عـبـدالـعـزيـز
عـبـدالـعـزيـز

@AbdulAziz_Mohd

3 تغريدة 75 قراءة Feb 07, 2024
١. في سلسلة الكلام عن اسم ”الرحمن“ كتبت عن علاقة التسبيح بالرحمن و كذلك الحمد و كذلك التكبير لكن بشكل متفرّق فقررت أن أجمعها هنا في هذا الموضوع. و سأخصص هذا الموضوع للكلام عن معنى ”سبحان“. قبل أن تواصل القراءة أريد أن أقوم بتنبيهك بأمر و هو أن هذا الموضوع سيكون موضوعا كبيرا و طويلا، و سيكون متداخلا مع مواضيع أخرى. و لكي تدرك قيمة هذا الموضوع و الفوائد التي فيها عليك أن تفهم على الأقل بشكل عام ما أفهمه أنا من اسم (الرحمن). و إن قرأتها كلّها فسيزيد نفعك بهذا الموضوع إن شاء الله.
و أنا أعدك عزيزي القارئ إن أنت صبرت علي بقراءة هذا الموضوع ستجد فوائد و لفتات و عجائب و أمور كثيرة في القرآن، لن تجد مثلها في بطون كتب أهل التفسير قديما و حديثا، و لن تجده في مقالات الإنترنت من شتى المذاهب و الطوائف و الفرق، و لن تجدها في مقاطع اليوتيوب و المحاضرات و الدروس. لا أقول هذا غرورا إنما أقول هذا عن معرفة بما سأنشره و ما عند القوم، أقول هذا تشويقا لك لكي تصبّر نفسك على قراءة الموضوع فالعلم بحاجة إلى صبر، و أقول هذا رجاء أن تحبّ القرآن و تعظّم الرحمن أكثر. إذ كل ما ستقرأ هنا محض فضل من الله تبارك و تعالى علي، إذ أنعم علي فعرفت شيئا من معنى اسم ”الرحمن“. و بإذن الله سأفي بوعدي، و لندخل في الموضوع…
للناس في معنى ”سبحان الله“ مذاهب سأورد على وجه الاختصار مذاهبهم و أقوالهم، سواء من المتقدمين أو المتأخرين:
قالوا المعنى هو أن نصلّي لله، يعني عندما تقول سبحان الله كأنك تقول أصلي لله…
و قالوا المعنى هو (تنزيه الله) لكن بأي معنى؟ حتى في هذا اختلفوا… قال بعضهم: تبعيد الله عن السوء و قال جماعة: تنزيه ذاته عن صفة الأجسام و قريب من هذا قول ما يُروى عن المعتزلة و هو: ”نفي الصفات عنه“ و قالوا المعنى: ”تقديس الله“ و هذا يتطلّب فهم معنى التقديس… و قال جماعة في معنى تنزيه الله أي ”نبرئ الله“. كما ترى كلها بمعانٍ قريبة تتجه بنفس اتجاه التنزيه. و هذا هو القول الأشهر عند الذين يتكلمون في القرآن قديما و حديثا، و قال بها أفراد من أهل السنة و الأشاعرة و المعتزلة. و بعض الصوفية في معنى التنزيه قال: ”تنزيه الله عن فعل ما فيه مفسدة بالإجمال“.
و فريق منهم قال أن المعنى عندما تقول سبحان الله: ”يعني أنزّه الله“ هكذا من دون تعظيم له و آخرون قالوا المعنى: ”أنزّه الله مع التعظيم“. ما معنى الذي ذكرته؟ المعنى أنّ منهم من يرى كلمة سبحان كلمة نافية فقط، تنفي السوء، و الفريق الآخر يراها كلمة نافية و مثبتة معا، يعني تنفي السوء عن الله و تثبت التعظيم لله و هذا عندي أحسن.
و قالوا في معنى سبحان الله هو: ”نعظّم الله“ و هذا القول جيد…
و قالوا هو اسم خاص يُعظّم الله به و يحاشى به من السوء و هو قول يُنسب إلى ميمون بن مهران. و قول ميمون قريب من الذي يُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. روى الأَزهري بإِسناده أن ابْنَ الكَوَّا سأَل عَلِيًّا، رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، عَنْ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالَ: كَلِمَةٌ رَضِيَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ فأَوصى بِهَا“.
و أما الحسن فله قول تفرّد به، قال في معنى سبحان الله: ”اسم ممنوع لم يستطع أحد من الخلق أن ينتحله“
و قالوا في المعنى هو ”نفي الصفات عنه“ أي عندما تقول سبحان الله فأنت تقول: ”أنفي عنك صفات المخلوقات“
و قال بعض المتصوفة أن المعنى هو: ”الثناء على الله تعالى بالأمور السلبية، كنفي التشبيه و التحديد و سائر النقائص التي لا تليق بجنابه تعالى“ و هو قول الشعراني الصوفي المعروف.
ما سبق كان أشهر ما قيل في معنى سبحان الله عند أهل التفسير قديما. لكن ماذا يقول أهل اللسان في معنى سبحان كسيبويه و ابن منظور و غيرهما؟
الأكثرية منهم اختاروا ما اختاره أهل التفسير فقالوا المعنى التنزيه و البراءة من السوء أو ما ينقص و قليل من اختار تبعيد الله عن أن يكون له مثل.
من هؤلاء أيضا النضر بن شميل و كان لغويا محدثا فقيها ذكر قصة كيف عرف معنى ”سبحان الله“. قَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: رأَيت فِي الْمَنَامِ كأَنَّ إِنساناً فَسَّرَ لِي سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَما تَرَى الْفَرَسَ يَسْبَحُ فِي سُرْعَتِهِ؟ وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ السرعةُ إِليه والخِفَّةُ فِي طَاعَتِهِ، وجِماعُ مَعْنَاهُ بُعْدُه، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، عَنْ أَن يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أَو شَرِيكٌ أَو ندٌّ أَو ضِدٌّ“ و هذه الرواية تدلّك على أن المتقدمين اختلفوا في فهم معنى ”سبحان الله“.
أما أهل هذا العصر، فاختلفوا أيضا، و إليك بعض الأقوال المشهورة نسبيا عند المنشغلين بالقرآن:
قالوا أن المعنى هو: ” أنزّهك يا ربي عن مماثلة المخلوقين وعن كل نقص في صفاتك“ و هو ما قاله ابن عثيمين
و قول اشتهر عن الدكتور محمد شحرور و من ثم من هو على طريقته من أصحاب القراءة المعاصرة، قال في معنى ”سبحان الله“ أنه هو الذي لا يتحرّك و كل المخلوقات الأخرى تتغير و تتحرّك و بالتالي تفنى و بهذا يصير المعنى: ”تنزيه الله عن يكون مثله شيء، في حركة الوجود و تغيرها تشهد على أنفسها أنها تختلف عن الله.“
و قالوا معنى ”سبحان الله“ أي تشهد بالتسبيح لله، و معنى تشهد بالتسبيح لله هو أن تقول: ”أنا أقرّ أن كل شيء يتحرّك بأمره و كل شيء يخضع له إذ أن حركة كل متحرّك بأمر الله“ و هو قول اشتهر عن صلاح الدين بن إبراهيم المعروف بأبي عرفة و تبعه على ذلك جماعة من الذين يأخذون منه و هذا القول يشبه إلى حد بعيد قول الدكتور شحرور بعض الشيء…
و قريب من قولهما، قول عُرف عن الدكتور عدنان إبراهيم إذ عنده أن المعنى حينما تسبّح المخلوقات ربّها فإنها: ”تشهد على أنفسها بأن الله هو الحق و أنها مخلوقات تدرس و تُوعى و أن كل شيء مخلوق بالحق“. و هذا عندي عبارة عن إعادة صياغة لما ذكره أهل اللسان قديما ذكره ابن منظور مثل قولهم: ”أي ما من دابة إلا و فيه دليل أن الله عز و جل خالقه و أن خالقه حكيم مبرأ من الأسواء“
و من المعاصرين قول بسام الجرار أن معنى ”سبحان الله“ أي ما أبعد الله عن النقص. و بمثل بسام الجرار قال عامر الجزائري و هو إنسان ينشر تدبراته في اليوتيوب قال المعنى ”أي بعده و ظهور هذا البعد عن النقص“.
و أحد الشباب الذين يتكلمون في القرآن و له شهرة، الشاب المصري أمين صبري، هذا الشاب حينما فسّر سبحان الله قال المعنى: ”أنت فوق القانون، أنت غير خاضع للقوانين التي وضعتها“ و قريب من هذا القول بعض أصحاب الطاقة الذين يتكلمون في القرآن.
و بعض المتصوّفة قال في معنى سبحان الله: ”هو إقرار من العابد بعجزه عن أن يتبين المعبود فيعرفه على ما هو عليه حقا و حقيقة“.
في واقع الأمر، عندما يقرأ القارئ كلام من ذكرت أو يستمع الإنسان لأصحاب هذه المقولات، تجده سرعان ما يقتنع بقولهم و من ثم يحسبون أن ما قالوه هو المعنى الحق و الأدق من بين جميع الأقوال، هل سألت نفسك يوما لماذا يقتنع الناس مباشرة؟ لأن أكثر هؤلاء الذين ذكرت يفسّرون الكلمة بالمعنى اللازم و مقتضياتها. فالله تبارك و تعالى ليس كمثله شيء، فإن أنت أتيت بأي شيء يثبت ذلك فإن ذلك سيصح و سيكون مقنعا لعوام الناس، و لهذا فإنك و أنت الآن تقرأ هذا الكلام تشعر أن في كلام كثير منهم الصحة و ليس فيها شيء و قد تجد بعض الأدلة عليها من القرآن، لأنك ستقوم كما يقومون على أغلب الأحوال…
هؤلاء القوم وقعوا على معانٍ قريبة لكن برأيي المتواضع أنا عبدالعزيز، لم يقعوا على أصل المعنى و ذلك لأن بعضهم لم يراعي السياق و لم يفرقوا بين سبح و سبحان و لم يفرقوا بين سَبح بفتح السين و سُبح بضم السين و لم يفرّق بين مصدر سبح بتشديد الباء و من دون تشديد الباء. و فقط انتبهوا لتشابه الحروف و المعنى اللساني فحسب… غير أن مما يعين على فهم الكلمة في القرآن، السياق و التشابه في آيات القرآن في مواضع أخرى لنفس الكلمة.
في هذه المشاركة سيكون تركيزي على كلام المتقدمين و ليس على كلام المعاصرين مثل عدنان إبراهيم أو شحرور أو أبو عرفة و البقية، فإن بعض أقوالهم عندي ضعيفة جدا و بعضها هي عبارة عن إعادة صياغة لما قد قيل من قبل. فإذن بدلا من التركيز على أقوال المعاصرين، سيكون تركيزي على ما قد قيل من قبل، فالأولى عندي التعليق على الأصل و مصدر هذه الأقوال بدلا من التعليق على كلام مأخوذ من الأصل ثم زيد عليه بعض البهارات للتميّز…
و أنت تقرأ، ربما خطر على قلبك سؤال، لماذا الأكثرية اختاروا معنى التنزيه؟ و قليل منهم اختار معنى البعد؟ و لماذا ما اختاره المتقدمين أقرب من أقوال المتأخرين الذين اختلفوا عن الذين تقدموا؟ للإجابة عن هذا السؤال سأفصّل قليلا.
الإجابة أن الغالبية العظمى يعيدون الكلمة لأصلها و جذرها و هي طريقة جيدة، لا بأس بها. فإنهم يعيدون هذه الكلمة ”سبحان“ إلى الجذر الثلاثي ”س-ب-ح“ و من ثم يأخذون معنى سبح في استعمالات العرب، فيقولون من س-ب-ح السَّبح و السباحة. فلان سبح في النهر، سبّاح من قوم سبّاحين. و من لازم السباحة أن الإنسان يطهر بدنه، و عندما يسبح فلان فإن ما كان عليه من درن و شوائب فإنها تزول بالسباحة و لهذا استنتجوا هذا المعنى، أن التسبيح هو التنزيه.
و بعضهم لاحظ أمرا أعمق، إذ فكّر، ما الذي يفعله السابح في النهر أو البحر؟ يبتعد، أليس كذلك؟ يُستعمل أحيانا: سبح فلان في الأرض؟ أي ابتعد في الأرض، يُقال سبح الرجل في الكلام يستخدم كتعبير أي ابتعد و أكثر في الكلام و أحيانا قد يستخدم غرق في الكلام و هذا يعيد للملاحظة الأولى في السباحة بالماء.
اقرأ مثلا في قوله: (كل في فلك يسبحون) لاحظ البعض أن النجوم و الشمس و القمر في حركتها تبعد و أما الذين اختاروا السباحة العوم في الماء سيقولون لا إنما هي تسبح في الفلك لأنها حقا تسبح في الماء و ذلك لأن في السماء ماء. فكما ترى حتى في فهم الآية اختلفوا و سيختلفون بسبب اختلاف ما يلحظون من مصدر س-ب-ح.
و فريق انتبه لأمر أعم، و بحث عن الذي يجمع البعد و السباحة في الماء و السباحة في الكلام أو في الأرض؟ قالوا الذي يجمعهم الحركة، و هذه الملاحظة صحيحة و هي تفسير باللازم، و لهذا شحرور و أبو عرفة و غيرهما لاحظوا هذا، فلهذا بنوا كلامهم على هذا الملحظ و استدلوا بآيات على كلامهم.
و طريقتي كما هو معروف عندكم، أقوم بتقوية الآراء حتى تلك الآراء التي لا أرتضيها لنفسي، فقررت أن أعين رأيهم هذا بشيء ربما لم يلحظوه، و هو أن س-ب-ح لو قلّبت الكلمة ستجد كلمة ح-ب-س و من معانيه حبس عن الحركة، حبس فلان نفسه أمسك نفسه، حبس الماء أي صدّ الماء عن الجريان و هكذا. و لكن هذا التفسير هو تفسير باللازم كما أقول دائما. مثلا الطير تسبح في جو السماء، فهي عندما تسبح تعوم وكأنها تسبح في الماء هذه واحدة، و الثانية تبتعد، و الثالثة تتحرّك، فعندما تقول مثلا تبتعد ماذا يلزم من البعد، الحركة، عندما تقول فلان يسبح ماذا يلزم منه؟ أن هذا الإنسان يتحرك بحركة ما و هكذا.
فإن فهمت ما سبق ستفهم لماذا اختلفوا في معنى ”سبحان“ لأن كل واحد منهم لاحظ ملحظا من الجذر س-ب-ح و بالتالي بنى عليه رأيه، فاختار بعضهم أنه ”تنزيه لله“ و اختاروا: ”شهادة أن كل شيء يتحرّك و أنه هو الوحيد الذي لا يتحرّك“ و اختاروا: ”اقرار بأن كل متحرّك يتحرّك بأمره إذ كل شيء له“ و هكذا إلى أقوال قريبة من هذا.
و أما اختيار بعض أهل اللسان العربي أن معنى سبحان الله: ”تبعيد الله عن ما لا يليق“ و قريب من قولهم طرح بسام جرار رأيه بقوله في المعنى أنه: ”ما أبعد الله عن النقص“ و عندما يتكلّم بها يقول: (مااااااا أبعد الله عن النقص) مبالغة في البعد.
لماذا يفعل بسام الجرار و بعض أهل العربية ذلك؟ لأنهم يأخذون كلمة ”سبحان“ فيقولون هي مصدر سبح و صيغة مبالغة بوجود الآن فيها. و صيغة آن كما المشهور في العربية تدل إما على الجمع أو المبالغة و الامتلاء. و عندما يكون الكلام عن فرد فإن الصيغة تدل على المبالغة و الامتلاء. سأعطيكم بعض الأمثلة لتفهموا…
كلمة غضب، صيغة المبالغة هي ”غضبان“ لأنه امتلأ غضبا، فرح صيغة المبالغة ”فرحان“ أي امتلأ فرحا، جائع و صيغة المبالغة ”جوعان“ و هكذا. و لهذا بعض أهل العربية و من المعاصرين بسام جرار اختار أن معنى ”سبحان“ أي ”ما أبعد الله عن…“ و هي صيغة إبعاد الله عن كذا و كذا، و اختيار بسام جرار قد يكون مقبولا عند الناس و هو أقرب أن يقبل من غيره من المعاصرين إلا أنه برأيي هناك ضعف في بعض الجوانب التي سأذكرها، أما البقية من المعاصرين فقولهم لا أكاد ألقي لها بالا لولا شهرتهم إذ صاروا أئمة و كثر أتباعهم و عيال أفكارهم.
الآن بعد هذا العرض، و بعد أن كتبت ما كتبت، قد تتساءل و ما رأيك أنت؟ ما الذي تفهمه من معنى ”سبحان“؟ فلابد أن عندك شيء ليس عند القوم إذ حاكمت و حللت أقوالهم و كأنها دون قولك. أقول نعم و الحمدلله و هو كذلك كما سترى إن شاء الله.
قد تقول هم أيضا يستدلون بالقرآن، أقول نعم، يفعلون ذلك لكن الفرق أني أخذ بالظاهر من معاني الآيات مع مراعات السياق و هم للتوفيق بين آرائهم و المعنى يقومون بما أسمّيه بالرابط العجيب البعيد و الذي فيه تكلّف ظاهر. إن كنت متابعا لكتاباتي ستعرف طريقتي أني أخذ القرآن بالقرآن و أحاول دائما استخراج معنى كلمة أو صيغة في القرآن من القرآن نفسه. و إن أنت تتبعت القرآن ستجد أن الكلمة الواحدة في القرآن تدور معناه في سلك أو فلك أو اتجاه واحد، غير أن استعمال الكلمة و المقصود الظاهر منها يختلف باختلاف السياق. و من كان هكذا دليله بلا شك سيكون كلامه و أدلته أقوى.
حقيقة يا عزيزي القارئ لست أدري إن قرأت منشوراتي من قبل، لكن إن كنت من الذين تتبعوا كتاباتي ستجد بأني نشرت مواضيع كثيرة عن اسم (الرحمن) و لي في هذا الاسم مفهوم خاص، فإن أنت فقهت عني ما أفهمه أنا من اسم الرحمن ستجد المناسبة العجيبة بين كلمة ”سبحان“ و اسم ”الرحمن“ و ستقع بإذن الله على المعنى الأقرب لكلمة سبحان.
لقد قلت كثيرا أن اسم ”الرحمن“ هو الاسم العلم لرب العالمين، الذي على العرش استوى، اسم الرب في الملأ الأعلى، و إن شئت قل الاسم الأعظم، أو الاسم الأعلى، أو الاسم المبارك، ذو الجلال و الإكرام. نتيجة هذا الكلام وما يلزم منه و يقتضيه أنه إن ذكر الرحمن أو ذكر مقامه فلابد من ذكر ما يدل على العلو مطلقا (مثل أنه العلي أو الكبير أو العزيز، الكريم أو ذكر عرشه أو ملائكته، أو ملكه للسماوات و الأرض و الملأ الأعلى و ما إلى ذلك) هذه واحدة، أرجو أن تثبّتها كي لا يتشتت ذهنك.
و أما الثانية، أقول بما أن كلمة ”سبحان“ تنتهي بالألف و النون فحسب نظريتي التي وضعت لها كتابا سنجد العلاقة باسم الرحمن. لماذا؟ لأنك كما تعرفني، عندي مفهوم خاص للأسماء التي تنتهي بالألف و النون في القرآن، صحيح أني أخذ أنه يشمل معنى المبالغة و الامتلاء و ما إلى ذلك لكني أضيف عن هؤلاء القوم أن هناك معنى خفي، معنى له علاقة بالعالم الآخر، له علاقة بأشياء لا نراها، الملأ الأعلى و ما إلى ذلك.
بناء على ما ذكرت… إن سألتك الآن ما أقرب ما يخطر ببالك و أنت تقرأ ”سبحان“؟ إن كنت متابعا نبيها لما أكتب و كتبت للتو، ستقول بلا شك اسم ”الرحمن“ تبارك و تعالى! و هو كذلك. نعم إن عرفت نظريتي ستذكر الرحمن و لابد، إذ استلهمت النظرية أصلا من اسم ”الرحمن“ سبحانه بادئ الأمر و كله بفضل منه سبحانه. لاحظ التركيب لتلحظ المناسبة بين ”سبحان“ و ”الرحمن“ لا تجد المناسبة في الصوت و الرسم فحسب بل في الهيبة الفطرية التي قد تشعر بها الآن…
ما الذي أريد أن أقوله بذكري اسم الرحمن!؟ الذي أريد أن أقوله، أن هذه الكلمة ”سبحان“ لها علاقة ”خاصة“ بالرحمن. صيغة خاصة بمقام الرحمن، لا يليق لأن تستخدم لأي شيء غير الله تبارك و تعالى، و هي أصلا في واقع الأمر منذ نشأة التاريخ و إلى اليوم لا تستخدم إلا عند ذكر الله تبارك و تعالى، و أرجوك لا تأتيني باستدلال يتيم جاء بعد القرآن بزمن لإثبات رأي دون رأي.
أنا أقول أن: ”سبحان“ كلمة خاصة من كلمات ”الرحمن“، كما ذكرت لكم من قبل بخصوص: ”كلا“ في القرآن. و هذا يعني أن كلمة سبحان إن أتت ستأتي على ما يثبت أنه الكبير المتعال و ما يدل على عظيم أمره سبحانه و النبأ العظيم من خلقه للسماوات و الأرض و جمعهم يوم مجيئه كما ذكرت في منشورات عدة من قبل. أي باختصار ما سيكون له علاقة بخصائص اسم الرحمن. و سنختبر ذلك و نبحث في القرآن و سترى صحة كلامي بنفسك إن شاء الله.
و قبل أن أسرد الأدلة من القرآن، هناك شيء عجيب، أن هذا الذي أقوله يوافق تلك الرواية عن الصحابي علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما قال: ”كلمة رضيها الله لنفسه“! حقا عجيب ما يُروى عن الذي كان من السابقين الأولين من المهاجرين! و بمجموع ما ذكرت أرجو أن جاء في خاطرك أو تتذكر هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه: ”كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ علَى اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ، حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ: سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ.“ انتبه اختار الرسول الكريم (حبيبتان إلى الرحمن) بدلا من حبيبتان إلى الله أو إلى الخالق أو إلى رب العالمين، أو الإله، إنما قال (حبيبتان إلى الرحمن) كل كلمة في محلّها، سبحان من علّمه هذا!
قد تجد ما ذكرت معقدا، لكن سأضرب لك مثلا يفهمه عوام الناس إذ يرون ذلك من حولهم بشكل مستمر. عندما يكونون مع واعظ له مكانته في القوم، بماذا ينادونه؟ فضيلة الشيخ، صحيح؟ بماذا يلقبون ذوي المناصب العليا في البلد، أو مدراء الدوائر الحكومية، سعادة فلان، أليس كذلك؟ و لمخاطبة الوزراء ماذا يستخدمون؟ معالي. الحكّام و الشيوخ في الخليج بماذا يلقبون؟ أصحاب السمو و رئيس جمهورية ما ينادونه ”فخامة الرئيس“ و الملوك ينادونهم ”جلالة الملك“ و في الخطاب العامي مثلا عندما يخاطب الوزير ماذا يقول؟ يقول معاليك و لا يستخدم اسمه، أليس كذلك؟ فإن فهمت هذا ستفهم أن الله تبارك و تعالى عنده كلمة تناسب مقامه العظيم الذي لا يدانيه أحد و لا يستطيعون إليه سبيلا، ألا وهي ”سبحانك“. و سآتيك بأدلة من القرآن العظيم.
و إن فهمت الأمر المشترك في الألقاب التي ذكرتها ستفهم طرفا من معنى ”سبحانك“؟ الأمر المشترك بين جلالة، فخامة، صاحب السمو، معالي ماذا؟ التعظيم الذي يدل على كبر المقام. و هذا هو معنى سبحانك، تكبير لله تبارك و تعالى و تعظيمه و ليس تنزيهه، فإن الذي ذكرته يلزم منه الثاني و الثاني لا يلزم الأول بالضرورة.
إن قمت بالبحث عن موارد ”سبحان الله“ لوجدت الكلمة تأتي في عدة سياقات. فمثلا هذه الصيغة: ”سبحانك“ أو ”سبحان الله“ لا تستخدم في موضع ينبغي التنزيه فيه فحسب كما ظنّ أهل التفسير قديما و حديثا بل أيضا في غيرها من المواضع. و ذلك لأن الصيغة صارت عامة و دارجة في اللسان العربي و تستعمل عبارة عن العجَب أيضا كما نستعمل هذا في يومنا هذا، عندما نرى شيء عجبا أو مخلوق عجيب نقول (سبحان الله) أليس كذلك؟ و أحيانا تستعمل الصيغة للاستنكار الذي فيه تعجب، مثلا شخص اتّهمك بشيء لم تقم بفعله أو قال عنك شيء لم تقله قد تقول: ”سبحان الله! أنا كذا!؟“ ”حاشا لله! أنا ما فعلت هذا!“ تبرئ نفسك، و كذلك في القرآن تأتي في مواضع عدة، و بالسياق تفهم المقصود بهذه الكلمة. أما فلك المعنى و اتجاه المعنى في نهاية الأمر هو واحد و هو التكبير و التعظيم و سترى ذلك بالتفصيل في هذا الموضوع إن شاء الله.
أوّلا، سأقوم بسرد الأدلة التي ستثبت علاقة كلمة ”سبحان“ بالرحمن و ما يدل على علوه و من ثم سآتيك بالأدلة التي من أجلها اخترت هذا الرأي (التعظيم و التكبير) بدلا من التنزيه و التبعيد.
أول موضع نجد فيه كلمة (سبحانك) في القرآن هو في سورة البقرة عند ذكر كلام الله مع الملائكة و كان ذلك اجابة منهم على أمر الله: ”قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم“. الآن قد تقول و ما علاقة هذا بالرحمن؟ لقد ذكرت من قبل أن هذا الكلام كان في الملأ الأعلى، و الملأ الأعلى يعرفون من هو الرحمن إذ هو اسمه، فناسب أن يقولوا (سبحانك) لأنّهم يكلّمون الرحمن وهم في الملأ الأعلى أصلا و ثانيا هم من الملائكة التي في السماء، فهناك في هذه الآية وحدها فقط مجموعة قرائن تثبت هذه المناسبة بين سبحان و الرحمن. و في نفس الوقت أريدك أن تلحظ أنّهم قالوا (سبحانك) تعظيما و تكبيرا للأمر و انظر كيف يليق هذا المعنى مقارنة بما قاله أهل التفسير قديما و حديثا في معنى ”سبحان“ و الحمدلله.
المرة الثانية في سورة البقرة التي فيها ذكر (سبحان) في هذه الآية: ((وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون)) انتبه كيف أنّه ذكر بعده (أي بعد سبحانه) ملكه للسماوات و الأرض و ليس هذا فحسب بل أكدّ بقوله (كل له قانتون) لماذا هم قانتون؟ لأنه القاهر فوق عباده، و القاهر العلي الكبير لابد أن يكون كل له قانتون! فهذه القرينة تثبت العلو.
و ليس هذا فحسب، بل أيضا موضوع اتخاذ الولد! و قد عرفت من قبل علاقة الرحمن بالملك و العرش و بالمسيح فلا داعي للتكرار و لكن اقرأ الآية التي تلي هذه الآية، ما فيها، أليس النبأ العظيم عندما خلق الرحمن السماوات و الأرض بادئ الأمر؟ ((بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ)) لتفهم العلاقة بين الرحمن و النبأ العظيم اقرأ هذه السلسلة:
لنأخذ دليلا آخر على علاقة كلمة (سبحان) باسم الرحمن. في أواخر سورة المائدة نجد هذه الآية: ((وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب)) عليك أن تفهم أين وقع هذا الكلام؟ سواء إن قلت وقع في الملأ الأعلى بعد أن رفعه الله و جعله من المقربين في الملأ الأعلى، أو قلت يوم القيامة، أي يوم مجيء الرحمن كما ذكر بنفسه في كتابه، فبأي تفسير أخذت فهذا مقام يتكلّم فيه الرحمن.
و لأن عيسى بن مريم في مقام يجد هيبة الرحمن قال (سبحانك)! ولاحظ أن عيسى استخدمها متى أيضا؟ عندما قال له الرحمن: ((أأنت قلت)) عندما يسألك ملك ما (هل أنت فعلت هذا أو قلت كذا)؟ ماذا ستقول و أنت تعرف كم يبغض الملك الذي يسألك ما يسألك عنه؟ إن كنت تكلّم ملك آدمي قد تقول أعوذ بالله، حاشا لله، لكن في هذا الموقف، من كان الذي يكلّمه؟ أملك من ملوك البشر أم الرحمن بنفسه سبحانه؟ ستقول الرحمن، إذن فناسب تماما أن يقول المسيح ”سبحانك“ هل فهمت علي؟
ليس يليق أن يخاطبك الله و تقول أعوذ بك، حاشاك، هذا يُقال و يُخاطب به المساكين من ملوك البشر كأفضل حال أما الرحمن تبارك و تعالى لا يخاطب بهذه الطريقة إنما يُخاطب بقولك: ”سبحانك“، لأنه الكبير المتعال فلابد من صيغة تدل على ذلك! و كذلك الملائكة عندما كان يخاطبهم الرحمن قالوا: ”سبحانك“، هكذا تكبير لله و تعظيم شأنه و يتضمن العجب تكبيرا لأمر الموضوع. و تعظيم للرب الذي يلزم منه أصلا تصغير المقابل و لابد.
و دليل على كلامي أيضا في سورة سبأ: ((وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ (40) قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ (41))) انتبه يوم الحشر! يقول للملائكة كما في الآية ثم كان ردّهم (قالوا سبحانك) لماذا؟ لأنّهم يخاطبون الرحمن. و قد ذكرت كثيرا أن الرحمن سيجيء يوم القيامة ولهذا ذلك اليوم من النبأ عظيم أصلا إن كنت تفقه من هو الرحمن…
و أيضا في سورة الفرقان، التي لها علاقة ظاهرة باسم الرحمن، نجد فيها هذه الآية: ((وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ)) سؤال من الرحمن فكيف ينبغي أن تكون الإجابة! سبحانك! نعم هكذا ينبغي أن تبدأ الإجابة! اقرأ الآية و انظر بنفسك: ((قالوا (سبحانك) ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا))…
و بما أن الرحمن له علاقة بالغيب و كذلك الجن بحكم أنّنا لا نراهم، اقرأ هذه الآية من سورة الأنعام التي ذكرت علاقتها من قبل بالجن تجد فيها: ((وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون)) لاحظ مناسبة ”سبحان“ بالرحمن عند الكلام عن الشرك و الجن و البنين و البنات في آيات عدة في القرآن. هل سألت نفسك يوما، لماذا كلمة (سبحان) تجدها كثيرا عند ذكر الشرك؟
نجد في آيات عدة مثل: ((وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون)) و مثل: ((يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا)) و مثل: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون)) و مثل: ((ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون)) و هذه الآية: ((قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون )) و هذه: ((ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون)) و هذه الآية من سورة الزمر: ((لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار)) إلى غيرها من الآيات، فلماذا هذا؟ لماذا كلمة سبحان تأتي في مواضع ذكر فيها الشرك؟
إن تفكّرت في الأمر قليلا ستفهم ماذا يعني أن يكون هناك شريك… يعني ذلك أن هذا الشريك مشارك في الملك! و بما أن الرحمن هو الملك الحق و هو الواحد القهار لا يصحّ أبدا أن يكون له شريك في الملك! لا يوجد ملك في الدنيا يرضى بملك في مملكته أن يكون شريكا له وهو لا يملك شيء في مملكته! فما بالك بالرحمن الذي يملك كل شيء أن يكون له شريك؟ هناك عدد من الأدلة في سورة الإسراء وحدها و في الآية الواحدة أكثر من دليل على ما أقول، لكن يطيب لي ذكر هذه الآية: ((قل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا)) انتبه لقوله (إلى ذي العرش سبيلا) من ذو العرش المجيد أصلا غير الرحمن تبارك اسمه؟
الشريك يبتغي شيئا من الملك و بالتالي العرش و الولد سيرث العرش و هكذا… و بما أن الرحمن على العرش استوى إذن عالٍ و عظيم و كبير و ما إلى ذلك مما يدلّك على العلو. و كذلك لا يحب أن يتخذ الناس أولياء من دونه، لماذا؟ لأن الذي يتخذ الولي أصلا فهو يتخذه من ضعف في نفسه و يبتغي عزّة، أليس كذلك؟ كما تفعل الدول اليوم، تتخذ أولياء تحت مسمى حلفاء تبتغي العزة، و هذا إن كان الكلام عن الرحمن و مقامه فإنه يدل على الذل و نقص في العزة و لابد و إلا فإن الملك الحق و الكبير المتعال لماذا يحتاج أن يكون له ولي أصلا؟ الدليل ماذا في سورة الإسراء أيضا، في آخر آية منها: ((وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا)) انتبه لقوله (لم يكن له شريك في الملك) و انتبه لقوله: (و لم يكن له ولي من الذل) ثم أخيرا أمر بماذا؟ (و كبّره تكبيرا) أترى هذا التكبير المعنى الذي يتجه معه بنفس الاتجاه هو التسبيح، إن فقهت هذا عرفت معنى ”سبحان“… و بهذا نكون قد وجدنا المناسبة العجيبة بين كلمة ”سبحان“ و اسم ”الرحمن“…
و إليك دليلا آخر عن علاقة سبحان بالرحمن و ذلك في سورة الأنبياء: ((لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون)) انتبه لقوله (سبحان الله رب العرش) و لأن الموضوع له علاقة بالرحمن فذكر العرش: ((الرحمن على العرش استوى)). و دليل أيضا في سورة الأنبياء: ((وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون)) هذه واضحة إذ ذكر في الآية اسمه سبحانه.
في سورة يس عدد من الأدلة لبيان العلاقة بين (سبحان) و اسم (الرحمن). أولا سورة يس من السور التي تبدأ بما يعرف عند الناس بالحروف المقطعة، ثانيا في سورة يس ذكر اسم الرحمن ثلاث مرات، في الآية: ((قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ)) و في الآية: ((ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ)) و في الآية: ((قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ)).
من المثير في الموضوع، أنّك تجد في سورة يس هذه الآية: ((سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)) و فيه تذكير لموضوع بداية الخلق، أعني عندما خلق الرحمن السماوات و الأرض في ستة أيام. العجيب في الآية قال أيضا: (ومما لا يعلمون) و هذا ينفعني جدا في موضوع اسم الرحمن إذ هو رب المخلوقات التي ترى و التي لا ترى، التي نعرفها و التي لا نعرفها. و الدلالة الأبين في علاقة (سبحان) بالرحمن في آخر آية من السورة نفسها: ((فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون)) فبما أن كلمة (سبحان) لها علاقة باسم (الرحمن) أثبت أن بيده ملكوت كل شيء و هذا لا يحتاج لتفصيل لمن عرف العلاقة بين الرحمن و الملك. و إن كنت من الذين لم يقرؤوا عن هذه العلاقة، أدعوك لهذا الموضوع الذي نشرته من قبل:
و في سورة الزمر أيضا يذكر لنا الله عن أمره يوم القيامة: ((وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون)) لاحظ المناسبة بين (سبحان) و الشرك و يوم القيامة يوم مجيء الرحمن…
و حتى في سورة زخرف السورة التي لها علاقة باسم الرحمن كما بيّنت في موضوع سابق، تجد هذه الآية: ((سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون)) انتبه، قال (سبحان) و ذكر (رب العرش). اقرأ عن العلاقة بين اسم الرحمن و سورة الزخرف لتعرف لماذا هذا دليل من أدلة لاثبات العلاقة بين (سبحان) و (الرحمن) :
٢. و في أواخر سورة الحشر التي فيها شيء من أسماء الله: ((هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون)) و قد نشرت عن موضوع علاقة سورة الحشر باسم الرحمن، اقرأ التالي:
إذن مما سبق، يتبين لنا بوضوح علاقة الرحمن بكلمة ”سبحان“ بأدلة متنوعة من القرآن و الحمدلله رب العالمين.
الآن لننتقل لموضوع تنوّع استعمالات كلمة (سبحان) في القرآن… قد ذكرت في هذا الموضوع أن كلمة (سبحان) تستخدم لأكثر من سياق. ولأعطيك مزيدا من الأدلة لإثبات كلامي أن كلمة ”سبحان“ تستخدم في أكثر من سياق.
فيما سبق من أدلة العلاقة بين (سبحان) و اسم (الرحمن) ذكرت أن الكلمة تأتي في سياق المخاطبة، بين الرحمن و خلقه، و في سياق أن ليس معه شريك، و إليك الآن سياق التعجّب أو تكبير ما يُقال في الكلام بشكل عام، اقرأ هذه الآية من سورة الإسراء: ((أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا)) دليل التعجّب قول الرسول بعدها: (هل كنت إلا بشرا رسولا)؟ لم يذكر في هذه الآية الشرك فلماذا إذن ”سبحان ربي“؟ لأنه كما قلت لكم، هذه الصيغة تستخدم في أكثر من سياق و ليس في سياق التنزيه فحسب، و إن حاول بعض أهل التفسير إدراج كلام كثير ليستقيم لهم معنى التنزيه إذ قالوا أمره بتنزيهه وتمجيده على معنى أنه لو أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل ولكن الله لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر… هكذا قالوا لكن انظر أي الكلام أقرب، كلامي أم كلامهم؟
الآن لندخل في موضوع آخر… و سأسرد أدلة من القرآن على أن ”سبحان“ لا تعني التنزيه على التحقيق و خاصة إن لم ندرج كلاما من عند أنفسنا ليستقيم لنا المعنى أو التفسير باللازم. و أن كلمة سبحان كلمة من كلمات التعظيم و التكبير. صحيح بعض السياقات يناسبها ما يذهبون إليه لكن لم ينتبهوا أولا للكلمات اللاحقة و لم ينتبهوا للمعنى الأقرب و الأدق، و سترى بذلك بنفسك بإذن الله.
في سورة يونس نجد هذه الآية: ((دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)) هذا كلام الذين آمنوا في الجنة، بدليل الآية التي قبلها: ((إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ)) إذن هم في الجنة يقولون: (سبحانك اللهم) و ليس في الجنة في الحقيقة لا شرك، و لا شيء ينقص من قدر و مقام الله تبارك و تعالى فلماذا قالوا (سبحانك)؟ اقرأها بتفاسيرهم لترى النتيجة: (دعواهم فيها ننزّهك اللهم و تحيتهم فيها سلام) أو اقرأها: (دعواهم فيها أننا نشهد أن كل شيء يتحرّك بأمرك لأن كل شيء لك) أو (دعواهم فيها نشهد أننا نتغير و نتحرك و أنت لا تتحرّك و تتغير) و (دعواهم فيها أنّك بعيد اللهم عن النقص) هل تجد أي شيء من هذا يوافق السياق و المقام و المكان؟ أم أنه يوافق ما ذكرته في هذا الموضوع من تعظيم و تكبير الله و ما يناسب السياق و المقام و الملأ الأعلى من خطاب العباد مع ربّهم؟ و سبحانك في هذا السياق أي حالهم مثل حال الملائكة الذين يسبّحون ربّهم في الملأ الأعلى. هذا دليل قوي جدا أن كلمة (سبحان) غير ما يقوله الناس و أن الصواب بإذن الله هو ما أقوله.
من أقوى الأدلة على كلامي هذه الآية المشهورة من سورة الإسراء: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)) ما جانب التنزيه هنا؟ لا يوجد ذكر للشرك و لا شيء ينقص الله تبارك و تعالى أو يعيبه ولا شيء و بالرغم من ذلك قال سبحانه: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا…) هل تجد في هذه الكلمة كلمة ”تنزيه“ أو ”تبعيد الله“ أم تجدها كلمة ”تعظيم“ و ”تكبير“!؟
عن نفسي أختار الثاني بلا شك لما تحصّل لدي من الأدلة الكثيرة. و هذا يناسب تماما الآية من سورة الإسراء و الأمر العجيب الذي وقع لعبده! يكفي قوله: (لنريه من آياتنا) لتعرف أن الموضوع فيه آية! أنت عندما ترى آية أو شيء عجيب، أو يحصل لك شيء عجيب ماذا تقول؟ (سبحان الله) أليس كذلك؟ هذا تستعمله أنت في كلامك اليوم، كذلك كانوا يستعملون هذا لماذا؟ للتكبير و التعظيم!
و في نفس السورة دليل قوي آخر و ذلك في الآية: ((ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا)) هذه الآية جاءت بعد هذه الآية: ((قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ)) انتبه أولا أنه ليس هناك شيء ينقص الله تبارك و تعالى و ينبغي أن يتنزّه عنه الله سبحانه بل واضح أنه تعظيم و تكبير بدليل قولهم (إن كان وعد ربنا لمفعولا).
إن المسلمين منذ البداية و حتى اليوم عندما يحدث شيء عجيب و يفرحهم أو وعدهم الله بوعد فتحقق ماذا يفعلون؟ يكبرون و يسجدون، أليس كذلك؟ يقولون الله أكبر أو يقولون سبحان الله! إذن هي كلمة تعظيم و تكبير و ليس كلمة تنزيه و تبعيد أو كلمة أن كل شيء يتحرّك بأمره أو كل شيء يشهد بأنه الحق…الخ هذه أمور من لوازم أنه كلام عن ربّ العالمين و لكن ليس المعنى الدقيق للكلمة و قد أثبت هذا بأدلة في القرآن و واقع استعمال المسلمين للكلمة قديما و حديثا.
و لاحظ أيضا في نفس الآية قال: (يخرون للأذقان سجدا) و قد ذكرت علاقة السجود بالرحمن في أكثر من موضوع، و الآية التي تليها مباشرة: ((ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا)) ماذا بعدها؟ بعدها هذه الآية التي فيها سجدة تلاوة أصلا: ((وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا)) و الأعجب بعدها ماذا؟ هذه الآية: ((قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا)) بعد هذا أعندك شك في معنى سبحان؟ والله المعنى واضح جدا بالنسبة لي و العلاقة واضحة بين كلمة (سبحان) التي فيها تعظيم و اسم (الرحمن) الكبير المتعال، و الذي لم يعد ينتبه بعد كل هذا البيان أمره غريب…
أقدّم لك عزيزي القارئ دليلا قويا غير الأدلة التي ذكرتها، و هي في سورة النمل، قال سبحانه: ((فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين)) أين تجد في الآية مافيه نقص و بحاجة إلى تنزيه أو ذكر أن الله بعيد عن المذكور في الآية؟ لا يوجد شيء من ذلك البتة! إنما تجد الكبير العظيم المبارك! و تذكّر أن هذا في موقف كلام الله مع موسى! و لهذا الحدث شأن خاص! لماذا؟ لأن موسى الذي كلّمه الله تكليما! عجيب أليس كذلك؟
هذا كلام الملك الحق يكلّم عبده من دون ملك رسول، أي شيء ستكون تلك البقعة غير أنها مباركة و مقدّسة!؟ إن عرفت ماذا يعني الرحمن ستعرف أصلا لم اسم تلك البقعة (البقعة المباركة) ! و الدليل أنها بقعة مباركة في سورة القصص: ((فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) إذن مفهوم جدا أن تجد قوله: (سبحان الله رب العالمين) في آية سورة النمل. موضع تعظيم و تكبير و ليس موضع تنزيه و تبعيد كما يقولون. كما قلت مرارا، افهم من يكون الرحمن تفهم الكثير في القرآن و حقا يكون عندك نور تفهم بفضل القرآن بشكل حسن.
دليل أيضا في سورة يس أن معنى (سبحان) هو ما ذكرته و ليس ما يقوله الناس في هذه الآية: ((سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون)) هل في الآية ما فيه نقص لله؟ أو شيء ينبغي تنزيه الله عنه أو إبعاد الشيء عنه سبحانه؟ لا! الموضوع فيه بيان عجيب الخلق و النعمة، و ما خلق هذا الخلق إلا الله سبحانه و تعالى بادئ الأمر و لا يزال يخلق. هل هذا يحتاج تنزيه أم يحتاج تكبير و تعظيم للذي خلق الأزواج كلها و أغدق علينا نعمه؟ الآن أريدك أن تذكر الآية هذه من سورة يس، ثم تقارنها بأختها من سورة الزخرف: ((وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ))! عجيب أليس كذلك؟ الأعجب عندما تجد الآية التي تليها فيها ذكر سبحان! ((لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ)) إذن هي آيات و نعم كبيرة تقتضي تعظيم من خلقها.
إذن مما سبق يتبين لكل ذي لب و عقل أن كلمة (سبحان) هو ما ذكرته و ليس ما يقوله الناس. الآن تعال أعطيك صنفا آخر من الأدلة على كلامي و احكم بنفسك بعدها…
الله عندما يريد أن يذكر أنه عالٍ عن الشرك و ما لا يليق بمقامه يقول تعالى من العلو، لبيان أنه الأعلى و لا يليق به أن يشرك به و ما إلى ذلك، اقرأ هذه الآيات: ((وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون)) و ((فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون)) و هذه الآية: ((ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون)) و هذه الآية: ((أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون)) فكان الأولى على الأقل تفسير كلمة (سبحان) بتفسير يوافق معاني تعالى و العلو و ليس التنزيه و التبعيد و كل شيء يتحرّك بأمره…الخ. لأن كلمة (سبحان) تفيد العلو المطلق لأن الكلمة أصلا لها علاقة بالرحمن أصلا كما ذكرت في فصول هذا الموضوع، فهو تعالى عن الشرك و ما إلى ذلك.
بطريقة مختصرة، ثبّت هذا (سبحان = كلمة تعظيم و تكبير) و لأنه كذلك إذن فهو يتعالى عن الشرك و الباطل و غير ذلك! إن لم تفهم، فإليك دليل من القرآن على صحة ما أقول، القرآن يفسّر بعضه بعضا! في سورة المؤمنون: ((عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون)) هل تذكر ما كتبته عن علاقة (عالم الغيب و الشهادة) باسم الرحمن؟ إن كنت تذكر فهذا جيّد، الآن أريدك أن تثبّت معلومة و انتبه لما سأقول.
عالم الغيب و الشهادة = الرحمن. الرحمن بالضرورة هو (الملك الحق، الذي على العرش استوى، العلي الكبير، رب السماوات العلى، اسم رب المخلوقات التي نراها و التي لا نراها) فلأنه كذلك فتعالى. هل فهمت علي؟ لأنه الكبير فهو يتعالى، لأنه العظيم فهو يتعالى.
الآن قارن آية سورة المؤمنون: ((عالم الغيب و الشهادة فتعالى عما يشركون)) بهذه الآية من سورة الرعد: ((عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال)) هل انتبهت؟ الكبير > المتعال… و هكذا تفهم معنى (سبحانه و تعالى) لأنه العظيم و العلي الكبير فهو تعالى. و أضف إلى الدليل المذكور هذا الدليل من سورة المؤمنون أيضا: ((فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم)) انتبه لقوله (فتعالى) لماذا لأن الله هو > (الملك الحق) و لا إله إلا هو و هو ماذا؟ (رب العرش الكريم) عجيب أليس كذلك؟
و إليك مجموعة أدلة من صنف آخر أيضا…
في آخر آية من سورة الإسراء يقول الله: ((وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا)) ماذا يعني و كبّره تكبيرا؟ و كيف يكون!؟ قالوا أن تصفه بأنه أكبر من كل شيء، و قالوا عن كل ما لا يجوز صفته و قالوا عظّمه تعظيما. و لم يقولوا كيف يكون ذلك؟ قالوا عليه أن يعتقد أن الله أكبر من كل شيء، و يعتقد أن له الأسماء الحسنى و أن لا يذكر بشيء لا يليق به و من هذه الأمور و هذا بلا شك مطلوب و صحيح في المجمل لكن هل هذا المعنى الظاهر المقصود؟
حتى أهل هذا العصر الذين ينبذون أقوال المفسرين وراء ظهورهم بشتى طوائفهم و طرقهم، إن سألتهم ما عندكم في قوله (و كبّره تكبيرا) لا تجد عندهم شيء في هذا الباب! و أنا بفضل من الله و نعمة أقول لك و كبّره تكبيرا غير ما تقتضيه الكلمة من الإيمان به بهذا الكلام من التكبير بشكل عام، هو يعني أن تُسبّح بحمده. و أحسن صورة لتكبير الله و تسبيحه بحمده في هذه الدنيا ماذا؟ أتعرف ما هي!؟ إنها (الصلاة)…
لكي أوضّح لك الأمر، صيغ تكبير الله بالقول و اللسان ماذا؟ الله أكبر، سبحان الله، الحمدلله. هذه صيغ لتعظيم الله بالكلام… لكن بالفعل أو العمل كيف يكون؟ يكون بالصلاة! أنت تبدأ الصلاة بالتكبير، تحمد الله، تُسبّحه في الصلاة في مواضع عدة منها في ركوعك و سجودك،. لهذا يُسمى الصلاة بالتسبيح منذ القدم.
إذن قوله سبحانه و تعالى: ((وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا)) ما يدل على أن (سبحان) و التسبيح هو تكبير و تعظيم و ليس تنزيه أو تبعيد أو شهادة أن كل شيء يتحرّك بأمره أو أنه شهادة أن كل شيء يتحرّك و بالتالي يفنى إلا هو، كما قالوا و يقولون. إذن، كيف نكبّره تكبيرا يكون ذلك بالصلاة؟
و أريدك أن تلحظ أمرا، ذكر الله في هذه الآية أنه لم يتخذّ ولدا و لم يكن له شريك في الملك و لم يكن له ولي من الذل، أليس كذلك؟ في العادة في القرآن عند ذكر هذه الأمور جعل الله في مواضعها: ”سبحانه“، و لكن في هذه الآية لم يضعها بل أمر بماذا؟ (و كبّره تكبيرا) فإن أنت فسّرت القرآن بالقرآن لفهمت المعنى و المطلوب منك.
و الآن لننتقل لموضوع فرعي له علاقة بموضوعنا الرئيس و ألفتك إلى بعض الأمور العجيبة في القرآن. قبل الآية التي فيها الأمر بالتكبير من سورة الإسراء نجد هذه الآية: ((قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً)) سبحان الله! ذكر الصلاة! (ولا تجهر بصلاتك و لا تخافت بها) سبحان الله ما أعظمه من كتاب!!!
و لهذا المسلمون منذ فجر الإسلام إلى اليوم يسمّون الصلاة بالتسبيح و يجعلون من التسبيح صلاة. لأن التسبيح بحسب السياق قد يكون من عبارات تفيد الصلاة و تسير في نفس الاتجاه، إليك الأدلة التفصيلية على كلامي:
في سورة النور: ((ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون)) انتبه لقوله: (كل قد علم صلاته و تسبيحه) لاحظ المناسبة بين الصلاة و التسبيح.
في سورة الإسراء: ((تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا)) قد تقول لا يوجد شيء يدل على الصلاة و السجود و ما إلى ذلك فكيف فهمت أنت أن التسبيح يأتي بمعنى الصلاة و السجود؟ أقول لك لأن أصل التسبيح في القرآن هو ذلك. و الدليل في سورة تحمل الاسم الأعلى، سورة الرحمن: ((وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ)) هذا من تسبيح النجم و الشجر فقد قال الله أن كل شيء يسبّح بحمده، أليس كذلك!؟
و في سورة الإنسان: ((ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا )) انتبه لقوله فاسجد له و سبّحه! عجيب أليس كذلك؟ و في سورة الأعراف: ((إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون))…
اقرأ المزيد، في سورة السجدة (انتبه لاسم السورة) تجد هذه الآية: ((إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون)) لاحظ التناسب بين السجود و التسبيح. و هذه الآية بالتحديد فيها سجدة تلاوة، و قد ذكرت لك من قبل علاقة السجود بالرحمن، اقرأ هذا الموضوع إن نسيت ذلك:
في سورة آل عمران: ((قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار)) بعض أهل التفسير قالوا أنه أمر بالذكر (الذكر بالمصطلح العام و المفهوم لدى الناس اليوم) و لكن في الحقيقة عندي، أن الأقرب هو الصلاة. و الحمدلله هناك من أهل التفسير من انتبه لذلك، منهم مُقاتل المفسّر المعروف، إذ فسّر (و سبّح) بأمر بالصلاة. و لكن أكثر أهل التفسير انشغلوا بمعنى العشي و الإبكار و قليل من ركّز على قوله سبحانه: (و سبّح) و قليل منهم ذكر المعنى الصحيح بصيغة التمريض فقالوا: ”قيل: المراد بالتسبيح الصلاة“. و الصحيح أن الأمر بالتسبيح بالآية يعني الصلاة، الدليل على كلامي من القرآن نفسه و سترى ذلك بنفسك إن شاء الله…
في آية سورة آل عمران قال سبحانه: (و اذكر ربّك كثيرا) ثم عقبّ بقوله (سبّح). و في سورة طه أمر تبارك و تعالى موسى فقال: ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)). و في سورة العنكبوت: ((اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)) انتبه بين الأمر بإقامة الصلاة و ذكر الله. إذن نفهم من آية سورة آل عمران أن التسبيح في هذا السياق بمعنى الصلاة.
كل كلمة في القرآن ينبغي أن تفهم في سياقها و لا تستخرج من سياقها ثم وضع المعنى اللساني في المعاجم فحسب ثم إعادة الكلمة و اختزالها في معنى المذكور في المعاجم لأنك بهذه الطريقة لن تقع على المعنى القريب لمدلول الكلمة. و في نفس موضوع زكريا في سورة مريم: ((فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)) فهنا التسبيح يكون بمعنى الذي ذكرت و الله أعلم.
إلى مزيد من الأدلة من القرآن على أن التسبيح يأتي بمعنى الصلاة حسب السياق، من ذلك ما نجد في هذه الآية من سورة الأعراف: ((إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون)) انتبه بين اقتران العبادة و التسبيح و السجود، أليست الصلاة كذلك؟ قد تقول لي دليل اقتران التسبيح بالسجود واضح و قد تعني الصلاة حقا، و لكن ما علاقة العبادة؟ أقول لك العبادة كذلك، ألم تقرأ في سورة طه: ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)) انتبه لقوله: (فاعبدني و أقم الصلاة لذكري)؟ لهذا أصلا قديما كانوا يجعلون الصلاة عبادة و لكن للأسف هذا المفهوم للعبادة تم تشويهه اليوم، ليس بسبب إلا بسبب ما أسمّيه مرض الضد عند أهل هذا العصر! أي منابذة أقوال المسلمين ممن سبقونا إلى الإيمان لا لشيء إلا لمخالفتهم ما قد قيل من قبل و ابراز التميز، و كذلك يفعل كثير من دعاة التنوير و أصحاب القراءة المعاصرة للدين فيشوهون معنى العبادة كليا فإن لم يشووها قاموا بطرد ”الصلاة“ من معنى العبادة العام جملة و تفصيلا و الله المستعان و إنا لله و إنا إليه راجعون…
إليك مزيد من الأدلة لبيان علاقة التسبيح بالصلاة، في سورة الحجر قال سبحانه: ((فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين)) و هذه واضحة جدا. و في سورة طه أمر سبحانه رسوله الأمين: ((فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى)) هذه أوقات الصلاة كما هو معروف و الدليل على كلامي من القرآن نفسه هذه الآية: ((وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ)) إذن إن ذهبت لتفسّر القرآن بالقرآن و دققت لوجدت أن كلامي صحيح بأن التسبيح يأتي بمعنى الصلاة، و لاحظ أيضا في آية سورة هود التي اقتبستها قبل قليل كيف ختمها الله؟ (ذلك ذكرى للذاكرين)! و هذا دليل يقوي العلاقة بين الذكر و الصلاة كما بيّنت سابقا و الحمدلله.
و ليس هذا فحسب، كما قلت في سورة طه أمر سبحانه موسى فقال: (((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)) و في نفس السورة، قال موسى: ((كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا)) أراد ذلك لتنفيذ أمر الله، فكيف يكون ذلك إن لم يكن المقصود بالتسبيح و الذكر إقامة الصلاة؟ أتمنى أن تكون فهمت علي عزيزي القارئ، فالأدلة ظاهرة بيّنة على ما أقول والحمدلله…
و لقوم يحتاجون إلى مزيد من الأدلة، إليكم التالي، من الأدلة القوية على أن التسبيح يأتي بمعنى الصلاة أو على أقل تقدير في نفس الاتجاه، في سورة النور قال سبحانه: ((في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال)) ما الذي يفعله الناس أكثر شيء في هذه البيوت، يصلّون، صحيح؟ نعم و هو كذلك، و الآية التي تليها أصلا تبيّن > ((رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)) انتبه للتناسب بين ذكر الله و إقام الصلاة.
في سورة الأحزاب مرة أخرى نجد العلاقة بين ذكر الله و التسبيح الذي يأتي بمعنى الصلاة. بعد أن قرأت ما كتبت، اقرأ بنفسك هذه الآيات و احكم و قل لي إن كان كلامي صوابا أم لا؟ قال سبحانه: ((يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا (42) )) و دليل أيضا في سورة الروم: ((فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ))
في سورة غافر دليل قوي أيضا و ذلك في هذه الآية: ((فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار)) لا تظن المعنى هنا فقط ذكر الله باللسان، بل هي الصلاة، الصورة العملية الأمثل للتسبيح في الدنيا، لماذا أقول هذا؟ لأن الله أمره بالصبر و التسبيح، أي بالصبر و الصلاة؟ كيف عرفت هذا؟ عرفت هذا من القرآن أيضا و ذلك من هذه الآية من سورة البقرة: ((وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)) فإن ربطت هذه الآية بتلك عرفت أن معنى التسبيح في تلك الآية المقصود بها الصلاة.
و ما يؤكد كلامي، هذه الآيات من سورة ق: ((فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ (٤٠))) و اقرأ أخواتها في سورة الطور: ((وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ (٤٩))) عجيب أليس كذلك؟ و في سورة الإنسان: ((ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا)) لاحظ التناسب بين السجود و التسبيح.
أظنّك الآن بعد قراءتك لموضوعي هذا، تأكدت بنفسك أن كلمة (سبحان) و (سبح) هي من الكلمات التي تستخدم في أكثر من سياق، في استعمال القرآن و في استعمال الناس أيضا و مدارها على التعظيم و التكبير و ليس على التنزيه كما قالوا.
لاحظ في صلاتك، عند كل حركة تكبّر الله! فإن فهمت ما سبق تفهم ماذا يعني قوله سبحانه في سورة الإسراء: ((و كبّره تكبيرا)). و بما أني قلت أن كلمة (سبحان) لها علاقة بالرحمن إذن فهذا يقودني لذكر المناسبة بين الصلاة بشكل عام و اسم الرحمن كما في هذا الموضوع بأدلة عدة من القرآن و الأخبار المأثورة عن الرسول صلى الله عليه:
ما سبق كانت أدلتي من القرآن و فيها الكفاية و الحمدلله، أما في الأخبار عن الرسول صلى الله عليه و أصحابه الكثير من هذا، يسمون الصلاة تسبيحا أو التسبيح صلاة و هكذا. اقرأ في هذه الأخبار:
في حديث البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ”ما رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحى، وإنِّي لَأُسَبِّحُها.“ المقصود بسبحة الضحى صلاة الضحى. و في رواية: ”إنْ كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ وهو يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ به؛ خَشْيَةَ أنْ يَعْمَلَ به النّاسُ، فيُفْرَضَ عليهم، وما سَبَّحَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحى قطُّ، وإنِّي لَأُسَبِّحُها.“ أريدك أن تتنبه أن عائشة أم المؤمنين جعلت سبحة الضحى عملا، و لو كان كما يقول الناس اليوم أن التسبيح مجرد ذكر الله باللسان و اعتقاد بالقلب فليس بدقيق.
و في حديث البخاري أيضا: ”كُنّا عِنْدَ النبيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقالَ: إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كما تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لا تُضامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا على صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، قالَ إسْماعِيلُ: افْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ.“ انتبه كيف فهم رسول الله صلى الله عليه الآية! أعظم إنسان يفهم القرآن هو رسول الله… فإن قال متجمّد إن هذه الأحاديث ضعيفة، سأقول إذن أكثر راوٍ فهم القرآن هو من الرجال الذين يرون الأحاديث هم هؤلاء…
و روي أَن عمر رضي اللَّهُ عنه، جَلَدَ رجلين سَبَّحا بعد العصر (أَي صَلَّيا). و في أثر آخر: ”كُنَّا إِذا نَزَلْنَا مَنْزِلًا لَا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلَّ الرِّحال؛ أَراد صَلَاةَ الضُّحَى، بِمَعْنَى أَنهم كَانُوا مَعَ اهْتِمَامِهِمْ بِالصَّلَاةِ لَا يُبَاشِرُونَهَا حَتَّى يَحُطُّوا الرِّحَالَ ويُريحوا الجمالَ رِفْقًا بِهَا وإِحساناً“.
بل حتى في الشعر العربي الذي يحبّون أن يستدلوا به، قال الأَعشى:
وسَبِّحْ عَلَى حِينِ العَشِيَّاتِ والضُّحَى، ... وَلَا تَعْبُدِ الشيطانَ، واللهَ فاعْبُدا
لقد ذكرت في موضوعي هذا أن كلمة ”سبحان الله“ كلمة تعظيم و تكبير، و تستخدم أيضا للتعجب و التعجب هذا أصلا مداره على التكبير، و قد ذكرت أدلتي من القرآن، و لكن اقرأ الآن الأدلة من الأخبار المأثورة عن الرسول صلى الله عليه و أصحابه لإثبات كلامي.
في البخاري عن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها: ” أنَّها جاءَتْ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ تَزُورُهُ في اعْتِكافِهِ في المَسْجِدِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ ساعَةً، ثُمَّ قامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقامَ النبيُّ ﷺ معها يَقْلِبُها، حتّى إذا بَلَغَتْ بابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بابِ أُمِّ سَلَمَةَ، مَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ، فَسَلَّما على رَسولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لهما النبيُّ ﷺ: على رِسْلِكُما، إنَّما هي صَفِيَّةُ بنْتُ حُيَيٍّ، فَقالا: سُبْحانَ اللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، وكَبُرَ عليهما، فَقالَ النبيُّ ﷺ: إنَّ الشَّيْطانَ يَبْلُغُ مِنَ الإنْسانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وإنِّي خَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُما شيئًا.“ أريدك أن تتنبّه لقولهما (سبحان الله) و لنعتها: (و كبر عليهما) أرأيت؟ هل اكتفيت أم أزيدك؟
أيضا في حديث للبخاري، في رواية سمرة بن جندب الطويل عن الرؤيا، فيها التالي: ”كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ممّا يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لأصْحابِهِ: هلْ رَأى أحَدٌ مِنكُم مِن رُؤْيا قالَ: فَيَقُصُّ عليه مَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُصَّ، وإنَّه قالَ ذاتَ غَداةٍ: إنَّه أتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ، وإنَّهُما ابْتَعَثانِي، وإنَّهُما قالا لي انْطَلِقْ، وإنِّي انْطَلَقْتُ معهُما، وإنّا أتَيْنا على رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وإذا آخَرُ قائِمٌ عليه بصَخْرَةٍ، وإذا هو يَهْوِي بالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ ها هُنا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فلا يَرْجِعُ إلَيْهِ حتّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كما كانَ، ثُمَّ يَعُودُ عليه فَيَفْعَلُ به مِثْلَ ما فَعَلَ المَرَّةَ الأُولى قالَ: قُلتُ لهما: سُبْحانَ اللَّهِ ما هذانِ؟…“ إلى آخر الحديث. موضع الشاهد تعجّب الرسول صلى الله عليه و قوله: (سبحان الله ما هذان؟)
و عند مسلم رواية عن أبي موسى الأشعري: ”قامَ فِينا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بخَمْسِ كَلِماتٍ، فقالَ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ لا يَنامُ، ولا يَنْبَغِي له أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجابُهُ النُّورُ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: النَّارُ، لو كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ.“ أريدك أن تتنبّه لقوله (سُبُحات وجهه) ما المعنى؟ هل المعنى برأيك تنزيه وجهه أم جلال و كرامة و عظمة وجهه أو نور وجهه؟ المعنى الذي أرجّحه أنا هو الثاني و ليس الأول، و ذلك لأن الله تبارك و تعالى حينما تجلى للجبل جعله دكا! و أيضا في سورة الرحمن: ((وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)) فحتى إن بحثت عن تصاريف الكلمة بضم السين تجدها تتسّق أكثر مع معاني التعظيم و التكبير و الإجلال الذي قلته في معنى (سبحان).
و بهذا قد تبيّن لكم من القرآن و من الأخبار أن كلمة: ”سبحان الله“ تستخدم في أكثر من سياق و مدارها على التعظيم و التكبير و أظن الأمر صار واضحا و الحمدلله. و بما أني قلت بأن كلمة ”سبحان“ لها علاقة باسم الرحمن فإذن هي تقال تعبيرا عن التعظيم و التكبير ولابد.
٣. و كما قلت في منشورات سابقة لي أن اسم ”الرحمن“ وحده عبارة عن آية! متخيّل! آية كاملة و ليست آية ناقصة، هذا الاسم عجيب جدا، إذ الاسم لوحده آية كما في سورة الرحمن في أوّل آية منها: ((ٱلرَّحۡمَٰنُ)( و بما أنّها آية فهي كبيرة إذن… إذن الرحمن اسمه وحده أمره عظيم كبير هذا إن أنت فهمت علي و فقهت ما كتبت في سلسلة الكلام عن اسم الرحمن.
إذن سبحان الله من كلمات التكبير و التعظيم، و لأن الرحمن اسمه آية، و هو العلي الكبير، يُقال عندما يُخاطب ”سبحانك“ و عندما يذكر مقامه: ”سبحانه“. و هي أيضا (سبحان الله) كلمة تُقال عند رؤية الآيات لماذا؟ الآية عندما يراها الناس يتعجبون من عظيم و كبير أمرها. لماذا أقول الآية بحد ذاتها كبيرة، اقرأ هذه الآية: ((وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) انتبه لقول الله: (هي أكبر من أختها) مما يدلّك أكثر و أكثر أن كلمة ”سبحان“ تدل على التكبير و التعظيم و ليس بمعنى التنزيه و التبعيد و أنواع الشهادات (شهادة أن كل شيء يتغيّر إلا هو، شهادة أن كل شيء يتحرّك بأمره، شهادة أن كل شيء تشهد على أنفسها أنها مخلوقة بالحق…الخ) هذه الأمور التي يذكرونها من لوازمها و ملحقاتها و مقتضياتها.
في سلسلة الكلام عن معنى: ”الآلاء“ قلت بأن هذا يشمل الآيات و النعم و الأيام أليس كذلك؟ و هذا يقودني إلى مزيد استدلال على ما أنا فيه. عندما ينتصر المسلمون في معاركهم قديما و حديثا ماذا يقولون؟ يقولون: ”الله أكبر“ لأنّه جاءتهم نعمة يعظمون أمرها، أليس كذلك؟ و من الناس يسجدون عندما يقع أمر عظيم، سواء نعمة أم ما يخوّفهم من الآيات، أليس كذلك؟ الآن اقرأ هذه الآيات ليتبين لك صحة كلامي:
في القرآن في آية سورة البقرة: ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)) موضوع الشاهد بعد أن بيّن الله للناس نعمته، قال: (و لتكبروا الله على ما هداكم) و موضوع الشاهد الثاني: (و لعلكم تشكرون) النعمة ينبغي أن تقابل بالشكر و ليس بالكفر.
و دليل آخر من سورة الحج: ((لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين)) موضع الشاهد: (لتكبروا الله)
و في الأخبار أيضا ما يثبت كلامي، ماذا فعل الرسول صلى الله عليه في خيبر؟ اقرأ هذا الحديث في البخاري: ”صَبَّحَ رَسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَيْبَرَ بُكْرَةً، وقدْ خَرَجُوا بالمَساحِي، فَلَمّا رَأَوْهُ قالوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، وأَحالُوا إلى الحِصْنِ يَسْعَوْنَ، فَرَفَعَ النبيُّ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ.“ موضوع الشاهد تكبير الرسول صلى الله عليه.
و اقرأ هذا الحديث أيضا في البخاري و غيره: ”اسْتَيْقَظَ النبيُّ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، ماذا أُنْزِلَ مِنَ الخَزائِنِ، وماذا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ، مَن يُوقِظُ صَواحِبَ الحُجَرِ - يُرِيدُ به أزْواجَهُ حتّى يُصَلِّينَ - رُبَّ كاسِيَةٍ في الدُّنْيا عارِيَةٌ في الآخِرَةِ وقالَ ابنُ أبِي ثَوْرٍ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عن عُمَرَ، قالَ: قُلتُ للنبيِّ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ: طَلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قالَ: لا قُلتُ: اللَّهُ أكْبَرُ.“ موضع الشاهد الأول قول الرسول: ”سبحان الله، ماذا أنزل من الخزائن…الخ“ لاحظ أنه قالها ككلمة تعظيم تعبّر عن العجب. و الشاهد الثاني في الحديث قول عمر: ”الله أكبر“ بعد أن علم أن الرسول صلى الله عليه لم يطلّق نساءه! لماذا؟ لأن من نساء الرسول صلى الله عليه حفصة بنت عمر، فأكبر الموضوع عندما شعر بالنعمة أن الرسول لم يطلّقها.
إذن من هذا الموضوع عرفت أخيرا أن كلمة (سبحان) تدل على التكبير و التعظيم أكثر من دلالتها على التنزيه. عندما يسجد الناس للملوك و يقبلون يده يقبلونه لانه منزّه و بعيد عن النقص؟ أم يسجدون له لأنّه كبير و عظيم شأنه… عندما سجد اخوة يوسف له؟ هل لأنه بعيد عن النقص و منزّه؟ خاصة أن كثير من أصحاب القراءات المعاصرة يعرفون أنّ الأنبياء ليسوا بمعصومين في كل حال، فهل سجدوا له لأنه منزّه و معصوم من النقص أم سجدوا له لأنه صار عزيزا كريما كبيرا؟
و لهذا أنت عندما تصلي فإنك في واقع الأمر تكبّر و تعظّم من شأن الله إذ في صلاتك ماذا تفعل؟ تكبّر و تسبّح و تركع و تسجد، أليس كذلك؟ و لهذا فيها تكبير في كل قيام و ركوع و سجود. و في كل ركوع و سجود أنت تعظّم الله بالتسبيح. بل الصيغة المشهورة للتسبيح في الركوع و السجود أصلا تدل على الرفعة و المكانة العالية. ماذا تقول في ركوعك؟ (سبحان ربي العظيم)! انتبه لقولك العظيم. و في سجودك ماذا تقول؟ (سبحان ربي الأعلى) انتبه لقولك الأعلى.
و بهذا أكون وصلت إلى نهاية هذا الموضوع، أعرف أنه موضوع كبير و طويل و لكن أظن فيما ذكرت الكفاية و الحمدلله أن الأدلة كلها والحمدلله تثبت كلامي في معنى: ”سبحان“. و الحمدلله بان لك العلاقة بين كلمة (سبحان الله) و اسم (الرحمن). و عرفت أيضا عن علاقة التسبيح بالصلاة، و عرفت أيضا علاقة التكبير بالصلاة و أشياء كثيرة تعلمتها. و أرجو أن أكون قد وفيت بوعدي و وقعت على أدلة و علوم من القرآن لم يسبق أن انتبهت لها. و هذا كلّه ليس مني في شيء بل كله فضل من الله تبارك و تعالى. و أرجو الله تبارك و تعالى أن ينفعني بما كتبت ولا يجعله حجة علي. و الحمدلله رب العالمين.

جاري تحميل الاقتراحات...