23 تغريدة 6 قراءة Jan 10, 2024
في انتظار القيادة الثورية: البرهان وحميدتي كلاهما لا يقود، بل منساقان وراء قوى لا يستطيعان التحكم فيها.
يثير حديث حميدتي عن القوى الملحقة غير القتالية في جيشه، مأخوذا مع تقلبات البرهان في مواقفه من كل القضايا، مسألة رئيسية في العمل السياسي-الثوري، هي مسألة القيادة. تمثل القيادة علاقة بين الممثلين، بالثاء المكسورة، والممثلين، بالثاء المفتوحة،
أساسها نجاح الممثلين في تلبية الأهداف السياسية والاقتصادية والنفسية لمن يعملون من أجل "تمثيلهم" في المجتمع، بالمقابل يقوم الممثلون، بالثاء المفتوحة، باتباع وانصياع للتعليمات القادمة ممن يمثلونهم، واستبطان الوعي والمسلمات التي تأتي إليهم من ممثليهم.
هذه العلاقة متناقضة. التفويض بالقيادة ليس كليا، بل هو مشروط.
قناعة عنصر المليشيا هي للنهب. وهو يسمح ل"حميدتي" بالقيادة وينصاع لها فقط عندما تتيح له تنفيذ النهب. ولكن قيادة حميدتي تنظر لمسألة النهب بطريقة أخرى، وهو أنها قد تهدد مصالحها على المدى المتوسط والطويل، إذن،
السؤال بالنسبة له هو كيف يحافظ على قناعة الفرد الجنجويدي به كقائد، دون أن يفكك قوته العسكرية، أي دون أن يرفض الفرد الجنجويدي قناعته به كقائد؟
يمكننا أن نستنتج أن قيادة المليشيا ستحاول المزج المعتاد بين الإقناع والسيطرة، بين التعبئة والعنف، لضبط القوة والأفراد الجنجويد.
وملحقا بذلك ستعمل على احتواء الآثار والتبعات السلبية على وضعها السياسي بوسائل إقناع جديدة موجهة للجمهور الأوسع. حسب تصريح الجاك فإن حميدتي يظن أنه لن يكون قادرا على الانتصار في معركة وضع نفسه كقيادة دائمة في رأس المليشيا
إذا استمرت هذه الفئة الجنجويدية دون قمع لأن اقناعها بغير النهب مستحيل ومن الممكن أن تطيح به هو نفسه إن هو عارضها. من سيقمع هؤلاء؟ لا يريد حميدتي أن يقمعهم بصورة جماعية لأنه سوف يفني قواته كلها في نزاع داخلي ينتهي بالاصطفاف على خطوط "القبيلة" و"خشم البيت" سيمتد ارتدادا حتى سنقو.
الحل المفضل لحميدتي هو الوصول لاتفاق سياسي يحفظ له ما حقق عسكريا في صيغة دستورية ملزمة محروسة بالقوات الدولية، يتيح له تفكيك القوات بهدوء بناءا على ما سيقال أنه ترتيبات تكتيكية عسكرية للقيادة، فحتى إذا خسر جزءا من قواته في هذه العملية فسيكون قد حقق أهدافه من ورائها وستكون المكاسب
الجديدة كافة لاحتواء التبعات بالإغراءات المالية والمناصب. الخيار الثاني هو "إفناء"هذه القوات على يد قوة معادية. لا بد أن حميدتي يقول "معليش ما عندنا جيش": كان يتمنى أن تنجح الفرقة الأولى مدني في سحق هذه القوة وتخلصه من وجع الرأس الناجم عن نشاطها، ولكن، يا خسارة!
إسقاط مدني نصر لم يسع له حميدتي، ساقته إليه قوى أطلقها ولكنه عجز عن التحكم فيها، تقوده هي الآن مضمونا، ويقودها هو شكلا، فمن سيغلب في النهاية الشكل أم المضمون؟
نأتي الآن لطابع القيادة عند البرهان. إن القوى المنضوية تحته هي جنود وضباط من بواقي نموذج الجندي-المواطن الموروث عن التقليد الجمهوري، يكون فيه الولاء القتالي لصالح البلاد (بدون تحديد اجتماعي لمضمون هذا الولاء) والانضباط للتسلسل القيادي هو وسيلة تحقيق هذا الولاء.
الانقلابات المتكررة طبعا تنفي فكرة الانصياع للتراتبية الدائمة والراسخة، ولكن دائما ما كان النموذج الجمهوري هو السائد وسط الجيش. بدأت آليات السوق في نخر هذا الإلتزام بتأسيس الصناديق التقاعدية الضخمة والاستثمار في السوق الذي اتاحته الترتيبات النيوليبرالية في التسعينيات،
بقي ذلك محصورا في فئات الضباط والجنرالات، ثم جاءت في النهاية الثورة المضادة الخليجية ورغبتها في اخماد ثورة اليمن ورفعت هذا الإلتزام بالسوق إلى ذروته عبر تسليع القتال نفسه، كخاتمة بعد أن كان السوق قد اخترق مجالات النشاط العسكري الأخرى كالإمداد والانشاءات والسلاح انتهى بالنيل
من مورد القتال المعنوي هذه المرة وصلت حمى الربح والسوق حتى الجنود وتغلغلت في كافة خلايا الجسد العسكري. المظالم التي تنتاب الجيش الرسمي تجاه المليشيا هي مظالم مهنية تتعلق بالتجهيزات والرواتب والتدريب والامتيازات، ولم يظهر أبدا أنها تتعلق بالمسألة العسكرية ككل وعلاقتها بالدولة
والمواطن. نموذج المواطن-الجندي بدأ في التآكل منذ زمن طويل، وتسارع مع حرب اليمن، حتى لم يبق منه إلى كسور صغيرة مع انطلاق الحرب الأهلية في 15 أبريل.
ولكن قيادة البرهان أكثر تعقيدا لهذه العوامل. إن البرهان يرى نفسه قائدا للجيش كله.
بينما يدور اهتمامه كله بقيادة مصالح شريحة كبار الجنرالات حصرا، وهناك فرق. إن مصالح الجنرالات ومع اختراق السوق للجيش أصبحت تدور حول مايزيد 400 شركة احتكارية عملاقة وعدد من المحافظ والصناديق الاستثمارية، يرتبط هؤلاء الجنرالات بصلات متينة مع البيروقراطية الكبيرة وقت الإنقاذ لا زالت
مستمرة لأن هذه البيروقراطية بالذات مازالت تساهم في تسيير أعمال المجمع الاحتكاري العسكري. إذن، على البرهان أن يغلف قيادته لحلف الجنرالات والبيروقراطية الذي حطمته الحرب (انهيار بنك أمدرمان الوطني، تحطيم التصنيع الحربي في جياد واليرموك، وغيره) تحت ستار أنه يقود كل الجنود والضباط
والوطن نحو النصر على المليشيا. يبدو أن حلف البيروقراطية القديمة والجنرالات قد بدأ في التداعي نتيجة الخسائر الاقتصادية وتجميد النشاط التجاري وحالة الكساد السائدة، مع انهيار كامل لنموذج الجندي-المواطن الجمهوري بدليل حالات الانهيار القتالي في غير مكان. إن مطالب الجندي-المواطن
من قيادته كانت ولا زالت بدائية ومهنية ولم تتسيس بالدرجة الكافية حتى الآن، أي لم تكتسب الطابع المتماسك الذي يسمح لها بتحديد الهدف الثوري للحرب، ولكنها بصورة عفوية للغاية ظلت على قناعة أن هزيمة المليشيا هي المخرج الوحيد لنفسها والبلاد، مع رفضها المضمر للبيروقراطية القديمة ممثلة في
الكيزان مما اجبرهم على تجنب الظهور تحت قيادة مستقلة حتى الآن مراعاة لهذا الرفض المسبق.
بينما مطالب الجنرالات والبيروقراطية هي مواصلة الحرب لأغراض مختلفة، منها الحصول على العقود لتوريد الاحتياجات مع ما يجلبه ذلك من أرباح للبعض،ومنها خوف البيروقراطية من استيلاء ق.ح.ت على مواقعها
وكراسيها وإعادة استخدامها في تحطيم قاعدتهم الاقتصادية في التجارة والعقود الحكومية. إذن هي مطالب قصيرة الأمد لا تلامس حقيقة الوضع العسكري الملموس. تتستر بضرورة تحسين الوضع العسكري قبل الدخول في تفاوض. هذا الحلف مرتبط بقوة برأس المال الخليجي والإماراتي، وهو بالتالي أكثر عرضة
للضغوطات الاقتصادية من الخارج ويخشى انقطاع صفقاته معها (انظر مثلآ وضع الجنرالات من صفقة ميناء أبو عمامة) وهو بالتالي مع تسوية تحفظ اقتصاد الحرب كما هو دائرا، على الرغم مما في ذلك من تناقض. البرهان، بتردده، وتناقضه، واضطرابه، ورغبته في التسوية بين مصالح الجنرالات الطامعة
والبيروقراطية الخائفة والعساكر الغاضبة، هو تعبير عن هذا التضارب في معسكره الذي يتولى قيادته. هم يقودونه، مرة الجنرالات، مرتان البيروقراطية ولفظيا العسكر الباقية. إنه مقاد وليس قائدا.
تفكك هذين المعسكرين تحت قيادة الطرفين ليس بعيدا، بل هو واضح جدا.

جاري تحميل الاقتراحات...