يقول ابن القيم - رحمه الله - :
الهمّ والحَزن قرينان، والمكروه الوارد على القلب ينقسم باعتبار سببه إلى قسمين، فإنه إما أن يكون سببه أمراً ماضياً، فهو يُحدث الحَزَنَ، وإما أن يكون توقع أمر مستقبل، فهو يُحدث الهمّ، وكلاهما من العجز .
الهمّ والحَزن قرينان، والمكروه الوارد على القلب ينقسم باعتبار سببه إلى قسمين، فإنه إما أن يكون سببه أمراً ماضياً، فهو يُحدث الحَزَنَ، وإما أن يكون توقع أمر مستقبل، فهو يُحدث الهمّ، وكلاهما من العجز .
فإن ما مضى لا يُدفع بالحزن،بل بالرضى والحمد والصبر والإيمان بالقدر وقول العبد:قدر الله وما شاء فعل.
وما يُستقبل لا يُدفع أيضاً بالهمّ،بل إما أن يكون له حيلة في دفعه فلا يعجز عنه وإما أن لا تكون له حيلة في دفعه فلا يجزع منه ويلبس له لباسه ويأخذ له عُدته ويتأهب له أهبته اللائقة به.
وما يُستقبل لا يُدفع أيضاً بالهمّ،بل إما أن يكون له حيلة في دفعه فلا يعجز عنه وإما أن لا تكون له حيلة في دفعه فلا يجزع منه ويلبس له لباسه ويأخذ له عُدته ويتأهب له أهبته اللائقة به.
ويَسْتَجِنُّ بِجُنَّةٍ حصينة من التوحيد والتوكل، والانطراح بين يدي الرب تعالى، والاستسلام له والرضى به رباً في كل شيء، ولا يرضى به رباً فيما يحب دون ما يكره، فإذا كان هكذا، لم يرضَ به رباً على الإطلاق، فلا يرضاه الرب له عبداً على الإطلاق، فالهمُّ والحَزَنُ لا ينفعان العبد البتة .
بل مضرتهما أكثر من منفعتهما، فإنهما يُضعفان العزم، ويُوهنان القلب، ويحولان بين العبد وبين الاجتهاد فيما ينفعه، ويقطعان عليه طريق السير، أو يُنكسانه إلى وراء، أو يعوقانِهِ ويَقِفَانه أو يَحْجُبانه عن العَلَمِ الذي كلَّما رآه شمَّر إليه وجد في سيره .
فهما حِمل ثقيل على ظهر السائر، بل إن عاقه الهمّ والحزن عن شهواته وإراداته التي تضره في معاشه ومعاده انتفع به من هذا الوجه،وهذا من حكمة العزيز الحكيم أن سلط هذَيْنِ الجُندَيْنِ على القلوب المعرضة عنه،الفارغة من محبته وخوفه ورجائه، والإنابة إليه،والتوكل عليه والأنس به والفرار إليه.
والانقطاع إليه،ليردَّهَا بما يبتليها به من الهموم والغموم والأحزان والآلام القلبية عن كثير من معاصيها وشهواتها المُرْدِية، وهذه القلوب في سجن من الجحيم في هذه الدار، وإن أريد بها الخير،كان حظُّها من سجن الجحيم في معادها، ولا تزال في هذا السجن حتى تتخلّص إلى فضاء التوحيد .
والإقبال على الله، والأنس به، وجعل محبته في محل دبيب خواطر القلب و وساوسه، بحيث يكون ذِكْرُه تعالى وحُبُّه وخوفُه ورجاؤُه والفرحُ به والابتهاج بذكره، هو المستولي على القلب، الغالب عليه الذي متى فقده، فقد قوته الذي لا قوام له إلا به، ولا بقاء له بدونه .
ولا سبيل إلى خلاص القلب من هذه الآلام التي هي أعظم أمراضه وأفسدها له إلا بذلك، ولا بلاغَ إلا بالله وحده، فإنه لا يُوصِل إليه إلا هو، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يَصرف السيئات إلا هو، ولا يدُلُّ عليه إلا هو، وإذا أراد عبده الأمر،هيأه له،فمنه الإيجاد، ومنه الإعداد، ومنه الإمداد .
وإذا أقامه في مقام أيِّ مقام كان فبحمده أقامه فيه وبحكمته أقامه فيه، ولا يليق به غيره ولا يصلح له سواه ولا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع، ولا يمنع عبده حقاً هو للعبد، فيكون بمنعه ظالماً له، بل إنما منعه لِيتوسَّل إليه بمحابِّه ليعبده، وليتضرَّع إليه .
ويتذلّل بين يديه،ويتملقه ويعطي فقره إليه حقّه،بحيث يشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة فاقة تامة إليه على تعاقب الأنفاس، وهذا هو الواقع في نفس الأمر، وإن لم يشهده العبد فلم يمنع الرب عبده ما العبد محتاج إليه بخلاً منه، ولا نقصاً من خزائنه، ولا استئثاراً عليه بما هو حق للعبد.
بل منعه ليردّه إليه وليعزّه بالتقلل له وليغنيه بالافتقار إليه، وليجبره بالانكسار بين يديه، وليُذيقه بمرارة المنع حلاوة الخضوع له، ولذة الفقر إليه، وليُلبسه خلعة العبودية ويولِّيه بعزله أشرف الولايات، وليُشْهِدَهُ حكمته في قُدرته، ورحمته في عزته وبِرَّه ولطفَه في قهره .
وأنَّ منعه عطاء ، وعزله تولية، وعقوبته تأديب، وامتحانه محبة وعطية، وتسليط أعدائه عليه سائقٌ يسوقه به إليه .
من فضلك : @rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...