عن وهب بن منبه قال : إن الله تعالى لما بعث أرميا إلى بني إسرائيل وذلك حين عظمت الأحداث فيهم ; فعملوا بالمعاصي ، طمع بخت نصر فيهم ، وقذف الله في قلبه ، وحدث نفسه بالمسير إليهم ; لما أراد الله أن ينتقم به منهم ، فأوحى الله إلى أرميا أني مهلك بني إسرائيل #خربتها_يابن_اليهوديه
فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي . فقام أرميا ، فشق ثيابه ، وجعل الرماد على رأسه ، وخر ساجدا وقال : يا رب ، وددت أمي لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل ، فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي .
فقيل له : ارفع رأسك . فرفع رأسه فبكى ، ثم قال : يا رب من تسلط عليهم ؟ قال : عبدة النيران ، لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي ، قم يا أرميا ، فاستمع وحيي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل من قبل أن أخلقك اخترتك
ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك ، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك ، ومن قبل أن تبلغ نبأتك ، ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك ، ولأمر عظيم اجتبيتك ، فقم مع الملك تسدده وترشده . فكان مع الملك يرشده ويأتيه
حتى عظمت الأحداث ، ونسوا ما نجاهم الله به من عدوهم سنحاريب وجنوده ، فأوحى الله إلى أرميا قم ، فاقصص عليهم ما آمرك به ، وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم أحداثهم
فقال أرميا : يا رب ، إني ضعيف إن لم تقوني ، عاجز إن لم تبلغني ، مخطئ إن لم تسددني ، مخذول إن لم تنصرني ، ذليل إن لم تعزني ، فقال الله تعالى له : أولم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي ، وأن الخلق والأمر كله لي
وأن القلوب والألسنة كلها بيدي ، فأقلبها كيف شئت فتطيعني ، فأنا الله الذي ليس شيء مثلي ، قامت السماوات والأرض وما فيهن بكلمتي ، وأنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلا لي ، ولا يعلم ما عندي غيري ، وأنا الذي كلمت البحار ففهمت قولي ، وأمرتها ففعلت أمري
انطلق إلى قومك فقم فيهم ، وقل لهم : إن الله قد ذكركم بصلاح آبائكم ; فلذلك استبقاكم يا معشر [ ص: 365 ] أبناء الأنبياء ، كيف وجد آباؤكم مغبة طاعتي ، وكيف وجدتم مغبة معصيتي ؟ وهل وجدوا أحدا عصاني فسعد بمعصيتي ؟
فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم ، وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب ، عصوه وكذبوه واتهموه وقالوا : كذبت وعظمت على الله الفرية ، فتزعم أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده ، فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب ؟
لقد أعظمت الفرية على الله واعتراك الجنون . فأخذوه وقيدوه وسجنوه ، فعند ذلك بعث الله عليهم بخت نصر فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم ، ثم حاصرهم ، فكان كما قال تعالى : فجاسوا خلال الديار
قال : فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه ، ففتحوا الأبواب ، وتخللوا الأزقة ، وذلك قوله تعالى : فجاسوا خلال الديار وحكم فيهم حكم الجاهلية وبطش [ ص: 371 ] الجبارين ، فقتل منهم الثلث ، وسبى الثلث ، وترك الزمنى والشيوخ والعجائز ، ثم وطئهم بالخيل ، وهدم بيت المقدس ، وساق الصبيان
وأوقف النساء في الأسواق محسرات ، وقتل المقاتلة ، وخرب الحصون ، وهدم المساجد ، وحرق التوراة ، وسأل عن دانيال الذي كان كتب له الكتاب ، فوجدوه قد مات
وأخرج أهل بيته الكتاب إليه ، وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر وميشائيل ، وعزرائيل ، وميخائيل ، فأمضى لهم ذلك الكتاب ، وكان دانيال بن حزقيل خلفا من دانيال الأكبر ، ودخل بخت نصر بجنوده بيت المقدس ، ووطئ الشام كلها ، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم.
وحمل الأموال التي كانت بها وساق السبايا ، فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام ، وقذف الكناسات في بيت المقدس ، وذبح فيه الخنازير
فلما فعل ما فعل قيل له : كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم ، ويصفك وخبرك لهم ، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كنائسهم ، فكذبوه واتهموه ، وضربوه ، وقيدوه ، وحبسوه . فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن
فقال له : أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم ؟ قال : نعم . قال : فإني علمت ذلك . قال : أرسلني الله إليهم فكذبوني . قال : كذبوك وضربوك وسجنوك ؟ قال : نعم . قال : بئس القوم قوم كذبوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم ، فهل لك أن تلحق بي ، فأكرمك وأواسيك ، وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك .
قال له أرميا : إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ساعة قط ، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه ، لم يخافوك ولا غيرك ، ولم يكن لك عليهم سلطان . فلما سمع بخت نصر هذا القول منه ، تركه ، فأقام أرميا مكانه بأرض إيلياء
جاري تحميل الاقتراحات...