كلنا عارفين يعني إيه نرجسية، وعارفين أن الكلمة مشتقة من النرجس، الزهرة اللي طلعت لما نارسيس Narcissus فضل يبحلق في انعكاسه في المياه بإعجاب لحد ما نسي نفسه ونسي الدنيا ومات واتحلل وظهرت زهرة النرجس مكان جثته
بس للأسف نارسيس كان موهوم بنفسه وبجماله ومكانش شايف أي حد حواليه. وفي يوم نارسيس بيشوف إنعكاسه في المياه وبيتوهم أكتر وأكتر وبيفضل مبحلق في نفسه لحد ما بيموت.. كل ده والمسكينة إيكو بتتفرج عليه ومش عارفة تعمل حاجة.
طيب إيه علاقة نارسيس ببيونج تشول هان؟
طيب إيه علاقة نارسيس ببيونج تشول هان؟
هان بيقول لنا إن الإنسان دلوقتي مستغرق في النرجسية زي نارسيس بالظبط، بس بدل ما احنا مهووسين بصورتنا في المياه فاحنا مهووسين بصورتنا الافتراضية، وناخد بالنا أن صورتنا هنا مش مقصود بيها صورتنا حرفيًا اللي هي وشنا وجسمنا بس، لأ المقصود بيها صورتنا العامة قدام الناس الإفتراضيين دول.
فكرة جميلة طبعًا، مش كده؟ هان بيقول لنا إن دي مصيبة سودا على دماغنا لأن كونك شايف أنك تقدر تحقق أي حاجة لو اشتغلت وتعبت كفاية فده معناه أنك هتحمل نفسك فوق طاقتها سواء بالشغل أو بالإحساس بالذنب..
هتشتغل كتير وهتفحت نفسك؟ هتوصل لحالة من الإنهاك وهتبقى زومبي كباقي الزومبي اللي بيجولوا عالمنا دلوقتي لا عارف تحس ولا تستطعم أي حاجة.. هترتاح شوية وتهدى على نفسك؟ هتلوم نفسك وهتثقلها بالذنب
وهتحس إن كل اللي حواليك عملوا الشركة بتاعتهم وهم عندهم 14 سنة وبيسافروا المالديف مرتين كل شهر وبيقروا 50 كتاب أسبوعيًا وبيروحوا الجيم 5 مرات في اليوم وأنت قاعد في سريرك لحد الساعة 2 الضهر بتعيط. مأساة!
وهم الحرية والإنجاز اللي كلنا عايشين تحت رحمته دلوقتي ده مخلينا زي العبيد. الجميل أن هان بيقول إن الناس زمان كانوا عايشين عبيد برضه بس كانوا عارفين مين مستعبدهم، مين بيديهم الأوامر، كانوا أحيانًا بيكرهوا الشخص أو المؤسسة اللي مسيطرة عليهم دي – وده طبيعي –
بس على الأقل الكراهية كانت بتتوجه للكيان اللي مسيطر عليهم، حاجة خارج أنفسهم. دلوقتي بقى احنا برضه عبيد، بس الأنظمة الحديثة بتمارس الاستعباد ده تحت مسمى الحريات والإنجاز والتحقق، فبدل اللي بيستعبدك ما يقول لك "أنت لازم تعمل.." بيقول لك "أنت تقدر تعمل.."
وبالتالي بدل ما يؤمرك بشكل مباشر، أنت يا حول الله قاعد تجلد نفسك بنفسك وماسك الحبل بإيد وبالإيد التانية رابطه حوالين رقبتك.. كل ده وأنت عايش في أوهام الحرية وأنك سيد نفسك وإنجازاتك وأهراماتك والعبط ده.
زي ما قولنا ده مش بس بيولد إحساس بالكراهية تجاه نفسك لأنك دايمًا هتحس أنك مقصر وممكن تعمل أكتر وأكتر، ده هيخليك في حالة من الإنهاك النفسي الدائم. هان شايف إن الإنهاك النفسي أصعب مليون مرة من الإنهاك البدني لأنه بيستمر معاك فترة طويلة وبيحولك لمجرد صورة باهتة من نفسك.
حاجة كمان، أوهام الحرية والإنجاز الزائفة هتخليك مش بس منهك نفسيًا لأ كمان في حالة من الشتات طول الوقت، أي حاجة هتختارها هتفضل تشك فيها طول عمرك وتسأل نفسك هي دي الاختيار الصح ولا لأ، وفي النهاية مفيش حاجة هتعجبك.
امبارح اتفرجت على فيلم نرويجي لطيف اسمه "أسوأ شخص في العالم" The Worst Person in the World.. مش عايزة أحرقه بس الفيلم بيدور حوالين الفكرة دي. في مشهد من مشاهد الفيلم شخصية من الشخصيات بيقول إنه حاسس بحنين دائم للماضي لأنه تعب من الحياة بشكلها دلوقتي:
وبمناسبة علاقتنا مع البشر، هان بيقول إن النرجسية نتيجة طبيعية لأي إنسان عايش في عصر كل حاجة حواليه بتدفعه يكون أحسن وأحسن وأحسن طول الوقت. طبيعي أنه مايفكرش غير في نفسه وهيشوف أي حد هيعطله عن تحقيق أهدافه على أنه عقبة..
والنتيجة أننا مابنعرفش نحب حد غير نفسنا، ويا ريته حب طبيعي حتى! عارفين الأم اللي بتصب كل اهتمامها على طفلها وبتقطع كل علاقاتها بالناس علشان تتفرغ لتربيته وتضمن أنه يطلع إنسان ناجح ماحصلش قبله ولا هيحصل بعده؟ طبعًا بنقول على الأم دي مجنونة وغالبًا ابنها هيطلع مُعقد أو هيشم شرابات
في عصرنا الحالي ده للأسف احنا الأم وابنها في نفس الوقت. بنفضل نهتم بنجاحاتنا وبصحتنا البدنية والنفسية والعقلية والمهلبية لحد ما بننسى نفسنا وكل اللي حوالينا.
فاكرين نارسيس حصل له إيه في أخر الأسطورة؟ فضل يبحلق في انعكاسه في المياه لحد ما نسي ياكل ويشرب وينام.. ومات! والأهم من ده كله أنه نسي وجود إيكو اللي فضلت طول الوقت واقفة جنبه ومستعدة تمنحه قلبها.
صورة العالم الافتراضي بيخلينا نقدر نخلقها ونوهم نفسنا أنها حقيقية بس احنا عارفين أنها مش حقيقية (أعتقد فيه منا كتير فقدوا القدرة على التمييز)، وواحدة واحدة بنفقد وجودنا الحقيقي وبنتخلى عنه في سبيل الانعكاس الزائف ده..
فيه مشهد في مسلسل Six Feet Under الشخصية كان بيقول إنه حاسس أنه عامل زي نارسيس، بس هو مابيحبش نفسه، بالعكس، هو مبحلق في انعكاسه علشان عارف أنه لو ماشفش الانعكاس أو الصورة الزائفة دي هيختفي من الوجود!
x.com
x.com
نرجع لهان تاني، الراجل بيحاول يقول لنا نفوق لأنفسنا ومن وهم أنفسنا. الرغبة الملحة في الإنجاز وأوهام الجمال والفلح والنجاح والانشكاح المطلق عميتنا عن حقيقة أن الحياة غير كاملة وعمرها ما هتكون كاملة، وأنها لا تتسق أصلاً إلا بالسلبيات والعيوب.
هان بينتقد أن الناس دلوقتي بقوا واقفين لنفسهم ولغيرهم على الواحدة –خصوصًا في العالم الافتراضي– ومتوقعين كل حاجة تتسق مع أفكارهم، وبيوصموا أي حاجة مختلفة. النتيجة أن مساحة الاختلاف وتقبل العيوب والسلبيات اختفت، وبقت تعبيرات زي trauma وred flag بتترمي علي أي حد وأي حاجة وأي تصرف.
معنديش مشكلة أن الإنسان ينتبه للسلبيات ويرفضها بس لازم نتقبل أننا مش هينفع نعيش حياة مُعقمة خالية من السلبيات بشكل كامل، وأي حد هيفنكر غير كده عبيط. فاكرين من كام يوم كنت بشتكي من انحدار مستوى الأفلام والفن عمومًا في الفترة الأخيرة؟
أعتقد ده سببه أننا بقينا نتعامل مع الفن زي تعاملنا مع حيواتنا الافتراضية: تصدير صورة زائفة للواقع أو لما يجب أن يكون عليه الواقع. وده بالظبط اللي هان بيقول له واسماه "أزمة السرد"..
خلاص فقدنا قدرتنا على أننا نسرد قصة من غير ما نروج لأجندات ما أو سياسات ما أو شكل حياة ما، وده بالظبط اللي بنعمله مع وجودنا الافتراضي، بنتعامل مع نفسنا كسلعة وبنروج لها من خلال صورة مزيفة منقحة خالية من الشوائب.
ودي قصة إيكو ونارسيس كاملة:
x.com
x.com
وده مقال مهم بيلخص أهم أفكار هان اللي حابب يقرأه:
onwork.substack.com
onwork.substack.com
جاري تحميل الاقتراحات...