عبدالعزيز بن عبدالله الفالح 🇸🇦
عبدالعزيز بن عبدالله الفالح 🇸🇦

@ALfalehaaa

25 تغريدة 36 قراءة Jan 22, 2024
1. في الأيام الأربعة الماضية كان لي موعد مع رياض #الصمان وفِيَاضه، مع إخوتي: أبي أسامة، وحمد، وفالح.. والصُّمّان لمَن لا يعرفه: هو أرض صَلْبة ذات حجارة وعرة، فيها حُزون متداخلة، تتخلّله رياض وقيعان، ومستقرّات مياه، تُنْبِتُ السّدرَ والعوسج والشيح وغيرها الكثير من النباتات، ويقع جنوبي وادي الباطن، وشرق الدهناء، وإذا أخصبت رياضُه، طاب منظرُها، وعبق عطرها، وترنّم طيرها، ويحلو فيها الربيع.. قال عنه ياقوت الحموي: وإذا أخصبت (قيعان الصمان) ربّعت العربُ جميعاً.. وقالت العرب: مَن قاظ الشريف، وتربّع الحزْن، وشتا الصُّمان فقد أصاب المرعى..
والصُّمان معروف منذ القِدَم، قال الشاعر الأموي ذو الرمة:
حَيّ نساءَ تميمٍ وهي نازحةٌ
بقلّة الحزنِ فالصُّمّانِ فالعَقَدِ..
- انطلقنا من الرياض مساء الخميس الماضي متجهين إلى بلدة (اللهابة)، حيث تبعد عن مدينة الرياض قرابة 300 كيل، و(اللهابة) بلدة قديمة تسكنها قبيلة مطير الكريمة، وفيها آبار ومياه، وتعدّ من أهم مداخل الصمان الشرقية، ومنها تتفرّع دروب إلى داخله، وقد حرصنا أن ندخل الصمان من مدخله الشمالي الشرقي؛ لأنّ شمالي الصمان أصابته أمطار أكثر من جنوبه، فربيع تلك المناطق أجمل وأزهى...
بِتْنا تلك الليلة بعد أن تجاوزنا بلد (اللهابة) بقليل، وكانت ليلة شديدة البرد علينا رغم سكون الهواء..
2. في صباح اليوم التالي اتجهنا شمال غرب بحثاً عن الفِيَاض، راكبين (الردميّات) وهي طُرق ترابية ممسوحة أقامتها بلدية (اللهابة) تسهيلاً على رعاة المواشي، والمتنزّهين، ولكنها تنقطع بعد أكيال قليلة، لتبدأ الدروب الصحراوية المتعددة والمتداخلة، أو كما يُسمّيها أهلنا في الكويت (الدبّاية)...
3. مشينا قرابة عشرين كيلاً، فإذا ببساط زهرة الخزامى البنفسجية مَدّ البصر، ورائحته الزكيّة الفوّاحة تلفّ المكان، وأغاريد الطيور تُطْرب الأسماع..
4. مشَاهِدُ يَعجَز عن وصفها اللسان، فسبحان مَن أحالَ الأرض الجرداءَ قبل أشهر قليلة روضةً غنّاء..
5. انطلقنا بعد متعة بصرية عاجلة مع زهور البنفسج بحثاً عن رياض: الزلعاء والبخراء والروثية والثليماء واللغيثاء وأم رويع وغيرها..
أصدقكم القول: إنّ التنقّل بين هذه الرياض شيء من الخيال، وفيه تأمّلُ قُدرةِ الخالق البارئ المصوّر سبحانه وتعالى، فمَن يتخيّل أنّ هذه الجِنان الخضراء، تحوطها من كلّ جانب الصحراء..
6. أخي فالح ذو العِمَّة الرماديّة، هو أصغرنا سِنّاً، لكنّه أكثرنا معرفة بالصُّمان ورياضه ودروبه، وكثيراً ما يتردد عليه، ومع هذا لابدّ مِن اقتناء أجهزة تحديد الإحداثيات والمواقع، وبخاصة ما يعملُ منها دون إرسال، ومن ذلك بعض تطبيقات الجوال، فمنذ أن تتوغّل داخل الصمان تنقطع كل وسائل الاتصال بالعالَم، إلا ما يعمل بواسطة الأقمار الاصطناعية.. مع أهمية الخبرة والمعرفة، فالاعتماد على الأجهزة وحدها ضرب من المخاطرة، حيث قد يعتريها الخلل والعطب..
7. توقّفنا عند إحدى الرياض، لإعداد طعام الغداء وقضاء بقية اليوم عندها..
8. أثناء تِجْوالِنا بين أفانين هذه الروضة صادفنا عُشُّ إحدى الطيور على الأرض، وهذا بالنسبة لي أمر غريب، فالمعتاد أنّ عشّ الطيور يكون على الأشجار غالباً، ولعل السبب في ذلك خُلُو أرض الصمان من الأشجار الكبيرة، فلا يوجد به حالياً سوى أشجر السدر والعوسج وليسا بالحجم الكبير، مما يضطر الطيور لوضع أعشاشها على الأرض..
وضعنا (كاميرا) الجوال قريباً من العش كي نصوّر الطير، لكنها تقترب ثم تبتعد، خشية من هذا الجسم الغريب (الجوال)، فباءت محاولاتنا بالفشل..
9. أخي أبو أسامة هو طبّاخ الرحلة، فكم أكرمنا بلحم الحاشي اللذيذ، ومن ثم الشاي "المنعنش" على النار الهادئة..
نِمْنا تلك الليلة بحمد الله، ورغم استعدادنا بخِيَم النوم الشتوية، والملابس الثقيلة، والمفارش والبطانيات إلا أنّ البرد كان قارساً، فدرجة الحرارة آخر الليل وعند الفجر تصل إلى خمس درجات..
حينها يتذكّر المرءُ نِعَم الله التي لا تحصى من توافر وسائل التدفئة، ويتأمّل حال إخوانه في البلدان التي مسّها الضرّ كغزّة الأبيّة والشمال السوري وغيرها من البلدان، فيلهج بالدعاء الصادق لهم بالحفظ والصبر والرحمة وزوال البلاء عاجلاً غير آجل..
10. انطلقنا في اليوم التالي إلى فيضة اللغيثاء مروراً بعدد من الفِيَاض التي تُبْهِرك بجمالها، فكلّ فيضة تتزيّن لنا بأزهارها، وثوبها الأخضر القشيب، وأغاريد طيورها كالفتاة الحسناء، فيحتار المرءُ ماذا يختار؟!!
11. وصلنا فيضة اللغيثاء، فإذا هي قاع على مَدّ البصر تحوطها تلال مرتفعة، وقد أضحت جنّة خضراء بعد أن ارتوت بمياه الأمطار..
12. أخذنا جانباً من أحد تلالها، وأقمنا فيه، فكانت بحمد الله جلسة ولا أروع، وبخاصة في وقت الغروب!!
13. جلسةٌ تطرب النفسُ لها، وفيها تأمُّلٌ في مخلوقات الله البديعة..(هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِه)..
14. انقطاع الإرسال في الصّمان ليس سيئاً، فقد وضعنا جوّالاتنا في جيوبنا، وتركنا وسائل التواصل الاجتماعي، لننعمَ بالأحاديث الماتعة المليئة بالذكريات العاطرة، وبالتأمّل في السماء، بجوار نار يلفّها دفء اجتماع العائلة..
أعطيتُ إخوتي درساً سريعاً في معرفة النجوم، وتحديد الاتجاهات بواسطة النجم القطبي، وكوكبة نجوم "الرجل الجبّار"، التي تظهر بوضوح في هذه الصورة..
15. رغم أنّ البدرَ لم يكتمل، فهو في التربيع الأول، إلا أنّ ضوءه كان قويّاً مُشرقاً، ولعل البعد عن أضواء المدن هو سبب ذلك..
هدوء المكان الرهيب، والصمت العجيب، الذي لو سقطت فيه إبرة على حجر لَسمعتها كما يقال، زاد الجلسة متعة وصفاء، وجمّل ذلك نعمة الأمن والأمان التي نعيشها في هذه البلاد بحمد الله، فقد أمضينا وحدنا ثلاثة ليالٍ في هذه الصحراء الخالية، التي تبعد عشرات الأكيال عن أقرب مدينة أو قرية، لا نخشى إلا الله، فأسأل الله أن يجزي ولاة أمرنا وجنودنا ورجال أمننا خير الجزاء..
ونسأل الله أن يعمّ الأمنُ جميع بلاد المسلمين..
16. في صباح يوم أمس الأحد: 9/ 7 آخر أيام الرحلة، لم تطاوعنا أنفسنا تَرْك المكان، لكن لكلّ بداية نهاية...
تنادينا للإفطار باكراً على "حنيني" الوالدة الغالية أم عبد العزيز حفظها الله، فقد أبَت أطال الله عمرها إلا أن تملأ حافظة كبيرة منه، فليس علينا سوى تسخينه كل صباح، والضرب بيَدٍ من "حديد"😁
17. أخي حمد مسؤول العفش والأغراض، دقيق المتابعة في كل شيء، في ترتيبه وتنظيمه، وقد كان شعاره في رحلتنا "اجعل المكان أنظف مما كان"، فلا يُبقي لآثار المخلّفات شيئاً..
18. انطلقنا عائدين صوب بلدة (اللهابة)، ورجعنا مع طريق آخر غير الذي أتينا منه، لنكحّلَ أعيننا بمزيد من رياض الصمان، وكان لمعرفة أخي فالح بهذه الدروب دور لاستقامة سيرنا بعد الله، وبخاصة أن الصمان متاهة، وتكثر فيه الدروب المتداخلة والمتفرّقة..
19. من مشاهداتنا في الصمان درب "المنشرحة"، وهو درب قديم جداً، وعليه علامات للسائرين، في وقت لم يكن فيه أجهزة ولا جوالات، كان يستدلّ به أجدادنا لاجتياز الصمان، ويتجه هذا الدرب من جهة الشمال الشرقي ويستمرّ إلى "اللصافة"، وينسب هذا الدرب إلى رجل يُكنّى بالمنشرح، وهو أحد تجّار نجد. وهناك دروب أخرى مثل: درب المبيحيص، والهدباء، والجودي، والكنهري، وغيرها من الدروب. وغالباً يستقلّ درب "المنشرحة" المتنزّهون الذين يأتون من شمال الصمان..
20. في طريق عودتنا إلى (اللهابة) بعدد من الروضات الجميلة، لكننا بقينا فيها قليلاً، وكنا نتمنى لو كان لدينا مزيد من الوقت للبقاء فيها..
21. وبعضها تحتاج أن تُصوِّرَ من عُلُو حتى تستطيع أن تشملها بالرؤية، لفرط طولها وعرضها..
22. وبعضها تنزل إليها نزولاً..
23. أردنا أن نختم زيارتنا للصمان بغَدَاءٍ لذيذ على رائحة الخزامى، قريباً من بلدة (اللهابة)، فكان نِعم الختام بحمد الله..
24. على مشارف (اللهابة) توجد عدد من المراعي المتاحة لرعاة أهل المنطقة، وفق التنظيم الجديد الذي يمنع الرعي داخل الصمان، وتُشكر الجهات المسؤولة على هذا التنظيم، لحماية هذه الأماكن من الرعي الجائر، ووجدنا على الدرب بعضاً من هذه المراعي..
25. وصلنا بحمد الله بلدة (اللهابة)، وودعناها وودّعتنا..
وأكملنا مسيرنا إلى مدينة الرياض الغالية..
بعد رحلة ماتعة برفقة طيبة بحمد الله..

جاري تحميل الاقتراحات...