إنما العلم الإحجام، لا الإقدام.
ولعلَّ أحدهم أن يظن أن العلم فسحة لسان ومنفسح قول، والحقُّ أنك كلما توسَّعت في علمك، قلَّت ثقتك بما تقول، وتهيَّبت الإطلاق الفج، وكثُر في كلامك التقييد، والتخصيص. والناس مولعون بالإطلاق، والقولة التي لا تقبل الرد، وهذا أقرب لسبيل الجهل منه إلى سبيل العلم.
وهذا يعود في شيءٍ منه إلى طبيعة هذا الزمان، ونبذه لضروب التدبُّر، وتقليب النظر، ونزوع إنسان الحداثة إلىٰ القولبة الجاهزة التي لا تحوجه إلىٰ تفكير، ولا تبعثه على تأمل.
ولو تتبَّعت أوصاف العلم عند القدماء وجدت الأمر على ما ذكرت. فيؤثر عن الخليل بن أحمد الفراهيدي قوله: أنحىٰ النَّاس من لم يلحن أحدًا. وقول مطرف بن الشخير: يا ابن أخي، لا تحمل سعة الإسلام على ضيق صدرك.
فسبحان من وسَّع العلم علىٰ أناسٍ، وضيَّقه على آخرين!
فسبحان من وسَّع العلم علىٰ أناسٍ، وضيَّقه على آخرين!
ولا تظننَّ أن المقيّد المخصّص يؤتىٰ من ضيق صدره وقلة علمه، إنما ذلك من سعته، وحسن تصوُّره، وإشرافه على كل موضعٍ، وهذه سعةٌ تنطوي علىٰ ضيق، وهي مثل ما روي عن عبدالله بن المقفَّع: "إن الكلام يزدحم في صدري، فيقف قلمي لأتخيَّره!"
جاري تحميل الاقتراحات...