25 تغريدة 19 قراءة Feb 04, 2024
27 ديسمبر 1989 – دفنت إبنها مجدي محجوب محمد احمد (33 سنة. بكالوريوس العلوم الرياضية. جامعة كمبريدج) وجاءت إلى القاهرة: إقتحم جنود ثورة الإنقاذ» منزل الأسرة في الخرطوم وانتزعوا ابنها بتهمة الاحتفاظ بدولارات في منزل الأسرة وبعدها بأيام أبلغوها بالحضور لإستلامه ودفنه.
عندما ذهبت إلى منزل الأسرة بالقاهرة لمقابلة الأم المكلومة فور وصولها كنت أتصور لقاء سيدة منهارة لا تقوى على النطق. وكدت أتراجع عن لقائها حتى آخر لحظة لكنني فوجئت بسيدة قوية متماسكة تجلس وفي يدها مسبحة تردد أسماء الله الحسنى بصوت خافت ثم تقطع التسبيح لتوجه الحديث إلى الحاضرات.
وتحكى عن مجدي كيف قبض عليه وكيف حوكم وكيف ولماذا أعدم
وأسالها متى تم القبص عليه؟
تجيبني بهدوء شديد في اليوم السادس عشر من نوفمبر في المساء كنا جميعا خارج المنزل عدا مجدي وإذا بمجموعة من الضباط والجنود تدخل المنزل ويسالوا مجدي هل لديكم خزانة ويجيبهم نعم رغم ان الخزانة
في مكان لا يعرفه أحد من خارج المنزل ولو أراد نفي وجودها لما أمكن لأحدهم العثور عليها وكانت الكهرباء منقطعة فاحضر شمعة وأوقدها ليمكنهم من رؤيتها.. ثم أحضر بعض الزيت حيث استعصى عليهم فتحها، فهي لم تفتح منذ فتره طويلة. ووجدوا في داخلها 115 ألف دولار.
فقبضوا عليه بتهمة إحراز عملة اجنبية ... كانت النقود جزء من التركة فأولادي بعد وفاة والدهم لم يقتسموا ميراثهم، بل تركوا كل شيء كما هو وأخذوا في إكمال أعمال أبيهم..
مجدي من أسرة ثرية وعريقة عمه د جمال محمد احمد وزير الخارجية السابق ووالده محجوب محمد أحمد من مؤسسي أكثر من بنك في السودان ويملك شركة التأمينات العامة ومن أول من أدخل الصناعة في السودان ولديه مصانع للبلاستيك والكثير من العقارات والمشاريع الإستثمارية في السودان ومصر.
وتستأنف الأم - بقي إبني في المعتقل أسبوعين - كان يأتي كل يوم إلى المنزل للإستحمام وكان جميع الضباط والعساكر متعاطفين معنا ثم إنتقل بعد ذلك إلى سجن كوبر وكان في زنزانة واحدة مع الدكتور مأمون محمد حسن نقيب الأطباء المحكوم عليه بالإعدام أيضا
ومعهم في نفس الزنزانة شخص يسمى على مريود، محكوم عليه بالإعدام لكنه لم يعدم بسبب الضغوط خارجية. وفي يوم الخميس مساء يحضر مجدي إلى منزله ليطلب من أمه أن تحضر هي ومن معها من الشهود إلى المحكمة في صباح اليوم التالي يوم الجمعة.
لكن جاءت الأخبار إلى الأسرة بأن حكم الإعدام قد صدر يوم الخميس وان جلسة يوم الجمعة ستكون مجرد مسرحية حتى لا يقال انه قد أعدم دون محاكمة.
وهل شهدتم المسرحية؟
ذهبنا مع أخوته والشهود إلى المحكمة في حديقة قصر السيد الميرغني وهي ليست مخصصة للمحاكمات وكان معنا محامي مجدى وكانت المحكمة عسكرية تتكون من مقدم ورائد ونقيب وإذا بالرائد إبراهيم شمس الدين عضو مجلس الإنقاذ والذي لم يكن عضوا في هيئة المحكمة يعترض طريق
المحامي ويطلب منه الخروج ، أو الدخول كصديق للأسرة فقط دون أي تدخل أو مرافعة منه ولم تستمر المحكمة إلا ساعة واحدة بعدها نطق بالحكم وحكم على ابني بالإعدام ولكننا في هذه اللحظة لم نكن نصدق أن الإعدام سينفذ فأنا تحدثت إلى رئيس المحكمة قائلة إذا كنتم تحاكمون
مجدي بتهمة حيازة عملة أجنبية وجدتموها في الخزانة فيجب القبض على الاسرة كلها فمجدى ليس صاحب الخزانة وحده ولا يعيش في المنزل بمفرده والأولى بكم أن تقبضوا علي انا فأنا صاحبة المنزل..
وهل سبق أن حوكم أحد في حديقة قصر الميرغني؟
من الغريب أن تكون هناك محاكمة في يوم الجمعة أي في يوم الاجازة وان تعقد في قصر السيد الميرغني وهو مقر عادى وليس بقاعة محاكمة كذلك أن يصدر الحكم بهذه السرعة، ولكن القرار لم يكن قرار هيئة المحكمة فأي قرار يصدر الان في السودان
يصدره مجلس الاربعين الذي يتكون من أربعين عضواً من أعضاء الجبهة الاسلامية وهو صاحب جميع القرارات الان في السودان.
وأسالها هل رأيت ابنك بعد النطق بالحكم؟
تجبيني نعم كنت أراه كل يوم وكان يطمئن قائلا لا تخافي يا أمي لا يمكن أن يعدموني فهم يعلمون أني بريء هي مجرد (حركة)
لتخويف الآخرين. وكان هذا هو رأي جميع من قمت بالاتصال بهم من القيادات السياسية في البلد وهم جميعهم اصدقاء وجيران لنا وقامت الأسرة بعمل استئناف للحكم ويرفع حكم الاستئناف إلى رئيس القضاء واسمه جلال على لطفي وهو رجل كان قد فصل من القضاء لفترة وعمل بالمحاماة ثم أعيد للقضاء
وكتب رئيس القضاء مذكرة من ثماني صفحات تحدث فيها عن ثراء الأسرة وما تمتلكه من أموال وعقارات ومشاريع ثم يختم المذكرة بتوصية غربية حيث يقول فيها وأوصى بسرعة تنفيذ الحكم!
وأسال الام القوية وانا اعتذر لها عن اثارة أحزانها ألم تحاولي الحصول على قرار بالعفو؟
فترد بصوت خافت لم اترك أي فرصة كي أسقط الحكم عن ابنى. فهو حكم باطل فقبل القبض على مجدي لم يكن هناك قانون يسمح بتنفيذ حكم الاعدام، بل صدر القانون بعد القبض عليه ولا يمكن أن تنفذ قانونا بأثر
رجعي في أي مكان في العالم ... ولم ادع بابا دون أن أطرقه ولكن وكما اخبرني الجميع كان القرار في يد مجلس الاربعين فهم اصحاب القرار. وتصمت الام قليلا وتذهب بعيدا بأفكارها ثم تقول في يوم اليوم السبت الخامس عشر من ديسمبر ذهبت الزيارة ابني وجاءني مقيدا بالحديد
وفي هذا اللحظة ايقنت انني قد فقدت ابني.
وشعرت بقلبي يتفتت داخلي وكان هذا قبل موعد تنفيذ الحكم بأربع ساعات وتركت مجدى وذهبت مباشرة إلى منزل عمر البشير قائد ثورة الانقاذ ولم اجده بل وجدت والدته وتحدثت اليها استجديها كأم أن تطلب من ابنها الذي قد صدق على الحكم بأن يلغيه أو
يؤجل تنفيذه لبعض الوقت ووعدتني بأنها ستتكلم مع ابنها وفي منزلنا تلقينا مكالمة تليفونية منها تطمئنني بإن ابني لن يعدم. ولكن في الساعة الواحدة والنصف من صباح الأحد يتم اعدام مجدي وفى الساعة الثانية يأتون بالجثمان الى المنزل ليتم دفنه في يوم الأحد؟
ويتحدث الجميع عن جنازة مجدي. هذه الجنازة التي سارت فيها النساء للمرة الأولى في السودان والجميع يرددون (شهید يا مجدي شهید، مظلوم يا مجدي مظلوم) وإذا كان قد تم اعدام مجدى محجوب الذي امروا بسرعة تنفيذ الحكم عليه
فقد قال الرائد ابراهيم شمس الدين على مسمع من الحاضرين في المحكمة سوف اجعل اسرة المحجوب يرتدون (الدمورية) وهو ثوب من قماش الدمور الخشن الملمس.
في نفس السجن الذي احتجز فيه مجدي قبل إعدامه يرقد الدكتور مأمون حسن نقيب الأطباء في النزع محمد الأخير من جراء التعذيب الذي تعرض له
منتظراً تنفيذ حكم الإعدام. بل ان هناك من يقول انه قد مات بالفعل داخل غرفة الإنعاش. وهناك ايضا فتاتان أحدهما هي سمية سيد أحمد عبد الهادي امينة عام المرأة بالحزب الاتحادي الديمقراطي وهي إبنة سيد عبد الهادي والذي كان وزيرا للصحة في عهد الرئيس إسماعيل الأزهري
وهاتان الفتاتان قبض عليهما بتهمة توزيع منشورات من نظام سمى نفسه يوما ما بثورة الانقاذ. أتوا كما قالوا لينقذوا السودان وشعب السودان من معاناته وازماته. فإذا بهم يتحولون الى نظام بطش يعدم شابا بريئا لمجرد أن يكون عبرة وكبش فداء لخصوم النظام ويحولوا السودان الى سجن كبير
ويعملوا على تقهقر هذا البلد إلى الوراء سنوات وسنوات. فيعدون الان قانون بمنع عمل المرأة الا في وظيفتي التدريس والتمريض. فهل من منقذ للسودان من ثورة الإنقاذ؟ (صحيفة الاهالي المصرية التي يصدرها حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي)

جاري تحميل الاقتراحات...