LaBanshy
LaBanshy

@LaBanshy

68 تغريدة 30 قراءة Jan 20, 2024
قصتنا النهاردة من حكايات الأخوين جريم واسمها "هانس الحديدي" Der Eisenhans (شايفاك ياللي فكرت في لميس الحديدي). القصة بتحكي عن ملك كان بيحكم مملكة كبيرة جدًا وعلى أطرافها تقع غابة مليئة بالحيوانات البرية. وفي يوم الملك بعت واحد من رجاله لصيد غزال بري، بس الصياد ما رجعش،
فبعت اتنين من الصيادين للغابة علشان يدوروا على الصياد الأولاني، بس دول كمان مارجعوش، فالملك راح باعت كل الصيادين اللي في المملكة يشوفوا الغابة دي فيها حفرة ولا إيه! فالصيادين كلهم راحوا ومارجعوش. الملك قال مابدهاش بقى وأصدر قرار بمنع الدخول للغابة البرية للأبد.
الوضع فضل كده سنين لحد ما مر على المملكة صياد شجاع وقال للملك إنه عرف بموضوع غابة اللي يروح ما يرجعش ده وطلب منه السماح له بدخولها، الملك رفض في الأول لكن بعد إصرار الصياد وافق وقال له أنت حر. الصياد دخل الغابة بالكلب بتاعه وقعد يتمشى فيها بحرص، ولما الكلب شاف بركة جري يشرب منها
والكلب بيشرب حصلت حاجة غريبة جدًا،ذراع ضخمة اتمدت من المياه وخطفت الكلب واختفت تاني!
الصياد أول ما شاف اللي حصل رجع جري على القصر وطلب من الملك بعض من رجاله وجرادل. الملك بص له باستعجاب: "جرادل؟ عايز جرادل تهبب بيها إيه؟" الصياد قال له "ابعت بس معايا الرجال بالجرادل وهفهمك بعدين"
وفعلاً رجعوا الغابة تاني وقعدوا يسحبوا مياه البركة بالجرادل.. ساعة ورا ساعة، جردل ورا جردل لحد ما وصلوا لقاع البركة وشافوا منظر أغرب من الغرابة.. رجل ضخم عارِ لون جلده برونزي كالحديد وشعره طويل جدًا مغطي كل جسمه.
فالصياد ورجال الملك ربطوا الكائن ده وأخدوه للقصر. الملك أول ما شافه أمر بصنع قفص حديدي في حديقة القصر ووضع الكائن فيه وأعطى المفتاح للملكة تخبيه ومنع أي حد يقرب منه أو يحاول يكلمه.
بس في يوم من الأيام، ابن الملك اللي عنده ثمانية أعوام كان بيلعب بالكورة الذهبية بتاعته في حديقة القصر، وهو مندمج في اللعب وعامل فيها كابتن شطة شاط الكورة بقوة فدخلت في قفص الكائن البري العجيب.
الولد قرب من القفص بحرص ولقى أن الكائن ماسك الكورة بتاعته، فطلب منه بكل خوف وأدب: "ممكن الكورة يا عمو؟".. الكائن رد عليه وقال له "لو عايز الكورة بتاعتك، خرجني من القفص". الولد سمع الكلمتين دول فخاف وجري.
اليوم اللي بعده الولد حاول مع الكائن تاني (مع أنه ابن ملك يعني وأبوه ممكن يجيب له مليون كورة غيرها بس نقول إيه!) والكائن طلب منه نفس الطلب. في اليوم الثالث الولد قال له "بس أنا معيش مفتاح القفص علشان أخرجك أصلاً"، فالكائن رد عليه بكل خبث "المفتاح موجود تحت مخدة مامتك الملكة".
الولد جري على حجرة الملكة وأطمن أنها مش موجودة وأخد المفتاح من تحت مخدتها ورجع فتح للكائن القفص، فأعطاه الكورة وأخد بعضه ومشي. الولد نده عليه "استنى يا عم أنت رايح فين! بابا وماما لما يرجعوا ويكتشفوا أني فتحت لك القفص هيشعلقوني".. الكائن قال له "تحب ترجع معايا الغابة؟"
وقبل ما الولد يرد راح مكمل "بس خد بالك، لو قررت تيجي معايا مش هتشوف أهلك".. واضح أن الولد مكانش طايقهم وما صدق وقال له يالا بينا يا عمو الكائن.
الكائن قال للولد "من هنا ورايح ناديني بهانس الحديدي" وقام لفحه على كتفه وانطلقوا ناحية الغابة البرية.
أول ما وصلوا الغابة هانس أخد الولد لينبوع مياهه صافية كالزجاج وطلب منه يقعد جنب الينبوع يحرسه ويتأكد أن مفيش حاجة هتقع فيه، الولد استغرب أوي من الطلب بس وافق. مر اليوم الأول بسلام، بس اليوم الثاني صباع الولد ابتدى يوجعه (كان عوره وهو بيحاول يفتح القفص لهانس)
فبكل براءة وبدون تفكير نزّل صباعه في المياه، وأول ما طلعه لقى أن صباعه أتحول لذهب! هانس رجع أخر اليوم وسأل الولد "كله تمام؟" الولد من خوفه خبى صباعه ورا ضهره وقال له إن كل حاجة تمام، بس هانس فقسه وعرف بموضوع صباعه وقال له "هسامحك المرة دي، بس لازم تاخد بالك بعد كده"..
اليوم اللي بعده والولد قاعد سرحان وبيهرش في شعره، شعرة من رأسه وقعت في الينبوع واتحولت لشعرة ذهبية. نفس السيناريو اتكرر تاني وهانس سامحه للمرة الثانية بس قال له "لو الموضوع اتكرر للمرة التالتة أنا هضطر أطردك من الغابة"..
في اليوم اللي بعده مر وقت طويل والولد قاعد نفس القعدة السودا دي فزهق وقعد يسلي نفسه بأنه يتفرج على وشه في مياه الينبوع لحد ما سرح في انعكاسه وشعره كله وقع من على ضهره في المياه وفجأة شعره كله أتحول لذهب!
الولد أتخض ومبقاش عارف يعمل إيه غير أنه ربط قماشة على دماغه، فهانس لما رجع سأله "إيه الهبل اللي أنت لابسه ده" وشد القماشة من على دماغه.
المرة دي هانس الحديدي ماسامحش الولد وقال له "مش هينفع تقعد معايا بعد النهاردة، لازم تخرج من الغابة وتشق طريقك كفتى فقير.. بس لو في أي يوم احتجت أي حاجة تعالى عند طرف الغابة ونادي عليا بأعلى صوتك ثلاث مرات".
الولد خرج من الغابة وهو مش عارف يروح فين ويجي منين.. وفضل ماشي زي المساكين لحد ما وصل لمملكة مجاورة وقعد يطلب من الناس يشغلوه معاهم، كل الناس رفضته ما عدا طباخ الملك اللي كان محتاج شيال يساعده. الولد قعد فترة يشتغل في المطبخ الملكي،
وفي يوم الطباخ اتزنق في خادم يخرّج الأكل للملك وطلب من الولد يخرّجه بنفسه. الولد وهو بيحط الأكل على الطاولة الملكية، الملك سأله بغضب "إيه اللي أنت لابسه على دماغك ده يا زفت! أنت مش عارف أن ماينفعش تلبس حاجة على دماغك قدام الملك!" الولد أتلجلج ومبقاش عارف يقول إيه فراح رادد
"أنا آسف يا مولاي، بس أنا عندي مرض جلدي في شعري وعلشان كده رابطه".. الملك أول ما سمع كده اتعفرت ونده على الطباخ: "تعالى يا هباب البرك، جايب لي واحد جربان يشتغل في المطبخ ويقدم الأكل بتاعي؟؟ الولد ده لازم يمشي فورًا!" وفعلاً الطباخ اضطر يطرد الولد،
بس لحسن حظه الجنايني شاف اللي حصل وصعب عليه الولد وعرض عليه يجي يشتغل معاه.
الولد قعد كام سنة يشتغل بكل جد واجتهاد في حديقة القصر وفي يوم من الأيام وهو مندمج في الشغل القماشة وقعت من على دماغه، مين بقى شافته من شباك غرفتها؟ ابنة الملك.
وهو بيربط القماشة على رأسه، سمع صوت الأميرة بتطلب منه يختار لها شوية ورد ويطلع بيهم لغرفتها. عمل كده فعلاً واختار لها باقة من الزهور البرية، الجنايني لما شافه قال له "إيه ده هتاخد للأميرة دول؟ خد لها حاجات سيكي ميكي كده مش زهور برية، دي أميرة يابني!"
فقال له "لأ بالعكس الزهور البرية بتعيش أطول وريحتها أقوى" (وناخد بالنا من الحتة دي).
أول ما الولد طلع لغرفة الأميرة بصت له بخبث وطلبت منه يخلع القماشة من على رأسه، الولد رفض بشدة بس الأميرة مسكتها بالعافية وشدتها ولما شافت شعره الذهبي الخلاب ابتسمت،
الولد رجع القماشة تاني على دماغه وهو ماشي الأميرة أعطته ثلاث عملات من الذهب. الولد أخد العملات الذهبية وأعطاهم لأبناء الجنايني يلعبوا بيهم. تاني يوم أتكرر نفس الطلب وحاولت تشد القماشة بالعافية بس هو قاومها، وهو خارج أعطته ثلاث عملات من الذهب. اليوم الثالث رفض ياخد منها الذهب أصلا
ساعتها قامت حرب في المملكة والولد انتهزها فرصة لإثبات جدارته وشجاعته (وبرضه يخلص من الأميرة اللي كل يوم عايزة تتحرش بشعره دي)، بس للأسف الجنود رفضوا يدوه حصان وياخدوه معاهم، فجري على طرف الغابة البرية ونده بأعلى صوته "هانس الحديدي.. هانس الحديدي.. هانس الحديدي"..
بعد شوية ظهر هانس والولد قال له عايز حصان قوي يروح بيه الحرب، فهانس قال له "بس كده؟" وغاب شوية ورجع بحصان مهيب وكتيبة كاملة من الجنود الأشداء (محدش يسألني جابهم منين)! الولد ركب حصانه وقاد الكتيبة لساحة المعركة ونزل على الأعداء هتتك بتتك عينك ما تشوف إلا النور.
جنود الملك رجعوا المملكة منتصرين بس حكوا للملك عن الفارس الغامض اللي انضم لصفوفهم فجأة وكان السبب في الانتصار، الأميرة السوسة كانت قاعدة وسمعت الكلام ده وقالت للملك فكرة: "إيه رأيك يا بابا نعمل مسابقة للفرسان – قال يعني احتفالاً بالنصر وكده – واللي هيفوز فيها هبقى زوجته..
أنا متأكدة الفارس الغامض ده هيشترك فيها"، الملك عجبته الفكرة وأعلن عن المسابقة. الولد أول ما سمع عن المسابقة جري لهانس الحديدي تاني وطلب منه المساعدة علشان ينتصر على الفرسان الآخرين. هانس أعطاه درع لونه أحمر وحصان لونه أحمر،
وفي اليوم الأول للمسابقة الملك رمى تفاحة ذهبية في ساحة القتال وقال للفرسان اللي هيحصل عليها هو الفائز. الفرسان نزلوا في بعض ضرب وهربدة لكن الفارس الأحمر انتصر عليهم كلهم وأخد التفاحة وجري.
تاني يوم الملك رمى تفاحة ذهبية أخرى وقعد الفرسان يتقاتلوا عليها لحد ما ظهر فارس لابس درع أبيض في أبيض على حصان أبيض وقضى على الفرسان كلهم وأخد التفاحة وجري. الملك جمع الحراس وقال لهم:
"مابدهاش بقى! بكرة أخر يوم في المسابقة وعايزكم تجروا ورا الفارس اللي عامل فيها رقاصة في فرح بلدي ده وكل يوم يجي بدرع وحصان لون!" وحصل فعلاً، الولد في اليوم الثالث دخل المسابقة بدرع أسود على حصان أسود وكالعادة انتصر على الفرسان وأخد التفاحة وجري..
جنود الملك فضلوا يجروا وراه وواحد منهم أصابه فوقعه من على الحصان والخوذة بتاعته وقعت من على رأسه والجنود شافوا شعره الذهبي الخلاب وانبهروا من المنظر، بس الولد كان أسرع منهم وركب على حصانه تاني وهرب.
الجنود لما رجعوا وحكوا للملك والأميرة على الفارس وشعره الذهبي، الأميرة قامت وقالت "باااااس!" وراحت جري على الجنايني وطلبت منه الولد اللي بيشتغل معاه، قال لها إنه هيبعته أول ما يشوفه لأنه بقاله كام يوم بيغيب فترات طويلة وبيرجع معاه تفاحة ذهبية بيديها للأطفال يلعبوا بيها.
الولد أول ما دخل على الملك، وبحركة درامتيكية مبررة، الأميرة راحت شدت القماشة من على رأسه وانسدل شعره الذهبي وشهق كل من كان في القاعة. الولد اعترف أنه هو الفارس اللي انتصر في المسابقة وهو كمان نفس الفارس اللي انتصر على أعداء المملكة في الحرب،
وأنه أصلاً ابن ملك ومش محتاج لا فلوس ولا ذهب. الملك قال له "بس أنا مديون لك يابني، تطلب مني إيه؟" الولد قال له بكل ثقة "جوزني بنتك".. الأميرة أول ما سمعت قامت من مكانها وراحت باسته (مابتضيعش وقت).
وعمّت الفرحة البلاد والولد قدر يوصل لوالده ووالدته وعزمهم على الفرح،
وفي وسط السعادة والزأططة دي دخل عليهم رجل كبير في السن بس له هيئة الملوك وبحاشية ملهاش أول من أخر.. الرجل اقترب من الولد وحضنه وقال له "أنا هانس الحديدي.. أنا كنت ملعون بس اللعنة أخيرًا اتفكت ورجعت لهيئتي الأصلية وأنت السبب يا ضنايا"..
وتوتة توتة خلصت الحدوتة.
جزء مني أُحبط شوية من نهاية القصة، اللي هو استنى يا حاج إسماعيل! هي كانت إيه اللعنة أصلاً؟ وليه؟ والولد فكها إزاي؟
قبل أي حاجة، من المعلومات المهمة اللي محتاجين نعرفها عن القصة دي أنها لما نُقلت للإنجليزية تُرجمت لـ "جون الحديدي" “Iron John”
وده لأن جون من أكثر الأسماء انتشارًا في البلاد المتحدثة بالإنجليزية زي ما هانس منتشر في البلاد المتحدثة بالألمانية (هنرجع للنقطة دي تاني)، ومن أهم أسباب شهرة القصة في العصر الحديث أن الكاتب الأمريكي روبرت بلاي Robert Bly
كتب عنها كتاب عام 1990 اسماه "جون الحديدي: كتاب عن الرجال" Iron John: A Book About Men وحلل فيه القصة من منظور مثير للجدل شوية، وبرضه هنرجع له تاني.
بسهولة نقدر نشوف أنها قصة عن النضج، أو كما يُقال بالإنجليزية coming-of-age story، قصة بترصد تحول البطل من مرحلة الطفولة لمرحلة البلوغ أو النضج الجسدي والنفسي. فكرة أن القصة سُميت على اسم هانس مش على اسم البطل يخلينا نفكر أن هانس الحديدي مش شخصية على قد ما هو وجود معنوي،
أو يمكن جزء من البطل؟ هانس كان عايش في غابة "برية" في بركة "عميقة" بعيدًا عن الأنظار وجلده وشعره الطويل بيوحوا أنه كان مُهمَل.. والانطباع الأول لنا عنه في القصة أنه كائن متوحش، وعلشان كده الملك حبسه في قفص.
الجزء ده من القصة فكرني بقصة قصيرة لكافكا اسمها "طبيب الريف" “Ein Landarzt” بتحكي عن طبيب في الأرياف أهل القرية بيستدعوه بليل علشان ابنهم بيموت، الطبيب بيحاول يدور على حصان يركبه بس مابيلاقيش وفجأة بيخرج من الزريبة المغلقة رجل شكله متوحش وماشي على ايديه ورجليه
وبيساعد الطبيب أنه يوصل للمريض. بغض النظر عن بقية القصة، معظم النقاد شافوا خروج الرجل المتوحش ده من الزريبة المغلقة المظلمة رمز لخروج الجانب غير المتحضر من الطبيب من اللاوعي وسيطرته على الأمور.
خروج هانس من قاع البركة ومن الغابة البرية قد يكون أيضًا رمز لخروج الجانب البري\الفطري للإنسان من مخبأه. ناخد بالنا إزاي الملك فضل فترة مانع الدخول للغابة (اللاوعي) خالص، ولما جيه الصياد الشجاع وخرّج هانس من البركة، الملك حبسه في قفص ومنع أي حد يقرب منه.
روبرت بلاي بيقول لنا إن تصرف الملك ده انعكاس لعصرنا الحالي "المتحضر" اللي فصلنا عن فطرتنا تمامًا وخلاها حاجة ماينفعش نقرب لها، وحتى لو شوفناها لازم نفضل حابسينها وفي الرايحة والجاية نشاور عليها ونقول "بصوا الفطرة اليع اللي احنا سيطرنا عليها دي علشان نبقى حلوين ومتحضرين".
وهنا نفهم ليه القصة سُميت بالاسم ده، لأن هانس مش كائن بعينه، وإنما بيرمز للفطرة الإنسانية ككل. في القصة، هانس بيتوصف كـ wild والكلمة من معانيها "متوحش" بس مش شرط توحش إنسان الغاب طويل الناب،
التوحش هنا المقصود بيه البرية أو الأقرب للطبيعة (نفسي أحود على ملحمة جلجامش بس كده الثريد هيبقى 90 مليون سطر). حاجة كمان، زي ما قولنا اسم "هانس" (أو ترجمته "جون") هو اسم شائع وبيُستخدم للإشارة لأي رجل بشكل شامل، فهانس الحديدي في القصة ملهوش هوية معينة، هو بيرمز لفطرة أي إنسان.
الولد بيقابل هانس الحديدي أول مرة وهو عنده ثماني سنوات، وهو بيقرب من نهاية مرحلة الطفولة. ودي المرحلة اللي بيحاول فيها الطفل الانفصال عن الأم وقطع التعلق الطفولي بها، وعلشان كده مفتاح القفص كان تحت مخدة الأم..
بعد ما الولد بيخرج هانس من القفص بيدرك أنه علشان يفهم الجانب البري أو الفطري ده أكتر لازم ينفصل عن القصر، الفقاعة المريحة المألوفة له.
نرجع ونقول تاني هانس مش همجي ولا متوحش والدليل على كده أن أول ما رجع الغابة مع الولد وضعه في اختبار صبر وقوة تحمل،
كأنه بيعده من خلال الاختبار ده أنه يكون إنسان ناضج متحمل للمسئولية. الولد بيفشل في الاختبار على مدار ثلاثة أيام وده لأنه لسه حبيس تفكيره النرجسي (طبيعي، كل الأطفال كده)، وكل مرة وقّع حاجة في المياه كان بيبقى علشان مشغول بنفسه.
الولد فشل في الاختبار وعلشان كده هانس سابه يدخل في الاختبار الثاني لوحده. الولد تحمل المسئولية شوية لما ساب هانس وابتدى يدور على شغل واشتغل في مطبخ الملك وبعدين في الحديقة، ونقف بقى شوية عند اللي حصل مع ابنة الملك اللي أنا شايفاه الاختبار الثاني في القصة.
ببساطة شديدة الأميرة حاولت تغويه، قد تكون الغواية جنسية والقصة رمزت إليها بموضوع شدها لغطاء شعره ده، أو ممكن تكون غواية مادية بالذهب اللي كانت بتديهوله كل مرة، أو الاتنين! أو ممكن كانت بتحاول تتواصل معاه وخلاص وتعرف قصته وهو كان بيصدها زي القطر.
وتصرف الولد هنا غريب شوية لأنه صد الأميرة وزهد ذهبها (كان بيديه لولاد الجنايني وأخر مرة ماخدهوش أصلاً) مع رفضه التام للإفصاح عن هويته. هل كان مستني حاجة تحصل؟ هل كان مستني فرصه يثبت فيها جدارته كإنسان شجاع مش مجرد ابن ملك أو ولد جميل شعره ذهبي؟
أعتقد هنجاوب على الأسئلة دي كمان شوية. بس اللي عجبني في الاختبار الثاني أن الولد بدأ يفهم أهمية الفطرة وأن الأشياء على طبيعتها أجمل مليون مرة.. وعلشان كده أصر يجمع للأميرة زهور برية لأن دي اللي تأثيرها أقوى من الزهور اللي مجرد شكلها حلو.
وأخيرًا كان الاختبار الثالث اللي تمثل في خوضه الحرب وبعدها المسابقة وفوزه في الاتنين.
الثلاثة اختبارات دول هم المراحل اللي كان لازم يمر بيها الولد علشان يوصل لمرحلة النضج السليم. في المرحلة الأول كان منشغل بنفسه وحرفيًا "نط" في الإغراءات المتمثلة في الينبوع الذهبي،
المرحلة الثانية رفض الإغراءات (العملات الذهبية والأميرة) تمامًا وزهدها، أما المرحلة الثالثة فالولد لا استسلم للإغراء ولا زهده تمامًا، إنما عمل جاهدًا علشان يحصل على ما يستحقه (التفحات الذهبيات والأميرة).
حد ممكن يقول لي عمل جاهدًا إيه بس!
ده كان بيروح كل شوية ينده على هانس يديه اللي هو عايزه. كلام سليم، بس احنا اتفقنا في الأول أن هانس في القصة مش كيان مادي مستقل بذاته وإنما جزء من الولد نفسه، فكون الولد يروح له كل شوية طلبًا للمساعدة فده معناه أنه بيستمد قوته وشجاعته من الجانب الفطري المتأصل بداخله.
ومن هنا نشوف أن الاختبارات دي مكانوش اختبارت على قد ما هم مراحل لازم يمر بيها الإنسان للوصول للفطرة السليمة اللي بتقول لنا إننا ماينفعش نستسلم للإغراءات تمامًا ولا ينفع برضه نزهدها تمامًا ونحرم نفسنا من كل حاجة، الطريق الصحيح أننا نتعب علشان نوصل للحاجة المستحقة.
الموضوع زي الفلوس، ممكن حد يستسلم للإغراء ويمد إيده في جيب اللي جنبه دون اعتبار لأي حاجة علشان بس هو عايز ده. حد تاني ممكن يقول ملعون اللي عايز فلوس ويروح يعيش في كرتونة تلاجة. حد تالت هيتعب ويستخدم قوته البدنية أو الذهنية علشان يحصل على ما يستحقه من فلوس (ده طبعًا لو مفيش تعويم)
اللي لفت نظري كمان الثلاثة ألوان اللي استخدمهم الولد في أيام المسابقة: الأحمر، يرمز للاندفاع والتهور وده اللي حصل في أول اختبار/مرحلة. الأبيض، يرمز للبراءة والطهر والزهد، وده اللي حصل في ثاني اختبار/مرحلة. الأسود، يرمز للنضج والحكمة والقوة، وده اللي حصل في ثالث اختبار/مرحلة.
الثلاث مراحل دول ممكن برضه يعبروا عن علاقة الإنسان بالمعرفة. في المرحلة الأولى الإنسان بيتعرف على نفسه، ودي المرحلة اللي وصفها عالم النفس الفرنسي جاك لاكان Jacques Lacanبـ "مرحلة المرآة" وفيها الطفل بيشوف نفسه في المرآة وبيبقى مهووس بيها،
وده اللي حصل في القصة لما الولد سرح في انعكاسه في مياه الينبوع اللي كان صافِ كالزجاج. المرحلة الثانية من المعرفة اللي بيمر بيها الإنسان هي معرفة الآخر، وهنا تمثلت في مواجهة الولد للأميرة، واضح أنه كان منجذب ليها بس في نفس الوقت مكانش عايز يفصح عن نفسه لها،
وده سبب معظم مشاكلنا مع الآخرين. المرحلة الثالثة من المعرفة هي المعرفة بمعناها المجرد.. معرفة كل شيء. رمزية "التفاح" الذهبي ماينفعش تعدي مننا كده.. اتكلمنا قبل كده إزاي أن التفاح بيرمز للمعرفة، أو تحديدًا فتنة المعرفة (قصة الشجرة المحرمة وأسطورة أتالانتا وغيرهم).
الولد نجح في الحصول على الثلاث تفحات بس ما اتهوسش بيهم وأعطاهم للأطفال واستخدهم كوسيلة لمعرفة نفسه وإثبات جدارته.. ابتدينا الرحلة بمعرفة النفس وانهيناها بمعرفة النفس. وعلشان كده الولد ما أفصحش عن هويته الحقيقة غير في الأخر خالص بعد ما مر بالثلاث مراحل--
القصة ابتدت والولد أمير وغني ومنعم بالوراثة، وانتهت وهو أمير وغني ومنعم عن جدارة.. شتان ما بين معرفتك لنفسك من خلال التلقين ومعرفتك لها من خلال السعي.
ومن هنا نفهم النهاية الغريبة للقصة: في اللحظة دي تحديدًا اللعنة اتفكت، ورجع هانس يعيش في تناغم في النور مع الولد.
نرجع لروبرت بلاي وكتابه. بلاي واجه العديد من الانتقادات لأن تفسيره للقصة كان ذكوري بحت، فهو شايف أن الولد ده هو الرجل المعاصر اللي فقد التواصل مع نموذج الأب أو زعيم القبيلة (هانس) واللي كان دوره ياخده من أمه في رحلة لاكتشاف رجولته وفطرته من خلال مجموعة من الطقوس.
بلاي شايف أن اللي بتعمله المجتماعات البدائية من طقوس مهم جدًا لدخول الطفل مرحلة النضج والرجولة الحقيقية وأن المجتمعات الحديثة – اللي الأب فيها بيترك تربية الابن لمؤسسات خارجية – مابتطلعش رجال حقيقيين (هو اللي قال والله مش أنا!) على تواصل مع فطرتهم السليمة.
وبرضه إحقاقًا للحق بلاي شايف أن الرجولة الحقيقية مش في اللجوء للعنف والتوحش زي ما بعض الحركات الذكورية بتعتقد، وشايف أن الذكورية العنيفة دي هي كمان نتاج لغياب نموذج الأب والفطرة السليمة.
وسواء شفتم هانس كرمز للرجولة أو الفطرة أو السبانخ باللحمة، دُمتم في سعي لأنفسكم.

جاري تحميل الاقتراحات...