أولا: أشكركَ أخي على هذا الرد المؤدب الجميل ، فقد انتفعت به قبل غيري.
ثانيا: قضايا التفسير تتناول من وجهين؛ وجه يتعلق بالتفسير من تفكيك الآية وبيان المراد، ووجه فيهِ إشارة او ردٌّ أو تعليق على استدلال متعلق بالآية، فقد تجد المفسر يذكر استدلال الشيعة والخوارج والمعتزلة وغيرهم.
ثانيا: قضايا التفسير تتناول من وجهين؛ وجه يتعلق بالتفسير من تفكيك الآية وبيان المراد، ووجه فيهِ إشارة او ردٌّ أو تعليق على استدلال متعلق بالآية، فقد تجد المفسر يذكر استدلال الشيعة والخوارج والمعتزلة وغيرهم.
ثالثًا: قضية الحكم بما أنزل الله من القضايا التي لم يخلها المفسرون من التعليق، ولأنها متعلقة بمسألة الأسماء والأحكام التي وقع الخلاف فيها بين أهل السنة من الصحابة والخوارج. وإذا عرف هذا فإن الآية لها مدلول ولها سياق ولها مستدلون، وكل هذه الثلاث تعرض لها المفسرون بالبيان والإعراب
رابعًا: فمدلول الآية هو الكفر الأكبر، وسياقهَا وسبب نزولها هو اليهود الكفار، ومناطهم عدم الحكم بغير ما أنزل الله، ولظهور معنى الآية عند السلف استدل الخوارج - وقد كانوا أهل لغة ومعرفة بأساليب كلام العرب - فضلوا بظاهرِها الذي فهموا منه أنه تشنيع مخالفة الرب وتكفير لمرتكبها مطلقا.
خامسًا: فمعنى الآية من حيث اللغةِ هو قصر الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله، وإذا وقع فعل الشرط منفيّا فمراده الاتصاف بنقيضه، وهو الحكم بغير ما أنزل الله، فمن النقيض عند الخوارج كل ترك لحكم منصوص أيا كان، والصحيح أنه كل حكم بغير ما أنزل الله، وتحقيق مسألة القلة والكثرة سنأتي لها.
سادسًا: الحكم بما أنزل الله معناه الحكم على الخلائق بما أوجبه الله من الأحكام، والفصل بين المتنازعين بما أنزل الله، فالحاكم يتعلق به الحكم على مخالفات الناس بما أوجبه الله، ويتعلق به فض نزاعاتهم بما أنزل الله، وهذا احتراز عما يستحدثه الولاة من الظلم والتعدي، فإنها من المعاصي.
سابعًا: قضية الاستحلال تأتي في مجرد ترك الحكمِ، فإن سياق الآية يفيد أن مجرد الترك ليس هو المراد بوصف الكفر وإنما الاتصاف بنقيض الحكم بما أنزل الله، وهو الحكم بغير ما أنزل الله، فمن حكم بغير ما أنزل الله في قضية فهو الكافر، وهنا نكتة نجمع بها أقوال السلف مع سياق الآية مع واقعنا =
وبيان النكتة على النحو التالي:
١. اليهودُ كانوا يطبقون شرع الله على الضعيف ويتركون تطبيقه على الشريف، فيفهم من هذَا أن تركهُم هذا وعدم حكمهم بما أنزل الله فيه قرينةُ استحلابل، كما في مسألة من تزوج بامرأة أبيه، وكما روي عن قتادة بأنه كان يكفر بأكل لحم الخنزير.
١. اليهودُ كانوا يطبقون شرع الله على الضعيف ويتركون تطبيقه على الشريف، فيفهم من هذَا أن تركهُم هذا وعدم حكمهم بما أنزل الله فيه قرينةُ استحلابل، كما في مسألة من تزوج بامرأة أبيه، وكما روي عن قتادة بأنه كان يكفر بأكل لحم الخنزير.
٢. أن أحبارهم كانوا يخفونَ حكم الله وينسبون إلى الله - كذبًا - ما ليس بحكم له، وهذا يتوافق ما روي عن ابن مسعود أن الآية تعم - أيضا - من حكم بغير ما أنزل الله مخبرا أنه حكم الله - كفعل اليهود - فإنه كافرٌ، وفيه فائدة أن الحاكم بغير ما انزل الله قد يكون فيه تكذيب في بعض الصور.
٣. ذهب السلفُ - جريا على القول بثبوت جميع الروايات عنهم - إلى أن ترك الحكم بما أنزل الله لا يكون كفرا إلا بالاستحلال، ولظهور معنى الاستحلال عندهم لم يلق اهتماما، فيفهم من بعض تقريراتهم أن الإقدام على مخالفة نص ظاهر لكل مسلمٍ فيه قرينة معنوية على الإنكار والجحود والاستحلال.
٤. إن سياق آيات الحكم وما تلاها من الآيات فيه دلالة أن ترك الحكم بما أنزل الله فيه اتباع للهوَى، ومطلق اتباع الهوى لا يكون كفرا، وإذا وقع فلا يكون إلا باستحلال، وفعل اليهود لم يكن غير ذلك، ولما ثبت وصفهم بالكفر لم يقع ذلك عنهم إلا مع استحلال وجحود، ولأنهم اقترنت بهم قرائن معنوية.
٥. واقعنا المعاصر؛ ليس فيه مجرد ترك للحكم في معظم القضايا، بل الغالب فيه الحكم بغير ما أنزل الله سواءٌ قلَّ أو كثر، لأن القلة والكثرة لا تعطى أحكاما متفرقة إلا بنص الشارع، ولأنه مخالف لقياس الأصول؛ وعليه فإن الحاكم بغير ما أنزل الله في قضية واحدة كما ذكرته في التطبيق يلحقه الوصف.
٦. فظهر أن ترك الحكم الذي اتصف به اليهود كانت فيه قرينة الاستحلال ولذلك لحقهم وصف الكفر، وأن مجرد الترك لا يكون كفرا إلا باستحلال، وأن مراد الآية ليس إلا ترك مع حكم بغير ما انزل الله، فإذا جعلنا القضيتين - مجرد الترك والحكم بغيره - متساويتين في الحكم، فإن فيه إهمال لبعض المعاني.
٧. مراد السلف هو أن مجرد الترك لا يكون كفرا، وأن فعل اليهود كان مجرد ترك بلغ منزلة الاستحلال، فيلزم منه أن الحكم بغير ما أنزل الله عند العالم بالحكم فيه قرينة الإنكار والجحد الذي وجد عند اليهود، فلا يقع إلا كفرا أكبر، وبهذا يحصل الجمع بين الأقوال، وهو أولى من زعم التعارض. انتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...