المصحف | فيديو
المصحف | فيديو

@Quran__Video

25 تغريدة 7 قراءة Jan 09, 2024
#ثريد عظيم عن " معركة الزَلَّاقَة "
ظلَّت الأندلس فترة من الزمان تحت حُكم الخلافة الأموية منذ أن فتحها المسلمون في عهد الوليد بن عبد الملك ، وبعد سقوط دولة الأمويين أسس عبد الرحمن الداخل خلافة أموية بالأندلس استمرت قرابة ثلاثة قرون ،
ثم انقسمت إلى دويلات وأقاليم صغيرة ، وانفرد كل حاكم بإقليم منها ، فيما عرف بعد ذلك بعصر ملوك الطوائف ، وانشغل الحكام بعضهم ببعض ، واشتعلت بينهم النزاعات والخلافات ، مما أغرى بهم عدوّهم من الأسبان النصارى الذين كانوا يتربصون بهم الدوائر.
فسقطت طُليطلة التي كان يحكمها بنو ذي النون في يد ألفونسو السادس ملك "قشتالة" ؛ وفي الوقت الذي كان فيه ملوك الطوائف منقسمون على أنفسهم ، يتآمر كل واحد منهم ضد الآخر ، ويستعين بالنصارى ضد إخوانه من أجل الحفاظ على ملكه وسلطانه ، كان النصارى قد بدؤوا في توحيد صفوفهم والاجتماع على كلمةٍ سواء ، من أجل هدف واحد وهو القضاء على الوجود الإسلامي في بلاد الأندلس.
وبعد استيلاء ألفونسو على "طُليطلة" أصبح مجاورًا لمملكة "إشبيلة" التي كان يحكمها المعتمد على الله بن عبَّاد ، وكان ملوك الطوائف يدفعون لألفونسو الجزية عدا المتوكل على الله بن الأفطس ؛ وفي سنة من السنين عندما أرسل ألفونسو وفدًا بقيادة رجلًا يهوديًا ليأخذ الجزية من المعتمد بن عبَّاد ،
رفض تسلُّمها بحُجَّة أنها من عيار ناقص ، وهدَّد المعتمد بن عبَّاد بأنه إذا لم يُقدم له المال من عيار حسن فسوف تُحتل مدائن "إشبيلية" ؛ فضاق المعتمد ذرعًا باليهودي فأمر بصلبه ، كما أمر بسجن أصحابه.
بلغ الخبر ألفونسو السادس فازداد حنقًا وغيظًا ، فجهز جيشًا وأغار على حدود "إشبيلية" وحاصرها ثلاثة أيام ، وفي أثناء ذلك أرسل للمعتمد بن عبَّاد رسالة يتهكم فيها ويقول فيها : "كَثُرَ بطول مقامي في مجلسي الذباب ، واشتدَّ عليَّ الحرّ ، فأتْحِفْني من قصرك بمروحة أُروِّح بها عن نفسي وأطرد بها الذباب عن وجهي" ،
فأخذ المعتمد الرسالة وكتب على ظهرها : "قرأت كتابك ، وفهمت خُيلاءك وإعجابك ، وسأنظر لك في مراوِح من الجلود اللمطية تُروِّح منك لا تروح عليك إن شاء الله تعالى" (لَمْطَةُ: أرضٌ لِقَبيلةٍ بالبَرْبَر) ، وقيل أنه كتب : "لأرسلن لك مروحة من المرابطين" ؛ فارتاع (فَزِع وخاف) ألفونسو السادس لذلك وفهم مقصود الرسالة ، ثم ترك الحصار ورجع.
عزم المعتمد بن عبَّاد على الاستعانة بدولة المرابطين وأميرها يوسف بن تاشفين ، فاجتمع بأمراء الطوائف وعرض عليهم الأمر ، ولكنهم أبدوا تخوفهم من أن يسيطر ابن تاشفين على البلاد ، فقالوا له : المُلْك عقيم ، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد ؛ وقال له ولده : يا أبتِ أتُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا ، ويبدّد شملنا ؟ ؛
فقال المعتمد : أي بني والله لا يسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى فتقوم اللعنة عليّ في الإسلام مثلما قامت على غيري ، وقال : يا قوم إني من أمري على حالتين : حالة يقين وحالة شك ولا بد لي من إحداهما : أمَّا حالة الشك : فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش (ألفونسو) فيمكن أن يفي لي ويبقى على وفائه ، ويمكن ألا يفعل فهذه حالة شك ،
وأمَّا حالة اليقين : فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله ، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى ، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه ؟ ، ثم قال كلمته المشهورة التي سجلها التاريخ : "رعي الجمال عندي والله خيرٌ من رعي الخنازير".
وافق ابن عبَّاد على رأيه كلٌ من : (المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس ، عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة) ، فأصبحت إشبيلية ، وبطليوس ، وغرناطة ، ثلاث حواضر إسلامية ضخمة في الأندلس متفقة على الإستعانة بالمرابطين.
وفي عام أربعمائة وتسعة وسبعين للهجرة ، الموافق عام ألف وستة وثمانين للميلاد ، يستقبل الأمير يوسف ابن تاشفين الوفد الذي جاء من الأندلس ، ليطلب منه العون في وقف هجمات النصارى عليهم ؛ فأجاب ابن تاشفين النداء ، وقال : "أنا أول مُنتدِب لنُصرة هذا الدين" ؛ ولمَّا علم ألفونسو بتحرك ابن تاشفين كتب إليه يهدّده ويتوعّده ، فرد عليه ابن تاشفين بقوله : "الذي يكون ستراه".
لبث ابن تاشفين في "إشبيلية" ثمانية أيام يرتّب القوات ويعدّ العدّة ، وكان مكثرًا من التعبّد والصيام والقيام وأعمال البرّ ، ثم غادر "إشبيلية" إلى "بطليوس" ، وكان ألفونسو في أثناء ذلك مشغولًا بقتال ابن هود أمير "سرقسطة" ، فلمَّا بلغه الخبر استنفر الصغير والكبير للقتال ، ولم يدع أحدًا في أقاصي مملكته يقدر على القتال إلا استنهضه ، وتجمع النصارى من شمال : (إسبانيا ، وفرنسا ، وألمانيا ، وإيطاليا) ، معهم القساوسة والرهبان يحرضونهم على القتال.
وفي محاولة ماكرة لخديعة المسلمين أرسل ألفونسو السادس يُحَدِّدُ يوم المعركة فقال : الجمعة لكم (أي : عيد لكم) ، والسبت لليهود وهم وزراؤنا وكُتَّابنا وأكثر خدم العسكر منهم فلا غنى لنا عنهم ، والأحد لنا ، فإذا كان يوم الإثنين كان ما نريده من الزحف.
تَسَلَّم الأمير يوسف بن تاشفين الرسالة ، وكاد ينخدع بها لأنه كان يعتقد أن الملوك لا تغدر ، إلَّا أن المعتمد بن عبَّاد فهم الخديعة ونبَّه يوسف بن تاشفين إلى ما قد يكون فيها من الغدر.
انقسم الجيش الإسلامي إلى ثلاث فرق رئيسية :
- الفرقة الأولى "فرقة الأندليسيين" : وتضم الجيش الأندلسي وعلى رأسه المعتمد بن عبَّاد ومعه ملوك الأندلس ؛ ابن صمادح صاحب ألمرية ، وعبد الله بن بلقين صاحب غرناطة ، وابن مسلمة صاحب الثغر الأعلى ، وابن ذي النون ، وابن الأفطس ، وغيرهم ؛ كان المعتمد في القلب والمتوكل بن الأفطس في ميمنتها ، وأهل شرق الأندلس في ميسرتها ، وسائر أهل الأندلس الآخرين في مؤخرة هذه الفرقة ، وقد اختار المعتمد أن يكون في المقدمة ويكون أول مَنْ يصادم الجيش الصليبي.
- الفرقة الثانية : جزء من جيش المرابطين على رأسهم داوود ابن عائشة ، وكانت هذه الفرقة خلف الجيش الأندلسي.
- الفرقة الثالثة : جيش المرابطين الرئيسي بقيادة الأمير يوسف بن تاشفين يختفي خلف أحد التلال على مسافة من الجيش ، بحيث لا يُرى هذا الجيش ، فيُظَنُّ أن كل جيش المسلمين هما الفرقتان الأوليان : جيش الأندلسيين وجيش المرابطين الذي يقوده داوود ابن عائشة ؛ وقد أراد يوسف بن تاشفين من وراء ذلك أن تحتدم الموقعة فتُنْهك قوى الطرفين حتى لا يستطيعا القتال ، فيقوم هو ويتدخَّل بجيشه ليَعدل الكِفَّة لصالح صفِّ المسلمين.
وفي يوم الجمعة الموافق الثاني عشر من شهر رجب كان التقاء الفريقين في سهل "الزَلَّاقَة" بالقُرب من بطليوس ، وسُميِّ بهذا الاسم لكثرة الدماء التي وقعت في المعركة ، حتى كان الرجال والخيول ينزلقون ، فقد كانت الأرض صخرية ، وكان جيش المسلمين ثمانيةً وأربعين ألفًا نصفهم من الأندلسيين ونصفهم من المرابطين ، وجيش ألفونسو السادس مائةُ ألف من المُشاة ، وثمانون ألفًا من الفُرسان.
هجم ألفونسو على المعتمد والجيش الأندلسي هجومًا شديدًا وأحاطوا بهم من كل جهة حتى كاد يستأصلهم ، وأظهر المعتمد وأصحابه من الصبر والثبات وحُسن البلاء الشيء العظيم ، فقاتل بنفسه في مقدّمة الصفوف ، وأُثخن بالجراح ، وهلك تحته ثلاثة أفراس كلما هلك جواد قدموا له غيره ، ثم انضم إليه القسم الأول من جيش المرابطين وقائده داوود ابن عائشة ، وكان بطلًا شهمًا فنَفَّس بمجيئه عن ابن عبَّاد.
إلّا أن ألفونسو كان قد قسَّم هو الآخر جيشه إلى قسمين ، فانهال بالقسم الآخر على جيش المرابطين الذي يقوده داوود ابن عائشة بأعداد ضخمة ، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا ، وصبر المرابطون صبرًا جميلًا ، وكانت بينهم مضاربة شديدة تكسَّرت فيها السيوف ، وتكسَّرت فيها الرماح ؛ وهنا بدأ تحرك الجيش المرابطي الرئيسي الذي يقوده ابن تاشفين ، وذلك بعد أن كانت قد أُنهكت قوى الطرفين من المسلمين والنصارى.
قسَّم الأمير يوسف بن تاشفين الجيش الذي كان معه إلى قسمين : فالأول وقائده "سير ابن أبي بكر" في قبائل المغرب وزناتة والمصامدة وغمارة وسائر قبائل البربر ، يساعد جيش المسلمين الذي يقوده داوود ابن عائشة والمعتمد بن عبَّاد ، والقسم الثاني بقيادته هو ومعه باقي قبائل صنهاجة والمرابطين يلتفُّ خلف جيش النصارى ، ويقصد مباشرة إلى معسكرهم ، فأضرمها نارًا وأحرقها ، وقتل مَنْ كان بها من الرجال والفُرسان الذين تركهم ألفونسو ، وفرَّ الباقون منهزمين نحوه ؛
وحين علم جيش النصارى أنهم محاصَرون ارتاعت قلوبهم ، وتجلجلت أفئدتهم ، ورأوا النار تشتعل في محلتهم ، وأتاهم الصريخ بهلاك أموالهم ، وأخبيتهم ، فسُقط في أيديهم (فاشتد ندمهم) ، ورجعوا قاصدين محلتهم ، فالتحمت الفئتان ، واختلطت الملتان ، واشتدت الكَرَّات ،
وعظمت الهجمات ، وقاتل المسلمون قتال من يطلب الشهادة ويتمنى الموت ؛ فأمدَّ الله المسلمين بنصره ، وقذف الرعب في قلوب النصارى ، وهزم الله العدو ، وأتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل اتجاه ، ونجا ألفونسو في نفر من أصحابه عند حلول الظلام ، بعد أن أصابته طعنة في فخذه ؛ وكُتبت للأندلس بسببها حياة جديدة امتدت أربعة قرون أخرى ، بعد أن كانت على موعد مع الفناء.
أنتهي الثريد .
إذا اتممت القراءة صلي علي الحبيب صلى الله عليه وسلم .

جاري تحميل الاقتراحات...