أحمد حتاته
أحمد حتاته

@a_hutatah

22 تغريدة 99 قراءة Jan 05, 2024
📄 | النشرة الثالثة
"التقادم بأثر رجعي"
كيف نطبق أحكام التقادم في #نظام_المعاملات_المدنية على الوقائع التي حدثت قبل سريانه؟
#تأملات_في_المعاملات
بما أن اختيار المصوتين وقع على هذا الموضوع، ولأنني بدأت أرى عدد من التطبيقات العملية المنشورة في مسألة تطبيق أحكام التقادم الواردة في النظام بأثر رجعي فأعتقد أنه من المفيد أن نتحدث هذه المرة حول تطبيق أحكام التقادم بأثر رجعي (بين حظر رجعيتها أو إباحتها) دون توسع لا يقتضيه المقام.
بداية فلابد أن نتصور أن المشرع السعودي غالباً ما يضع الأحكام الانتقالية للقانون في الأداة النظامية التي يصدر بها خصوصاً بالنسبة للأنظمة التي صدرت بعد قرار مجلس الوزراء الموقر رقم ٧١٣ والذي ينظم ضوابط إعداد التشريعات ، وبما أننا نبحث مسألة من المسائل الانتقالية في النظام...
=
وهي مسألة (السريان الزماني لبعض أحكام القانون) فإن بحثنا هنا سيقتصر غالباً على البند (خامساً) من الأداة النظامية الصادر بها النظام.
ومعلوم أن الأصل في القانون هو سريانه بأثر فوري ومباشر على الوقائع التي حدثت بعد سريانه، ولا يمتد تطبيق النص بأثر رجعي إلا بنص تشريعي واضح.
=
لكن الأداة النظامية قررت بوضوح -لمصلحة يراها المشرع- أن الأصل هو سريان نظام المعاملات المدنية بأثر رجعي على كل الوقائع التي حدثت قبل سريانه، واستثنت من هذه الرجعية صنفين من الوقائع لا يسري عليها النظام بأثر رجعي يهمنا هنا الأخير منها؛ وهي المشار إليها في المرفق.
=
يتضح من نص الفقرة ٢ أنه إذا كان حساب مدة التقادم بشأن حق معين، قد بدأ قبل العمل بنظام المعاملات، فإن حكم التقادم هنا لا يسري بأثر رجعي فلا يتقادم ذلك الحق وفقاً للنص.
فلو افترضنا أن مهندساً صمم بناءً لعميل في العام ٢٠٠٧ ورغب الآن أن يطالب بأتعاب عمله، فإنه يحق له ذلك.
=
وذلك أنه على رغم تقادم حقوق المهنيين من حيث الأصل بانقضاء ٥ سنوات، فإن هذا التقادم قد بدأ سريانه قبل سريان النظام -باعتبار أنه أصبح مستحق الأداء في ٢٠٠٧- (مرفق المواد التي تبين متى وكيف يُحسب ويبدأ سريان التقادم في حالتنا هذه) وبالتالي فلا يسري عليه التقادم لنص البند خامساً.
=
وهكذا يبدو الحكم واضحاً عند تطبيقه، وقد كان اتجاه المشرع هذا اتجاهاً حسناً وموفقاً لأنه يتسق ويتفق مع مبادئ العدالة واستقرار المراكز النظامية.
فلا يصح أن يوقع جزاء -ولو كان إجرائياً كالتقادم- بأثر رجعي، إلا أن بعض الزملاء وقليل من التطبيقات التي راجعتها مؤخراً...
=
كانت تنحى نحو تطبيق غير صائب لنص الفقرة (٢) من البند خامساً، بحيث -وفقاً لرأيهم- لا تسمع الدعوى على المُنكر بالحق بانقضاء مدة التقادم ولو بدأ سريان تلك المدة قبل العمل بالنظام وقد تتبعت الحجج التي يقوم عليها هذا الرأي ودوافعها فهي ما أوضحه عرضاً ونقداً فيما يلي:
يفسر بعض الزملاء الفقرة (٢) من البند خامساً بأن المعني فيها (عدم الإخلال بأي مدة تقادم نظامية موجودة في نص آخر كان قد بدأ سريانها في ظل ذلك النظام) بحيث لو كان نص النظام يطيل أو يقصر منها فإنه لا يسري بحقها، وإنما يسري عليها النص الذي قررها.
وهذا مردود عليه من وجهين:
أولها: أن النظام قرر في المادة الأولى منه (مرفقة) عدم إخلاله بالنصوص القانونية الخاصة ويدخل في مشمول هذه المادة مدد التقادم النظامية الواردة في أنظمة أخرى خاصة، فلا يكون مع وجود نص المادة الأولى حاجة للنص على ذلك مرة أخرى في البند خامساً من الأداة النظامية.
وثانيها: أن هذا التفسير للفقرة (٢) من البند خامساً -حتى إن صح- فإنه لا يعني عدم استثناء مدد التقادم التي بدأ سريانها قبل سريان النظام -ولم يكن هناك حكم تقادم يخصها- وذلك لعموم نص الفقرة (٢) الذي يشمل كافة الوقائع التي ينطبق عليها حكم تقادم وكانت مدة التقادم قد بدأت قبل النظام.
=
فلا يجوز لا استقراراً ولا عدالةً أن يقيد الحق في التقاضي -وهو حق له طبيعة أساسية "دستورية"- بأثر رجعي، وأقل الإيمان أن يقال أن حساب مدد التقادم بالنسبة للوقائع التي يسري التقادم عليها قبل سريان النظام، يكون من تاريخ العمل بالنظام -مع أني لا أتبنى هذا الرأي أيضاً لعدم النص عليه-
=
إلا أنه يبدو أكثر عدالة من الحرمان بأثر فوري ومباشر من كل حق بدأ تقادمه قبل سريان النظام، بل وربما بدأ وانتهى تقادمه قبل سريان النظام لو طبقنا النظام عليه، فهذا فيه إخلال جوهري بقواعد العدالة ومبادئ القانون الطبيعي، وهو النهج الذي لم ينهجه المشرع السعودي وكان نهجه مجيداً وموفقاً.
وبظني أن سبب هذا اللبس في الفهم والتطبيق لدى البعض، هو الأصل التاريخي لنظام المعاملات المدنية وهو القانون المدني المصري؛ حيث قاس البعض على نصوص النظام المصري الذي قرر صراحة أحكام للتقادم تسري على الماضي لاعتبارات فنية وموضوعية متعلقة بالمشرع المصري أيضاً، وهي اعتبارات لا تنطبق...
لا تنطبق على النظام السعودي، باعتبار أن المشرع المصري قرر تنظيم السريان الزماني لمدد التقادم في ظل نصيّن، أقدمها قرر مدة سابقة للتقادم بينما قرر أجَدَّهما مدة مغايرة، بينما يُنشِأ التقادم في نظام المعاملات المدنية حكماً لم يكن له نص سابق من حيث العموم؛ بعكس القانون المصري...
والقانون المصري أيضاً، يقرر أنه متى تضمن نص جديد تقصيراً لمدة التقادم عن نص قديم؛ لم يسري التقصير إلا من وقت العمل بالنص الجديد (مرفق م٨ من القانون المصري) وهذا شبيه جداً بالذي ينطبق على الوقائع في المملكة اليوم حيث كانت مددها سابقاً مفتوحه -لعدم النص- ثم جاء نص جديد فقصر مددها.
وكلامنا السابق يؤيده ويؤكده ما أورده المشرع المصري في المذكرة الإيضاحية بمرافقة القانون المدني المصري (مرفقة).
مما يكون معه الاستنتاج والقياس في هذا على القانون المدني المصري خاطئاً، لسببين جوهريين:
1️⃣ | القانون المدني المصري نظّم التقادم بموجب تشريع قديم ثم عدله بموجب الجديد.
بينما التنظيم السعودي لمدد التقادم هو تنظيم جديد بالكلية لم يكن له -من حيث العموم- سابقاً تشريع أقدم.
2️⃣ | أن التشريع المصري المقاس عليه يقرر أن كل تقادم جديد يقصر من المدد لا يسري بأثر رجعي وإنما بأثر فوري.
والاتجاه الذي تتبناه محكمة النقض المصرية...
=
في شأن الوضع الذي يتطابق تماماً مع الوضع الحالي لنصوص التقادم في المملكة -أعني تشريع النص الجديد مدة للتقادم على حق لم يكن يتقادم وفقاً لنص قديم- أن مدة التقادم لا تسري إلا من تاريخ العمل بالقانون وهو أقل الإيمان الذي ذكرناه : )
(مرفق موضع الشاهد من الحكم في الطعن ٢٠ لسنة ١٩٦٤)
ومن هذا كله نستنتج أخيراً، أنه لا يسري -وفقاً لنظام المعاملات المدنية- مددٌ للتقادم على حقوق بدأت مدد تقادمها قبل العمل بالنظام سواء انتهت قبل العمل به أو ما زالت مدد تقادمها سارية فهي كلها لا تسري عليها أحكام مدد التقادم، وفي اسوء الأحوال فهي تسري عليها من تاريخ العمل بالنظام.
والعمل بالرأي الأخير -أعني حساب مدة التقادم من تاريخ سريان النظام- هو حل وسط لكن النص لم يرد بشأنه؛ وبالتالي فإن اعتباره بدون النص عليه من المشرع فيه نظر.
هذا والله أعلم،،

جاري تحميل الاقتراحات...