يا فتى قريش، أسأل الله أن يفتح علينا وعليكم.
الطريقة التي تناولت بها مسألة الحكم بغير ما انزل الله تشبه طريقة تناول بعض المعاصرين لمسألة الإرجاء، فإذا جاء ذكر الإرجاء لم يخرج عن نصوص الأئمة في بيان غلط أبي حنيفة وشلة الفقهاء، وهذا اختزال لقضية كبيرة يعاني منها المسلمون اليوم.
الطريقة التي تناولت بها مسألة الحكم بغير ما انزل الله تشبه طريقة تناول بعض المعاصرين لمسألة الإرجاء، فإذا جاء ذكر الإرجاء لم يخرج عن نصوص الأئمة في بيان غلط أبي حنيفة وشلة الفقهاء، وهذا اختزال لقضية كبيرة يعاني منها المسلمون اليوم.
فذهبت إلى نصوص الأئمة في الرد على الخوارج الذي كفروا الصحابة، وبيان أن الاستحلال هو الشرط الذي يحصل به التكفير، وكأن الحكم بغير ما أنزل الله لا يقع إلا كما فهمته الخوارج من إنزال الوصف على غير مستحقه، فيتعين بيان الشرط الذي غفلت عنه الخوارج، والذي يصح به إنزال الحكم على المعين.
كثيرون جعلوا الحكم بغير ما أنزل الله قضية شائكة تستدعي بحوثا دقيقة في فهم المعاني المتعلقة بالأدلة، وتصحيح المفاهيم إلى غير ذلك من الألفاظ التي تندلق لها شفاه طلبة العلم، والحقيقة خلاف ذلك، فالمسألة يسيرة جدا، وإن وجد الإشكال ؛ فلا بد من فهم مذهب الخوارج ووجوه تفسير الآية.
وأكثر ما يفر منه طلبة العلم ؛ إنزال الأحكام على المعينين، وهو حقا أكثر ما يكشف الإشكال، ولهذا تجد الطالب الذي جلس عند عالم لا يخاف من إنزال الأحكام وتفصيلها على النحو الذي قرره أكثر انضباطا من الذي نشأ عند عالم يعطيه القواعد والاحكام على شكل إطلاقات تتصادم مع إطلاقات أخرى.
وشرط الاستحلال أضعف ما يأتي في الباب من الإشكالات، لأن فيه عدم اعتبار لسياق الآية والمعاني المقررة فيما تبعها من الآيات، وهو قول بعض العلماء في تفسيرها بما يتوافق مع سبب النزول، وليس فيه تقرير للحالة الموجودة في عصرنا البتة. وأشكل ما في الآية؛ بيان معنى الجحود التي اشترطها الطبري
فتقرير معنى الجحود هو الإنكار بعد العلم، أو الترك بعد العلم، أو ترك حكم الله عمدًا، هذا الذي يكون جحودا، وفيه رد على الخوارج الذي كفروا الحاكم بغير ما أنزل الله بمطلق الترك، فيكون القاضي الذي خفي عنه الحكم كافرًا عند الخوارج، أما أهل السنة فلا يكونُ كفرًا حتى يعلمَ الحكم فيجحدَه.
وقد يقول قائل: هذا الجحود الذي قررتَه هو الاشتراط القلبي الاعتقادي عند القائل بشرط الاستحلال، فيكون خلافك معه لفظيا؟
والجواب: الجحودُ يكون بالقول ويكون بالفعلِ، أما الاستحلال عند القائل باشتراطه، فالظاهر أنهم لا يخرجونه عن المسلك الاعتقادي، فلا يكون إلا عملًا قلبيا عندهم.
والجواب: الجحودُ يكون بالقول ويكون بالفعلِ، أما الاستحلال عند القائل باشتراطه، فالظاهر أنهم لا يخرجونه عن المسلك الاعتقادي، فلا يكون إلا عملًا قلبيا عندهم.
أما الذي يقرر أن الاستحلال يكون بالقول وبالفعل وبالاعتقاد، فهذا لا يوجد فرق بينه وبين القائل باشتراط الجحود، ويبقى الإشكال في تقرير الكفر العلمي الذي اشترط له الاستحلال القلبي.
الكفر العملي ليس على مرتبة واحدة حتى يقال بشرط الاستحلال في جميع مراتبه، وفهم هذا يزول به الإشكال.
الكفر العملي ليس على مرتبة واحدة حتى يقال بشرط الاستحلال في جميع مراتبه، وفهم هذا يزول به الإشكال.
لأن قتال المسلم كفر عملي، وقتل الأنبياء وسبهم كفر عملي، والسجود للصنم كفر عملي، وكذلك الحكم بغير ما أنزل الله يكون كفرا عمليًا. فما هي الفروق بين هذه الأفعال التي أطلق عليها وصف الكفر العملي؟
الجواب: الجامع المشرك هو ربط الشارع هذه الأفعال بالكفر، فاستشكل المقصود بالكفر.
الجواب: الجامع المشرك هو ربط الشارع هذه الأفعال بالكفر، فاستشكل المقصود بالكفر.
والفارق هو تحقيق ما يضاد الإيمان وما لا يضاده، ولهذا اختلفوا في بعضها لهذا الأصل، فترك الصلاة عمدًا فعل يضاد الإيمان على مذهب قوي، فيكون كفرا عمليا مخرجا من الملة، وكذلك الحكم بغير ما أنزل يكون على مراتب: إما أنك يكون ترك الحكم لجهلٍ ، فهو كفر عملي غير مخارج لأنه لا يضاد الإيمان.
أما الحكم بغير ما أنزل الله حيث كان فيه جحد أو رد لنص حكم الله فهذا فعل يضاد الإيمان، ومثله التشريع العام الذي يخالف حكم الله، لأن الأمر في الحالتين: علمٌ بحكم الله ثمَّ حكم بغيرهِ أو تقديمُ غيرهِ، فإن قيل: إن هذا هو الاستحلال الذي نقول به، فحينئذ لا يكون خلافنا معهم إلا لفظيا.
نأتي إلى التطبيق: توجد دول منتسبة إلى الإسلام تضع في دساتيرها مقولة "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، وهذا إيضاح بوجود مصادر أخرى، بمعنى أن الحكم في هذه الدساتير فيها بعض النصوص من الشريعة وبعض من غير الشريعة، فيكون حكمهم حكما بغير ما أنزل الله وليس مجرد ترك.
وتوجد بعض الدول الإسلامية تحكم بالشريعة في بعض القضايا، وتحكم بغير الشريعة في البعض الآخر مع إقرارهم بأن المصدر الوحيد عندهم من الشريعة ولا توجد مصادر أخرى، فيكون الحال معهم إما أن يكونوا تركوا الحكم في بعض القضايا، كأن عفا الأمير عن بعض قرابته إذا سرقوا أو قتلوا، وغير ذلك =
فيكون فعلهم مجرد ترك لشهوة القرابة، وهذا لا يكون حكما بغير ما أنزل الله وإنما هو ترك الحكم بغير ما أنزل الله، وهو كفر عملي لا يضاد الإيمان، لغلبة الشهوة المفضية إلى ترك بعض الأحكام، فمن كفره فقد وافق الخوارج في أصلهم، وهو كون كل ترك لحكم سببه الشهوة أو غيره ناقض من النواقض.
أما إذا تركوا حكم الله في بعض القضايا، فحكموا بغير حكم الله، كأن ثبت حكم الزنا على محصن، ثم حكموا عليه بالسجن خمس سنوات، أو قبض على قاتل مطلوب للقصاص، فحكم عليه بالسجن عشرين سنة. فهذا ترك ثم حكم بغير ما أنزل الله، وهي الصورة التي اتصف بها اليهود من تحريف الكلم عن مواضعه. انتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...