فيصل بن ماجد السبيعي
فيصل بن ماجد السبيعي

@Saifkarrim

33 تغريدة 45 قراءة Feb 21, 2024
(الموت وما بعده .. بين القرآن وأوهام السلف الغابر)
إن من الجرائم التي ارتكبها عبّاد المتون في حقنا – نحن المسلمين – تخويفنا من لقاء ربنا الرؤوف الرحيم الودود، وذلك بتصوير الموت رعبا مروّعا وهلعا مستمرا منذ خروج النفس – وليس الروح فالروح أمر آخر – وحتى دخول الجنة.
وجناياتُ أولئك الحفظة الكتبة علينا لا تنتهي، ولكننا لن نرضى لأنفسنا ما ارتضوه هم من تقديسٍ أعمى للمتون، وعبادة للرجال؛ فقد أنزل الله إلينا القرآن، وأنعم علينا بالعقول، وأمرنا باستعمال تلك العقول لتدبّر كلامه العظيم
بل ووبّخ من لا يتدبّر القرآن بقوله: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد،24.
وقد زعم أولئك القوم، ذوو البصائر المطموسة، أن الموت للمسلم شر مستطير، وهول مفزع؛ إذ يبتدر الميتَ في قبره – مع أن الجسد أصبح مجرد مادة ميتة - اثنان من الملائكة الغلاظ الشداد
فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، وكأن الإنسان طوال حياته لم يخضع لملازمة الملائكة الكرام البررة، كما قال الله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ق،18. وكما في قوله: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) الرعد،11، أي بأمر الله.
ثم لماذا يكون هذان المخلوقان النورانيان عابسَين أكلحَين، وأصواتهما كالرعد، ويحملان حديدة ضخمة؟! ما ذنب المسلم الصالح حتى يُجازى على صلاحه بكآبة المنظر؟!
لا أريد الاسترسال في الغوص بين أوحال الكتب الصفراء، فلا بدّ أنك عزيزي القارئ قد مُلئتَ رعبًا ذات يوم
من أكاذيب عذاب القبر قراءة أو استماعا، وسأدخل في صلب الموضوع قائلا: إن الله عز وجل عادل، بل هو العدل ذاته، والعادل لا يعذِّب قبل أن يحاسِب، وقبل أن يواجه المتّهم بـ (لائحة الاتهامات)، ثم يستمع إلى أقواله ودفاعاته، رحمة من هذا العادل بالمتّهم الضعيف
ورغبة منه في أن يُبدِي المتهم ندمه على ما فعل؛ فيقوم العادل الرحيم بإصدار العفو.
اعلم أخي المسلم، وأختي المسلمة؛ أن من أجمل اللحظات التي تمرّ على المسلم هي تلك اللحظات التي يغادر فيها العالَم الفاني، وينعتق من ربقة الطين وثقل التراب، لتحلِّق نفسُه راضية مرضية
في آفاق من النشوة والسعادة البالغة؛ تلك المشاعر الجميلة التي نفهمها حق الفهم، لا من هذيان الرواة المسيئين الظن بربهم، والمتخذين كتابه وراءهم ظِهريّا؛ بل من القرآن العظيم، الكتاب الخالد، الكتاب المحفوظ بمعجزةٍ إلهية مئات ومئات السنين دون أن يتغير منه حرفٌ واحد
وهو – وحدَه – حجة الله علينا، ولا حجة له علينا إلا به؛ لأنه تكفّل بحفظه، فحُقَّ له – وهو الحقّ سبحانه – أن يحاسبنا بما فيه، ولم يتكفّل بحفظ الأحاديث؛ وبالتالي فليس من العدل أن يحاسبنا على ما جاء فيها.
نعود لنقول: إن الموت للمسلم هو السعادة العظمى، والبهجة الجُلَّى، والفرحة الصافية التي لا يشوبها ما يكدِّرها، ونحن المسلمين مبشَّرون بذلك في قول ربِّنا:
(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم) فصلت، 30 - 32.
الله، ما أجمل هذه البشارة، تخيّل أخي المسلم أنك أنت، أنت النكرةَ الضعيف الوحيد في هذه اللحظات، الهباءة التي عبرت العمر دون أن يلتفت إليها أحد، القزم الذي لا يعدل جزءا من ألف جزء من نواة الذرّة في هذا الكون الهائل المرعب في اتساعه
تبلغ قيمتك عند ربك اللطيف الودود، أن يبعث لك بعدد من الملائكة، بخَلقها النوراني الجميل، وإطلالتها السماوية البهيّة؛ لتؤنس وحشتك، وتؤمن روعتك، وتُبلسِم نفسك، وتقول لك: أبشر؛ فلا خوف من المستقبل، ولا حزن على الماضي
أبشر بالجنة التي وُعِدتَها، ولك فيها كل ما تشتهي وكل ما تطلب، وهذه ضيافتك من ربك الغفور الرحيم، ونحن الملائكةَ كنّا معك في الدنيا نحفظك بأمر الله، والآن نحن معك ننقل لك بشارة الله.
فأين - بالله عليك عزيزي القارئ - وجدت أثرا للعذاب في هذا الجو العَبِق بالبشارات الربانية، والمضمَّخ بالطمأنات الملائكية؟! اخرج من السجن العفن للكتب الصفراء، واقرأ كتاب ربّك بقلبك وعقلك، وستكون في شوق للقاء الله
وستختار – لو خُيّرت – أن تترك الدنيا بأكدارها وأقذارها وسكّانها الذين هم كالغثاء؛ وأن تلحق بالرفيق الأعلى.
وأما ما يخوّفك به كئيبو المناظر وسود القلوب، من أن في ذكر عذاب آل فرعون قبل يوم القيامة ما يدل على عذاب القبر؛ وذلك بترديدهم – كالببغاوات – أقوال السذّج من السلف الغابر
من فهمٍ مبتور لقول الحقّ تبارك وتعالى: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) غافر، 45 - 46؛ فأولا نقول إن هذه الآية تتحدث عن الكفار، ولا علاقة لها بالمسلم من قريب ولا بعيد
ثم هي تتحدث عن (عَرْض) وعذاب نفسي، ولا تتحدث عن عذاب حقيقي، بل هو أشبه بفيلم الرعب بالنسبة لفرعون وأتباعه، وهذا الأمر خاص بآل فرعون؛ إذ لا أثر في القرآن كله لما يدل على أن غيرهم سيتعرضون لمثل ذلك
فالبرزخ، وهو الفاصل بين الحياة وقيام الساعة، لا زمن فيه بتاتا، أي إن الوقت فيه يتجمّد تماما، فلا يشعر الميّت – مسلما أو كافرا – بأي شيء على الإطلاق، وهذا مبثوث في الكتاب العزيز
ومنه قول المولى: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) يس،52. فقد تعجّب الكفار في هذه الآية من هذا الذي أقلق نومهم الطويل – وهذا معنى الرُّقاد في اللغة – بعد أن كانوا في غياب تامّ عن أي شيء يدور حولهم
، وكذلك قوله تعالى: (، وكذلك قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم) البقرة،259. فهو لم يشعر بأي شيء حوله أو خارج وجوده، وهو وجودٌ لا علاقة له بالجسد
الذي تحوَّل فور مغادرة النفس إلى موادَّ تتماهى مع الأرض وتصبح جزءا منها.
إن بقاء الأنفُس في البرزخ هو بقاء افتراضيّ؛ لأنه ليس ثمة زمن، وما دام الأمر كذلك، فإن الإنسان عندما يموت سينتقل فورا إلى الآخرة، ليشهد مشاهد القيامة المتعددة
والتي أكثَرَ القرآن من ذكرها.
ودعونا الآن ننظر إلى المسرحيات الهزلية التي تطفح بها كتب الموروث عن أحداث يوم القيامة، بما لا يؤيده القرآن العظيم بأي شكل. وسنكتفي بمسرحيتين: الأولى مسرحية الشفاعة، والثانية مسرحية الصراط.
فقد ورد في تلك الكتب التي يعكف عليها إلى اليوم أناس كأنهم خُشُب مسنّدة، أن الله سيعاقب جميع الناس بمن فيهم الرسول الأعظم وبقية الرسل والأنبياء والصالحين، بالانتظار مدة طويلة جدّا، ثم بعد أن يتجاوز الأمر حدّ الاحتمال ويغرق الناس في عَرقهم!!
أيّ عرق وأيّ شمسٍ وقد كُوِّرَت الشمس وذُهِبَ بها إلى الفناء؟! إنهم يناقضون القرآن دون حياء ولا خوف ولا وجل، ولذلك نحن نرد رواية السبعة الذين يظلهم الله لنفس السبب؛ ثم يذهب الناس إلى الرسول ليشفع لدى الله أن يعجل بالحساب
وقد نسوا أن الرسول هو الشفيع!! فذهبوا إلى عدد من الأنبياء قبله، إلى آخر المسرحية المخجِلة.
أما المسرحية الثانية فهي مسرحية الصراط، وللأسف، فقد وجدتُ بعض شباب المسلمين يظنون أن الصرط المستقيم المذكور في سورة الفاتحة هو المقصود هنا
ولا يعلمون أنهم يسألون ربهم أن يدلّهم ويثبتهم على الطريق الحقّ الذي هُدِى إليه قبلهم (الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) النساء، 69. ولا أتعجب ممّن لا يعرف معنى (الصمد)، و (غاسق إذا وقب)، و (الخنّاس)؛ ألّا يدري ما الصراط المستقيم.
نعود للمسرحية التي تتجاهل وتتناسى الآيات التي تبين أن أهل الجنة يدخلونها من أبوابها، وأن أهل النار يدخلونها من أبوابها؛ لتُصوّر لنا طريقا زلقا حادّا كالسيف ودقيقا كالشعرة، مبنيّا فوق جهنم كالجسر، يعبر منه الناس متجهين إلى الجنّة، ولا أعلم لماذا يتجه الكفار إلى الجنة؟!
وفي طريقهم يتساقط مستحقُّوا العذاب في النار أو تخطفهم الكلاليب وتقذفهم في أتونها!! وبغض النظر عن مصادمة هذه المسرحية لآيات الذكر الحكيم؛ إلا أننا نتساءل: ما ذنب الصالحين لكي يتعرضوا لهذا العذاب النفسي - حتى وإن عبروه سِراعا - وقد بشّرتهم الملائكة حالَ موتهم بالسعادة الأبدية؟!!
وقبل الختام، أتوجّه إليكم بالرجاء أخي المسلم وأختي المسلمة، أن تنأَوا بأنفسكم عن أن تكونوا ممّن قال الله فيهم: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) الفرقان،30، أو أن تقدّسوا ما لفّقه البخاري وأضرابه في كتبهم المتيبّسة
من أحاديث تفوح تناقضا في ما بينها، وتتصادم مع كلام ربّ السماوات العُلا الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) فصلت، 42، وأن تتوقفوا على الفور عن تقديس الرجال؛ إذ إن جناية الطبري وابن كثير وأضرابهما، جاءت نتيجة حشوهم لكتبهم بكل ما سمعوه
ومن آثار الحكمة نقرأ: ( كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع). فتجد فيها الإسرائيليات والخرافات والأساطير، والتي ليس أقلَّها زعمُهم أن الحرف (ن) في مستهلّ سورة (القلم)، ليس حرفا مثل الحروف التي تُستهل بها بعض السور؛ بل هو حوت ضخم بُسِطَت الأرض فوقه!!
وهم ينقلون أكثر أساطيرهم عن ابن عباس الذي أسمَوه ظلما (ترجمان القرآن)، وهذه إهانة للقرآن؛ فليس القرآن بأعجميّ حتى يحتاج ترجمانا، ونحن لسنا أعاجم حتى ننتظر الترجمة من ابن عباس، وطوامّ ابن عباس في التفاسير يشيب لها الولدان، وأظن أن أكثرها مكذوب عليه.
انتهى
@rattibha رتب

جاري تحميل الاقتراحات...