فيصل بن ماجد السبيعي
فيصل بن ماجد السبيعي

@Saifkarrim

27 تغريدة 16 قراءة Feb 23, 2024
(المستشيخون في بلادنا .. الفلول المذعورة) سلسلة منشورات.
إن الذين ابتنوا عروشا من الملح، ثم تربعوا فوقها في غفلة من الزمان وغفوة من الدهر، وفي خطإٍ تاريخي فادح آن الأوان لتصحيحه على الفور ودون تسويف، قد بدؤوا يشعرون بالخوف بل الهلع
من أن تمطرهم سماء القرآن والعقل وابلا طيبا، فتذوب عروش الوهم تلك، ليتساقطوا تباعا، ثم يفروا كفلول مذعورة، ويبادروا بالبحث عن مخبإٍ يواريهم عن أعين الناس؛ فالمسلمون لن يرحموهم، وكيف يرحمونهم وقد نصّبوا أنفسهم نوابا عن الله، وظلالا له في الأرض؛ فوقعوا عنه، وتكلموا باسمه؟!
وقد فعلوا ذلك غير صادرين عن كتابه المجيد، ولا ناهلين من نبعه السلسبيل؟!
بل إنهم قد عمدوا إلى اتخاذ القرآن وراءهم ظهريا، ليفتحوا جعبهم كما يفعل السحرة والحواة والمشعوذون، فيمتلئ الجو غبارا؛ لأنهم أخرجوا من تلك الجعب كتبا صفراء مغبرة متيبسة كتيبس عقولهم وأفهامهم، ولا أقول ألبابهم.
وقد لجؤوا لتلك الكتب لأنهم وجدوا القرآن يفيض بيسر الدين وسماحة الشريعة ورحمة الخالق ورأفة الرسول الأعظم؛ فلم يرق لهم ذلك، إذ كيف سيتحكمون في عقول الخلق، ويقودونهم كالقطعان الضالة؟!
فالخالق الذي أنزل الكتاب المستنير، وأرسل السراج المنير، قد رحم ضعف من خلقهم، وهو أعلم بهم من أنفسهم، وأحن عليهم من أمهاتهم؛ فلم يجعل عليهم في الدين الذي ارتضاه لهم من حرج. قال سبحانه: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) المائدة، 6.
وقال جلّ شأنه: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج، 78.
فكان لا بد أن تتقيح تلك العقول القميئة، والنفوس المظلمة المبغضة للناس وللحياة، عن فكرة نفث فيها الشيطان نفسه، وكان عرابها وابن بجدتها.
وهي أن يكتموا ما أنزل الله، ولا يتخذوه منهج حياة كما أراد الله له أن يكون، بل أن ينغمسوا حتى آذانهم الصماء في أوحال تلك الكتب؛ ليخرجوا منها شجرا زقوما وماء حميما، ويطعمونا ويسقونا إياهما، غير ملتفتين ولا عابئين، بتلك الرائحة الكريهة التي تزكم العقول قبل الأنوف
والمتمثلة في المصادمة العنيفة، والتناقض المروع، والتشاكس الفاضح، بين ثرثرات وهمهمات وهلوسات واضعي تلك الكتب، وبين كتاب الله المجيد الذي قال عنه من أنعم به علينا: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) يونس،57.
وقال عمّن أنزل على قلبه الطاهر: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) الأحزاب، 45-46. كما بشرنا بقدومه الذي أضاءت له الأرض قائلا: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) التوبة، 128.
ومعنى (عزيز عليه ما عنتم) أي أنه - صلى الله عليه وسلم - يجد في نفسه الشريفة ضيقا وألما حينما يرى المسلمين وقد أصابهم ولو شيء يسير من المشقة، كيف لا وقد خاطبه ربه بقوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)؟! الأنبياء، 108.
وبعد كل ما سبق من شأن ربنا الأرحم ورسولنا الأكرم، يقوم أولئك المفتئتون عليهما، بالنظر إلى كتاب الله، فلا يجدوا عليه مدخلا ولو كمغرز الإبرة؛ فلا يعجبهم ذلك، غير أن في كتبهم المتخشبة كعقولهم - إن كان ثَمّ - بدل المغرز فجوات وفجوات، بل بوابات وبوابات، لا رقيب عليها ولا حسيب.
فالله لم يتعهد بحفظ أقوال النبي كما فعل مع كتابه؛ لأن مشيئته سبحانه لم تقتض أن تكون تلك الأقاويل التي تلوكها ألسن البررة والفجرة، وعاء صالحا ليضع فيه أوامر ونواهي ومحرمات وتشريعات، سيحاسب عليها عباده يوم الدينونة الكبرى، وكيف يحاسبهم - وهو العدل ذاته - على ما لم يحفظه لهم؟!
ولذلك نأخذ مما وصلنا من أقوال الرسول ما لم يصادم القرآن ثم العقل، ونأخذ بأقواله التي اشتملت على الهدي النبوي، وهو من أَجل الأقوال وأعظمها بعد كتاب الله؛ لأنها هي الحكمة النبوية التي قال الله عنها:
(كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) البقرة، 151. وهو ما لو تركه المسلم لفرط في خير كثير، ولخسر كنزا عظيما من مذهبات القول وبديع الكلام الذي تفجر ينبوعه على اللسان الطاهر لسيدي رسول الله
وقد حوى - والله - خيرا وفيرا من تركه فقد غبِن ووتر وكاد يفلس. غير أنني أؤكد على أن من لم يأخذ من تلك الحكمة شيئا، ورغم خسرانه؛ إلا أن الله لن يحاسبه على ذلك، وإسلامه - إن تمسك بالقرآن - كامل وتام.
كما يجب أن أؤكد على أن الله قد أمرنا في كتابه العزيز بأداء الأركان الأربعة: الصلاة، والزكاة، وصوم رمصان، وحج البيت، ثم أوحى إلى رسوله كيفية أداء عبادات تلك الأركان، وذلك في ما يسمى بـ (السنة الفعلية المتواترة)، والتي لم تنقطع بتاتا، منذ عصر النبوة لى اليوم
وهو ما يخلع عليها صفة الثبوت القطعي غير القابل للشك، كالقرآن تماما؛ لاستحالة تحريفها والعبث بها. وحيث أن هذا وحي من الله، فقد حفظه بالتواتر الفعلي؛ لأن الحكيم العادل إذا أنزل وحيا حفظه؛ لتقوم له الحجة على الناس، ولله الحجة البالغة.
ونعود لأصحابنا المستشيخين لنقول: إنهم لم يرضوا بأن يكون الإله رؤوفا والرسول رحيما، فاخترعوا وخرقوا إلها آخر لا نعرفه في كتاب ربنا، وهو إله شرس كاره لخلقه ناقم عليهم، لا هم له إلا أن يلجئهم إلى الكفر، فيبعث لهم بكائن خرافي آخر الدهر اسمه الدجال؛ ليضل الناس بدل أن يهديهم.
وهو إله سادي يحب إيلام الناس وتعذيبهم دون جريرة؛ فالميت الذي ناحت عليه بواكيه، معذب في قبره دون ذنب أتاه أو إثم اقترفه أو سيئة اجترحها أو خطيئة كسبها (البخاري، 3978). بينما إلهنا نحن يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) الانعام، 164 - الإسراء، 15 - فاطر، 18 - الزمر، 7 - النجم، 38.
وهو إله يعذب عباده - حتى لو كان الرسول نفسه - بسكرات الموت المؤلمة (البخاري، 6056)، بينما يقول إلهنا: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة
ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم) فصلت، 30-32.
ويحب أن يعذبهم بهول القبر المفزع (الترمذي، 1071)، أما إلهنا فأخبرنا أن الموتى نائمون، وكيف يعذب النائم؟! فقال جل شأنه على لسان الكفار يوم النشور: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) يس، 52.
كما يحلو له أن يؤلمهم يوم الحشر، وذلك بأن يسلقهم بشمس لا أعلم من أين افتراها القوم (مسند أحمد، 17109)، في حين أن الشمس قد لفت وذهب بنورها من قبل، قال تعالى عن يوم القيامة: (إذا الشمس كورت) التكوير، 1.
حيث تدنو فوق رؤوسهم فيغرقوا في عرقهم (لماذا يعرقون فقط ولا يحترقون؟!). ثم هو إله (يستظرف) على الخلق، فيأتيهم متنكرا كأحد المراهقين المولعين بطقوس الهالوين (البخاري، 6910)، فلا يعرفونه، فيسألهم ماذا يجب عليه أن يفعل ليتصدقوا عليه ويعترفوا بأنه ربهم، فيطلبون منه أن يحسر ثوبه
إلى ركبيته ويكشف عن ساقه، لأنهم - بزعم رواة الأكاذيب لا الأحاديث - يعرفونه بساقه، ولا أعلم متى رأوا تلك الساق حتى يجعلوها أمارة يعرفون بها ربهم!!
كما اختلقلو وخرقوا رسولا لا نعرفه - نحن المسلمين - في كتاب ربنا؛ فهو جبار عتل، يرجم الناس بالحجارة حتى الموت
دون أن يوحي إليه ربه أمرا كهذا. ثم هو يقذف المسلمات في أعراضهن وأعراض محارمهن، ويصفهن بالزواني لأنهن أحببن العطر فتعطّرن (مسند أحمد، 19271). ثم هو رجل يلعن كل حين؛ فمن نتفت شعيرات من حاجبيها تجملا فهي ملعونة (الطبراني، 9358).
ومن خانها جمال شعرها فاتخذت شعرا مستعارا فهي ملعونة (البخاري، 4887)، وما أكثر ما يلعن ذلك الرجل الذي ننكره ولا نعرفه!!
وأختم بعد أن حاولت نزع ورقة التوت التي لم تفلح في ستر عورات القوم الفكرية وسوآتهم العقلية، بأن أقول كلمة حق لا بد أن تقال، ووالله ما هو بالتزلف ولا التملق
وهو حمد الله على نعمة الأمير المجدد الملهم، مبتكر الرؤية الطموح، وزعيم التنوير، حضرة سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان، المتكئ على القرآن لا على سواه، وكفى به متكأ هو أشد من الحديد صلابة، ومن الجبال الراسيات ثباتا، ووالله إن من آوى إليه، فقد آوى إلى ركن شديد.
انتهى
@rattibha رتب

جاري تحميل الاقتراحات...