليها وأبوابها مقفلة، ثم تفتح فجأة ويدفعون فيها دفعا.
ثم إن تلك القراءات تؤدي إلى تغيير الحكم الشرعي، وهو ما يعني افتقار الشريعة للانضباط والحسم في الأحكام. ومثال ذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين) المائدة 6.
فلفظة (أرجلكم) منصوبة اللام، وهي بذلك معطوفة على (وجوهكم) التي هي مفعول به لفعل الأمر (اغسلوا)؛ فحقها الغسل. بينما لو جررنا اللام عطفا على كلمة (رؤوسكم) التي تعدى إليها فعل الأمر (امسحوا) بحرف الباء، لكان الأمر هو المسح على الأرجل
وهو ما ينافي تماما وضوء سيدي رسول الله، المنقول إلينا بالتواتر الفعلي غير القابل للشك في صحته.
وإنني سائل المهووسين بهذا العبث المسمى علم القراءات: أين قراءاتكم هذه لا تصدح بها مآذن الحرمين الشريفين أو المسجد الأقصى أو جوامع مصر وتركيا وماليزيا وأستراليا؟!
وإنني سائل المهووسين بهذا العبث المسمى علم القراءات: أين قراءاتكم هذه لا تصدح بها مآذن الحرمين الشريفين أو المسجد الأقصى أو جوامع مصر وتركيا وماليزيا وأستراليا؟!
أين قراءاتكم التي لم تنفعنا شيا ولم تنفع القرآن شيئا؛ بل تلاعبت بفصاحته وأخفقت في إدراك ثباته وتماسكه واتساقه وتشابه نسيجه؛ فلا يضطرب ولا يتنافر ولا يتعارض ولا يتناقض، مصداقا لقول الله تبارك وتعالى: ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها) الزمر 23
أي يشبه بعضه بعضا ويتساوق بعضه مع بعض. وقوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) النساء 82، فهو ذو نسيج واحد، وليس نصا ملفقا أو مرقعا كما هي الكتب الأخرى.
فلتعلموا أيها الغارقون في علمكم الزائف هذا، أن همهماتكم الشاذة ستظل حبيسة صدوركم التي لم تتضلع من العلم، وستظلون ترددون تلك التراتيل المحرفة دون أن يعبأ بكم أحد، ودون أن يشتري بضاعتكم الكاسدة أحد
سوى بعض الحاقدين من اليهود والنصارى وأعداء الإسلام، الذين يحتجون بعلمكم الزائف هذا على تحريف القرآن، إذ لم يخطر ببالهم أن كتابا بهذا الحجم يمكن لطفل من أطفال المسلمين – عربهم وعجمهم - أن يحفظه عن ظهر قلب، وبمخارج حروف واضحة، وعلامات إعرابية متقنة، وهو لم يتخط العاشرة من العمر.
في حين لا يوجد يهودي واحد يحفظ التوراة المحرفة والتلمود الملفق عن ظهر قلب ولا أحدهما، كما لا يحفظ نصراني واحد الإنجيل بعهديه القديم والجديد؛ فتلك نصوص شديدة الغموص كثيرة الحشو، تشعر بالملل الشديد وأنت تقرؤها، ولا تفقه منها سوى القليل.
كما أنك تمتعض أشد الامتعاض من إساءتها لله والأنبياء، بل وحتى للذوق العام بمشاهدها الجنسية الفاضحة.
وقبل الختام، لا تفوتني الإشارة إلى ما يسمى (قراءة ورش)، والتي يقرأ بها أهلنا في المغرب العربي، وهي لا تختلف عن القراءة المتبعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي إلا في أمور يسيرة
وقبل الختام، لا تفوتني الإشارة إلى ما يسمى (قراءة ورش)، والتي يقرأ بها أهلنا في المغرب العربي، وهي لا تختلف عن القراءة المتبعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي إلا في أمور يسيرة
كالتفخيم والترقيق والمد والإمالة، وهي فنيات تجويدية لا تغير من المعنى شيئا، إضافة إلى تسهيل الهمزة، فيقرؤون مثلا: "مومن بدل مؤمن، وذيب بدل ذئب، والارض بدل الأرض، …"، بل تشير بعض المصادر إلى أن النبي الكريم كان يقرأ بتسهيل الهمزة.
وكذلك ضبط بعض الكلمات بما يوافق اللغة ولا يغير المعنى؛ ككلمة (بُيُوت) فتقرأ (بِيُوت)، وكلمات (كُتُب ورُسُل ونَهَر وهُوَ) فتقرأ (كُتْب ورُسْل ونَهْر وَهْوَ)، وهي - كما يلاحظ - لا تمس المعنى ولا التركيب، ولا النسيج القرآني المتماسك على الإطلاق.
وأختم بالقول: إنه من المؤسِف أن يرغم فتياننا وفتياتنا ممن أرادوا دراسة كتاب ربهم، والنهل من نبعه العذب الفرات في تخصص القرآن الكريم في جامعاتنا، على دراسة هذا العلم الزائف الخالي من أي فائدة ولو كانت ضئيلة.
ولو صرفت تلك الجهود والأوقات في الامتثال لحث الله تعالى إيانا على تدبر كتابه؛ لحصلنا على جيل من المفكرين والناقدين والمغربلين للفوضى التراثية، التي قعدت بالأمة وجعلتا في ذيل قائمة دول العالم، وليس جيلا من الحفاظ الذين يرددون أقاويل الغابرين كالببغاوات وكأجهزة التسجيل
دون أن تكون لديهم القدرة على مجرد إبداء تساؤل عما يقرؤونه من طوام بعض السلف، الذين ملؤوا كتبهم بكم كبير من الأخبار المكذوبة والأحاديث المدسوسة والمتناقضات المروعة، ثم يراد لنا ولناشئتنا أن نقدسها كتقديس القرآن، وإن نحن خالفنا ما يراد لنا، فنحن زنادقة ملحدون كفرة فجرة!!
وقبل أن أبرقع القلم، أتوجه بالتحدي لكل من خالفني، أن يذكر لي فائدة واحدة، واحدة فقط، لهذا العبث بالكتاب المجيد.
انتهى
@rattibha رتب
انتهى
@rattibha رتب
جاري تحميل الاقتراحات...