آمال بنت إبراهيم🇸🇦
آمال بنت إبراهيم🇸🇦

@amaleed2007

9 تغريدة 1,838 قراءة Aug 25, 2024
يُنمَّى الإحساس شيئاً فشيئاً عندما يلازم العبد كلام ربه، ويردده مراراً وتكراراً ختمةً تلو ختمة، ويقف عند كل آية بتفكّر وتدبر، فيتدرج الإحساس بالارتقاء وتتأثر النفس بكلام ربها بعد تعلمه وحفظه، ويصبح الإحساس أكثر جمالاً خآصة إذا كان يتعلم بين يدي معلم ماهر يأخذ بيده نحو الصواب.
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
عند تلاوة القارئ للقرآن الكريم وفي بداية تعلُّمه يكون تفكيره وإحساسه منصب على مخرج الحرف وصفته بل واكتمال صفته، وهذا قد يكون عند الكثير صعباً للغاية لتأثرهم باللهجات العاميَّة، واعتياد اللسان على ضعف الحرف العربي، فيكون الاحساس بالمعنى ضعيف لأنه منشغل بالحرف والصفة والأحكام الناشئة من علاقة الحروف، ثم إذا صبر واستمر وتدرّب واعتاد صحة المخارج واكتمال الصفات، وأصبحت الفصاحة سليقته، انتقل إحساسه إلى المعاني، وهذا التدرج - والله أعلم- التدرج في اللفظ ثم التدرج في الحس ثم التدرج في العمل من إعجاز القرآن الكريم حتى لا يتركه المؤمن ويتعاهده طيلة حياته، لأن العبد لا يستطيع أن يأتي بالمهارة في التلاوة دفعة واحدة؛ لابد من التدرج، والارتقاء في العلم يحتاج لأمور ذكرها الإمام محمد بن إدريس الشافعي(٢٠٤)هـ رحمه الله، ضمنها (سداسية تحصيل العلم)، يقول فيهما :
أخي لن تنال العلم إلا بستة ...    سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة... وصحبة أستاذ وطول زمان
ذكاء - حرص - اجتهاد - بلغة - صحبة أستاذ - طول زمان
قال أهل العلم أن الشافعي - رحمه الله - جعل قانونا سليما لبلوغ العلم، ومقدمات لابد منها، ومقومات يتعين ركوبها وامتطاؤها، ورغم اشتهار هذين البيتين إلا أنه قليل من الطلاب من يمتثل طريقها، أو يطبق قانونها، فيأخذها بمأخذ الجد، ويشحذ همته للعمل بموجبها، لأن العلم أعلا المراتب، وأنبل المقاصد، ولا يوصل إليه إلا على جسر من التعب، ومطايا من النصب والتصبر، وفي الحديث الصحيح "ومن يتصبر يصبره الله". وهذه العوامل السداسية أسس الفوز والبلوغ والتحصيل قال أبو تمام الطائي :
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها... تنال إلا جسر من التعب.
قال أهل العلم : فأولاها : الذكاء المولد لليقظة وسرعة الفهم وبعد البلادة، بحيث لا يشق المحفوظ، ولا يتعسر المفهوم، أو يستبطئ المدروس، فمن لم يتوفر له حد أدنى من الذكاء والوعي عز عليه العلم، وانكشف له الحال، بأن العلم ليس مجاله، ولا محل وجوده وراحته، ولكن هذا الذكاء لا يجدي بلا زكاء وتقوى، لأنه قد يورث المهالك، إذ كم من ذكي عمي عن الحق، أو خالطه الهوى، أو كبه ذكاؤه على وجهه في مهاوي الردى؛ وقد قال الأئمة في أبي العلاء المعري الشاعر المعروف ونظرائه ( كان ذكيا ولم يكن زكيا ).!
يتبع 🔽
ثانيها : حرص بليغ على جمع العلم، وحيازة الكتب، وصون الوقت، والتقاط الفرائد، ولم الدرر، اهتماما ورغبة، بحيث يقال له : فلان حريص ، وشخص جاد، وعنصر متوقد، كما قال الحافظ ابن عقيل رحمه الله في كلمته المشهورة:(إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حالة راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره)
فهنا تلحظ اغتنام الأوقات، وتخفيف الأكل، واختيار ما لا يضيع وقتا، أو يرهق جسدا.
ثالثها: اجتهاد متين لا يعرف الكلل، ولا يطل عليه الملل، فهو في دأب، وجد وسهر، وسفر،.... يؤثر العلم على الراحة، والتعب على الطرب، والبحث على اللغو والمزاح، مستفرغا الوسع، وباذلا بلا تقصير، قال تعالى : [خذوا ما آتيناكم بقوة ] سورة البقرة ،وقد قال الإمام يحي بن أبي كثير رحمه الله: (لا يستطاع العلم براحة الجسد). وكان الإمام البخاري رحمه الله يستيقظ في الليلة، قرابة عشرين مرة، حتى أخرج لنا هذا الصحيح الذهبي والسفر الباهي الزكي.
يتبع 🔽
رابعها: بلغة كافية تسد الحاجة، وتكف السؤال، وتمنع الانشغال، وتجعل طلاب العلم في مأمن من الشحاذة والفقر والاستجداء، وتعين على القنية العلمية، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله في أدب المفتي: على الاستغناء عن الناس.
يتبع 🔽
خامسها: صحبة أستاذ المتمثل في شيوخ العلم، وأقطاب الفقه، وصيارفة المعرفة، لأنهم كالأطباء تشخيصا، والدلائل طريقا، والبراهين إقناعا، والشموس إضاءة، قال موسى في قصته مع الخضر عليهما السلام [هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا] سورة الكهف . فهم يعينون على الفهم، ويثبتون على الجادة، ويذللون الصعاب. وقال السلف في حكمتهم الرائعة: (من دخل العلم وحده، خرج وحده). ومن ثم حذروا من اللياذ بالكتب دون شيوخ، ومن حفظها بلا اتعاظ وتفقه، قال الشافعي رحمه الله: (من تفقه من بطون الكتب، ضيع الأحكام). واتسعت المقولة الأخرى (من كان شيخه كتابه، كان خطؤه أكثر من صوابه)!
سادسها: طول زمان: ويعنون بها الخبرة والممارسة، والتدريب العلمي على الدرس والإلقاء والحوار، بحيث يتحقق معها النضج وبلوغ الحكمة، وعدم الحماس والاستعجال، قال تعالى:[وكان الإنسان عجولا] سورة الإسراء . وقال عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس : "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".
والدليل على ذلك اختيارات المرء في أول حياته، تغاير اختياراته بعد سن النضج والدراية.

جاري تحميل الاقتراحات...