بسام الهويمل
بسام الهويمل

@bhoymal

26 تغريدة 27 قراءة Jan 19, 2024
كان لديّ قط أسميتهُ بلاكي. أسود بالكامل مثل نمِر اختَلَطت جيناته. جاء به صديق على سبيل الإهداء، فكان أحبّ هدية تلقّيتها بعد كرتون الكتكات الذي أعطتني أيّاه أمي وأنا بعد في الصف التمهيدي، حين حفظت آية الكرسي. هذا الكتكات لا يختلف عن خبز أم محمود درويش من جهة الحنين إليه أبداً.
دخلَ طوقي في شهره الثاني، واستسلم لنداء الآخرة ولم يكمل عامه الثاني، دعسته سيارة كما شقيقه، فغدوا ضحاياً للبشر.
كان يشعر بوحشة. حين دخل بيتنا أول مرة تخفّى في زاوية، تحديداً، أسفل كومة حديد. دفرنس و أذرعة وما شابهها.
بعد ذلك عرف طريقه واتجه إلى المكتبة، إلى بيتنا الذي في بيتنا.
قالت أمي:إنه أشبه مخلوقات الله بك. لم نكن نُحب كثرة الحديث، ولا الأطفال ولا المزاح، ولا الإضاءات المرتفعة، ولا أنكَر الأصوات. كان يليق بنا أن نسكن قبو، وأن مارس الوظائف التي تكون في جهة الصادر والوارد، أو في المستودعات، في وردية مسائية، نهرب قبل أن نتسمم بالوجوه الكادحة صباحاً.
نصحوا معاً في الثانية ظهراً،أو في الثالثة، مثل أبناء الذوات،الأثرياء، سُكّان القصور. لم أجده في يوم نهض قبلي وغادر فراشه!
ثم نفترق ليأخذ كل منا احتياجه. نمنح بعضنا مساحة من هدوء،لنعود بأفئدة لم يُثقلها ملل تكرار النظر في الوجوه والطِباع. لقد منحني بعفويته حرية لم أجدها بين البشر.
يبدأ يومنا بعد صلاة العشاء. نقرأ معاً، ونشاهد الأفلام والمسلسلات. كان معجباً بأداء الفأر الطباخ في فيلم Ratatouille وبأداء Monica Bellucci في فيلم Malèna خاصة حين تهادت في الساحة أمام الأنظار!
صفّق لها، وطالبني مراراً بإعادة المشهَد.
لم يطمئن إلى أفلام ديزني، ويراها موجَّهَة.
في أحايين..نُقطِّع المساءات بسماع الموسيقى. لم نكن نحب الموشّحات وهذه الأنغام المخنّثة. كنا نحب ابن سعيد، وحمد الطيار وعبدالله السالم، وسعد الفهد.
نُنصِت إلى الصوت والنغم، ونبكي. لم يكن بكائنا دموعاً، بل أفكاراً. سيل من الشذرات الفكرية. آراء..آراء..آراء، عنيفة ورخوة، أو كارثيّة.
بمرور الوقت، أصبح يُحبّ الشاي. أحضرت له إناء من زجاج هندي وسكبت له من راح المثقّفين، أخرج لسانه وشرع يلعق بلذّة.بين رشفة وأخرى، ينظر إليَّ ثم يُغمض عينيه تعبيراً عن امتنانه. شعرت أنه يقول لي عبرَ نظَراته:يا أخي والله أنت فاهم!
لم يكن يتأذى من رائحة البخور،حين يتنشر في الأرجاء.
وحين أنسى عادة تبخير المكان لسبب لا أعرفه، أجده بالقرب من المدخنة يتشمَّم قاعها، كأنه يُذكّرني بضرورة تجديد الروح وتحسين المزاج. عطره المفضل SERGE LUTENS FEMINITE DU BOIS يلتفّ حوله ويضمّه بذيله حتى يقع، ثم يحشر أنفه الجميل في الثقب الذي يبعَث الرذاذ. نحن نعيش في عالم موازٍ.
كان على وفاق مع من هم في البيت. أمي و زوجتي والأولاد والخادمة. لا يهجم ولا يخدش ولا يتمسكن. لم يدّعي أُلفة أحد. لديه أنفة يتيم، و موهبة تخلٍّ حقيقية. كان أكبر من سنّه. قطط في عمره، تلعب فوق الأرصفة والبيوت، تقفز هنا وهناك، بينما هو مشغول بالتطواف بين كتب الأدب و كتب الشريعة.
حين أراه مضطجعاً، ملقياً رأسه بين يديه، أشعر أنه عاشق. يذكرني ببطل غوته في قصة آلام فارتر. أتصوّر أن لديه هموم تجاه أمة ما من الأمم، داهمها محتلّ، شرّدهم و قتّلهم، ولم يجدوا ناصراً. في طفولتي كنت مثله. أسهر أمام الراديو أستمع خالد عبدالرحمن، وأنا أشتاق إلى شيء لا أعرف ما هيّته!
لكم تأذّى من أفظاظ البشر. أنشر له صورة فيقول المشاهد لها:بسم الله، أعوذ بالله!
يظنون أنه من الجن. أمي كانت تلطّف عبارتها، فتقول:من أهل بسم الله. المسكين كان يعلم معنى هذه التورية جيداً.
قال لي مرة:يا وصخ(ينطقها بالصاد)إياك أن تنشر لي صورة في المستقبل، لقد سئمت تكاليف الحياة.
قال:إنهم حين يرون حصاناً إنجليزياً أدهماً يستعرض بذيله ولمعان شعره وبياض غرّته، يقولون:يالله، سبحان الخالق. وما بين قوائمه بطول ذراعٍ، يتدلّى. لم يكترث لهم، و أولئك يصفّقون له!
الفهود، والغربان، والدببه، والجواميس، والحيتان، جميعهم سود، لماذا لم يجرّوهم إلى الإبليسيّة؟.. تباً.
فجأة..ضاع!
اختلفت مواعيدنا في أيام رمضان الأولى ولم نتقابل. أراد أن يتسوّر فوقع في فناء الجيران، وهؤلاء كانوا في مكّة يؤدّون العمرة. يا لهذا الحظ العاثر. نشرت صورته وبياناته. طالبت أهالي السويدي الغربي بالبحث عنه. لم أكن أعلم مكانه ولم يصدر صوتاً!
لقد أصبح مشهوراً،كلٌ تعاطف معه.
حين وجدته، كان يلهث بشدّة. لم يتذوّق الطعام و الماء مدة ٧٢ ساعة. أدخلته وقرأت عليه المعوّذات وآية الكرسي، وأنا أكاد أبكي من الفرح والحزن على حاله.
قلت:أحقاً عدت؟
قال:هل ستقلبها فيلم هندي؟ هل هذا وقته؟ إنني جائع وجسدي متّسخ، ولم أنم منذ ليلتين، لدي رهاب النوم في الأماكن الجديدة!
أخبرني صديق سوء، من أهل الجنّة، أن القط دخل في مرحلة البلوغ،ويحتاج إلى أنثى.
تطوّع و أحضر له عروس بيضاء شعرها طويل، لها مخالب ملوّنة. جاءت اللعينة وهي تحمل أمراضاً معدية. انسلّ حاله. سعال. دموع. فطريات. هزال مروّع. أخذتُ السافلة ورميتها في مكان يعتني بالقطط لوجه الله، بلا مقابل.
ذهبنا به إلى عيادة. قال الطبيب:"لديه سلّ عنيف،وتسمم في الأوعية الدموية.علاجه مكلف". قلت(ولم يكن معي سوى ٨٠٠ ريال):عالجه. مزقت الإبر جسده. لم يقاوم. أخذ ينظر إليّ نظرة الموت. ذكرى ما قبل التوديع، وقلبي يتفطّر. وضعوه في غرفة زجاجية، كالتي يوضع فيها الأطفال بعد الولادة لسوء حالتهم.
لم أحتمل. خرجت إلى المحاسب. قال لي:تكلفة العلاج ١١٠٠ ريال. دفعت وكلّي أمل في تعافيه. قال لي الطبيب بعد أن ابتلع المال:"لن يُكتب له العيش إلا ساعات معدودة".
كان محتالاً،لم يكن طبيباً. لديه خبث نادر. عرف كيف يستلّ المال من جيبي بألعاب العواطف،وأن من موجبات الحضارة العناية بالحيوان.
أذكر أن بلاكي أراد أن يتواصل معي وهو خلف الزجاج. رفعت الحاجز بيدي. قال لي:"ما الذي أصابني؟ ما الذي أخبرك به الطبيب وأخفيته عنّي؟! أأنا مصاب بفايروس كبد،أم بالإيدز وسيستأصلون على إثره خصيتيّ!".
قلت له:"أذكر الله.. داء عابر،يقع على القطط، يمر بسلام".قال:"والله لا أراك إلا كاذباً".
اتصلت بمن لديه اهتمام بالقطط وعلاجها. وصف لي علاجاً لا تتجاوز قيمته ٦٠ ريالا، فكتب الله الشفاء على يديه. هذا الطبيب الكاذب أمر بعدة تحاليل لم أُجريها أنا الإنسان في حياتي. إنها ليست فيتامين دال وجيم وأوميجا ثري. بل أوسع من ذلك، شيء يشبه تحليل كل عرقٍ في جسد القط، دون مبالغة.
حل موسم التزاوج. هذا الفحل شرع في المواء بصوت مرتفع، وفي داخل حنجرته صوت شبيه بصوت فحول الإبل في بدايات برودة الأرض. هو في عيني لا يختلف عن الأزهر، ومعدّيان بعير هديّان بن سالم. كل قرد في عين أمّه غزال، وكان بلاكي قردي المقرّب إلى روحي! ولله في خلقه شؤون.
استسلمتُ لرغباته، كما استسلم يعقوب لذريته بأخذ يوسف عليه السلام. لم استطع منعه من لذائذ الحياة وأصل البقاء. أحسست بندم، ووخز في الضمير. جرى خلف هذه وتلك. بيضاء، مرقّعة، مموّهة. كان مثل موظف جمارك أصيل، أمام رصيف المنزل. لا تمر إحداهن إلا برسمٍ معلوم. دمغة لازمة. توقيع إداري!
حلت كارثة.دعسته سيارة في نهاية يوم عمل.تطوّع أحد الحمقى برميه في القمامة!
لعنك الله..
من أمرك برميه؟ ألم تعلم أن شقيقه قد دفنّاه في جنازة مشهودة في أرض مملوكة لنا، ووضعنا النُصُب؟
لله ما أخذ ولله ما أعطى. حزنت لوفاته. لميتتهِ بهذه الطريقة البشعة. لم يتسنّى لي توديعه. ذهب في صمت.
قلت له مرة وأنا أدّعي الحكمة،محاولاً اصطناع حدث:احذر الأنثى.
قال:كيف يبو عبيّد؟
قلت:أنت يتيم،ولست تحمل شهادة جامعية. أسود لونك،في مجتمع عنصري قذر. بِلا دراهم. رأس مالك هذه الثقافة والكتب،والألحان التي نكتبها على النوتة،نتغنّى بها في ساعات عذاباتنا الروحية. أنعش خيالك. عش بداخله.
لم يستمع صوت التجربة. أخذ يترنّح كالمخمور في سكك السويدي يبعثُ رسائل إعجاب إلى قطط مجهولة الهوية. وددت لو أنني أخذت من سنين تجاربي ودسستها في جمجمته. يعزّ عليّ أن يهلك في أثر لذّة لحظية. ومع أنه قرأ برديائيف،وهنري ميلر،ودوستويفسكي، عن المخالطة،إلا أنه لم ينتفع. حُجِبَ عنه المغزى.
هأنذا وحدي،بين أربعة جدران مغلفة بالكتب والغبار.أحيا على الصورة وذكراها.
صورة مع قط.صورة مع قرد.صورة مع فيل بريء له هيبة.صورة مع عنز. صورة مع فحل مجهم غرابي في بلدة القصب.لم أجد لي صورة مع إنسان يستحق أن أُبروزها لأنظر إليها.الآخر هو الجحيم كما يقولون.احذر أن تكون في صورة مع بشر.
ينكسر قلب الفرح في غيبتك
ألف شي وشي يسألني عليك!
والثواني اللي تدق بساعتك
تشبه النبضة في صدري تبيك.
كيف أكمّل عمري الباقي بلاك
وين أبي ألقاك لو هالشوق فاض.
ما أبي أسكت لكن ويش أقول؟
هذا أمر الله ولا فيه اعتراض..
كلها لحظات.

جاري تحميل الاقتراحات...