زينل محمد دولة
زينل محمد دولة

@Zainal_Dawlah

8 تغريدة 32 قراءة Dec 24, 2023
أنقل لكم مقال شيّق كتبه وزير الحج الأسبق معالي السيد حسن محمد كتبي، يسرد فيها تجربة ابتعاثه من الحجاز للهند عام ١٩٢٩م ضمن بعثة الشيخ محمد علي زينل، بطريقة أدبية آسرة✨
"مؤسس مدارس الفلاح الحاج محمد علي زينل علي رضا هو شخص بالنسبة للجيل الذي نعيش فيه وبالنسبة لبلادنا يعتبر (المنقذ) لها بحق. المنقذ الذي صمد في أداء رسالته في صبر المؤمنين وجلد الصابرين حتى بلغ غايته في تأسيس مدارس الفلاح في جدة ومكة والبحرين وبمباي، ومهد الطريق للنهضة العلمية الشاملة الكبرى التي أرسى قواعدها العاهل العظيم جلالة الملك عبدالعزيز في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية.
وقد كانت زيارة الحاج محمد علي زينل لمدارس مكة وجدة في عام ١٣٤٨هـ بقصد أن يأخذ نخبة مختارة من متخرجي هذه المدارس ليؤلف منهم بعثة تدرس تحت نظره في بمباي بالهند حيث مركز تجارته ومقامه وليشرف على توجيهها توجيهاً يتمشى مع الواجبات والمسؤوليات التي كان يحس بأنها ستواجه أفرادها في حياتهم الاجتماعية، وكنت أحد أفراد هذه البعثة.
1️⃣
ولم تطل فترة اختيار المبعوثين وسفرهم، ولم تتخذ ترتيبات ذات بال لذلك، ولم تتوفر فرصة كافية لنتصور الأمر تصوراً كافياً ونحلم به وينتقل إلى عقلنا الباطن وإحساسنا ومشاعرنا. وكلما استطعنا أن نحسه في قرارة نفوسنا أننا ننتقل من مجهول نعيش بين أحضانه إلى مجهول لا نعرف عنه شيئاً.
وقبل سفرنا بيوم واحد استدعانا الرجل الحديدي الصامت الشيخ عبدالله حمدوه، وسجل على قسمات محياه ابتسامة صنعها خصيصاً لتلك المناسبة فقط ليزودنا بها مصحوبة بنصائحه الغالية بحق وارشاداته الثمينة بحق وقد كان رجلاً اجتمعت له جميع معاني الرجولة في صرامة وحزم.
2️⃣
لقد ودعنا أطيب وداع وأقام لنا حفلاً سمعنا فيه لأول مرة نغمات جديدة لم أعرف كيف استقبلها كل واحد منا وماذا فهم منها وإلى أي مدى انطلق خياله في متابعة أطيافها وصورها.
لقد قال الخطباء المودعون في وصفنا أننا رواد العلم والمعرفة أو أول بعثة تهاجر وطننا لتنهل من مناهل العلم الصافية وتعود مزودة بالقدرة والكفاية لخدمة وطنها. وحمّلنا الخطباء مسؤولية اسموها - مسؤولية رفع رأس الوطن والمواطنين عالياً.
لم نكن بحق ندرك ماذا يعنون بذلك ولا بالعلوم التي سنسافر في طلبها وهل تختلف كثيراً عن العلوم التي كنا ندرسها في بلدنا، وقد أخلصنا لها ولناقليها كل الإخلاص، ومع ذلك لم يكن هذا الأمر يشغل بالنا بأكثر من خطرات عابرة لا تلبث أن تظهر حتى تمحي من ذاتها لأنه لم يكن لها ما يربطها بعقلنا الباطن وتفكيرنا.
3️⃣
وتمت إجرائات البعثة وها نحن على ظهر الباخرة (علوي) تمخر بنا عباب البحر الأحمر ثم المحيط الهندي، وليس يربط كل واحد منا بهذا الكون إلا نفسه الغائرة بين جنبيه وحقيبة وضع فيها ملابسه وشعر لأول مرة في حياته أنه مسؤول عن المحافظة عليها والعناية بها وسرير من القماش تشده قواعد خشبية ينام فوقه. وإلا مصير مجهول تحمله هذه الباخرة المزمجرة في عباب البحر إليه لم تبق هناك فكرة مركزة ولم يظهر أي شبح لتلك الأشباح الخالدة التي عشت معها ردحاً من عمري، الفتى القصير، لا بل شعرت بأنه قد انقضى ما بيني وبينها ولم أعد أحس بوجودها، واستمرت بنا تلك الحال أياماً طوالاً بين الماء والسماء غرقت فيها تلك الشخصية الحالمة العالمة التي كانت تشدها إلى أعماق التاريخ أواصر عريقة وتصل بينها وبين أساطين العلم والمعرفة من القدماء أسباب متينة، وقد كانت فترة الرحلة كافية ليفيق الحالم من سباته فيجد نفسه في وسط مدينة ضخمة كبيرة تعج بمداخن المصانع وضجيج المواصلات وتزاحم الأحياء وصراعهم على الحياة والرزق - حياة تقف الفتاة فيها إلى جانب الفتى، ويأخذ الرجل فيها بيد المرأة، وتسير القافلة في جد وتزاحم ومرح وصخب. لقد اختلطت هذه المرئيات في نفس الفتى الساذج وبهرت أضواء المدينة الصاخبة نفسه الحائرة المبهورة.
4️⃣
ولقد كان البرنامج مقصوراً على اللغة العربية والعلوم الدينية مع حصص ليست ذات بال في اللغة الإنجليزية والأردو اللغة السائدة في الهند ولكنه كان برنامجاً يعالج تلك الموضوعات على مستوى عالٍ فالكتب المقررة للدرس والاختبار من الكتب التي لا يدرسها إلا المتضلعون بنوع عالٍ من المعرفة والكفاءة في هذه الفنون وكان الغرض من ذلك كما ذكر الحاج محمد علي زينل عندما كان يفسر لنا مبادئه وأهدافه، هو النفاذ إلى صميم روح التعاليم الإسلامية ليتمكن أفراد البعثة من إدراكها وفهمها وصيانة العلوم الدينية من الضياع في بلد خرج الدين منه إلى أطراف الدنيا ودخل فيه الناس أفواجاً.
ولقد كان هذا هو الفصل الختامي الذي قدر ذلك الرجل المحسن أن يختم به جهاده الطويل العنيف. ومتى حفظ للدين علومه في أشخاص أفراد من أهل البلد المقدس، فقد اطمأن على حفظ الأمانة من الضياع، ويأتي بعد ذلك دور التمرس بالعلوم الدنيوية بواسطة البعوث الأخرى التي كان ابتعاثها جزءاً مكملاً لبرنامجه.
5️⃣
ولما كاشفنا الحاج محمد علي زينل ببرنامجه هذا استقبله بعض أفراد البعثة بفتور كما استقبله البعض الآخر بتمرد ونفور لأنهم كانوا يرجون دراسة في حقول المعرفة العامة كالطب والهندسة وغيرهما، أما أنا فقد كان البرنامج يتفق مع فطرتي والبيئة الروحية التي عشت فيها. فاندمجت فيه ولكنني في هذه الفترة كنت أدرس موضوعات علمية بحتة، أما مشاعري وإحساساتي فقد انصرفت إلى آفاق أوسع. إلى آفاق الحياة التي كانت تمر تحت نظرنا من وراء النافذة لأن البرنامج الموضوع لنا كما ذكرت يحول بيننا وبين الولوج في صميمها.
-(نص طويل محذوف)
وكانت هناك ناحية أخرى دخلت على نفسي دخولاً عميقاً مؤثراً فلقد كان أستاذنا الشيخ محمد أمين السويد الذي اختاره الحاج محمد علي زينل مدرساً لجميع العلوم الدينية من كبار المتصوفة وكنا ندرس فينا ندرس كتاب إحياء علوم الدين للغزالي.
6️⃣
ولقد انقطعت للدرس طوال ثلاث سنوات لم يكن يشغلني فيها أي شاغل، ولم يكن لي أي هدف من وراء ذلك المجهود. وكنت ألمس من أحاديث الحاج محمد علي زينل الذي كان يهيئ الفرص المناسبة لبذرها في عقولنا على طريقة الإيحاء وإخضاع الأفكار لإتجاه معين. أن برنامجه طويل، وأنه كان يهدف إلى بناء وطن وأمة على طريقة مثالية من العلم والقدرة بحيث تتوفر لها جميع كفاياتها وبحيث تكون مثلاً أعلى للشعوب الإسلامية والعربية جمعاء.
ولقد لمست أنه رجل إصلاح فذ من الرجال القادرين الممتازين ولكن الشيء الوحيد الذي كنت أتمنى أن يتوفر له هو عدم إصراره على الإضطلاع بهذه المهة الشاقة معتمداً على طاقته الشخصية الهائلة وإمكانياته المالية الواسعة لأن طاقة الفرد مهما كانت قوية وامكاناته المالية مهما اتسعت فإنها لن تستطيع إيفاء مشروع كهذا حقه لأنه تحويل في مجرى التاريخ في حياة أمة استمرت ألف عام تخضعها عوامل مرتبة مجتمعة محبوكة حبكاً محكماً لتنتكس بها هذه النكسة وتعودت على الخمول والجبن وفقدان الشخصية، وفقدان الهدف كمجتمع صالح للحياة.
7️⃣
وفي عام ١٣٥٠ هجرية ابتدأت الأزمة التي سبقت الحرب الأخيرة ولحق بتجارته تدهور عظيم وأحس أنه ليس في وسعه أن يستمر في تحقيق برنامجه، ولابد من أن يستجم مدة من عناء ذلك الجهد حتى يتمكن من أن يعيد الكرة مرة أخرى. وانتهى بذلك أجل ابقاء البعثة في الدرس وتقرر إعادتها ووجد الحاج محمد علي زينل أنه جاء الوقت ليضع لنا فيه النقط على الحروف وأن يحدد الأهداف تحديداً كاملاً.
فكان الهدف هو نشر العلم، والعلم الديني خاصة، لأن العلم هو النور الذي يضيء لنا مسارب الحياة ويصحح أوضاعها ويمكننا من بناء حياتنا ومجتمعنا على أسس سلمية قوية ويخص العلم الديني بالذكر لتستمر البلاد المقدسة ملجأ لكل من أراد أن يأخذ الدين واضحاً صافياً من منبعه ويميزه عن الخلط الذي بدأ يلحق التعاليم الدينية من المدنية الأوروبية والنزعات الإلحادية الحديثة التي مردها الاستهتار والخلط بين التقاليد الاجتماعية والتعاليم الدينية وتفسير هذه التعاليم تفسيراً يسلب منها قداستها وأسرارها الروحانية. وتشغل هذه الظاهرة من نفس هذا الرجل المؤمن المجاهد مركزاً مهماً حتى ليعتبرها السموم الفتاكة التي دسها المستشرقون والمنصّرون في عقول الطلبة الذين أنجبتهم المدارس الأجنبية فقضت على مشاعرهم الدينية وجعلت منهم أشخاص لا دينيين وأعداء من المسلمين يفتكون بالدعوة الدينية الخالصة ويشوهون حقائقها. ولقد كلف نفسه في محاربة هذه النزعة أن زار الأقطار الإسلامية قطراً قطراً يتحسس آثار هذه الفتنة ويدرس الوسائل لمقاومتها. وله في هذا الموضوع آراء ليس هنا مجال عرضها ولكنها بالغة في الأهمية يشعر بها من كان يحمل قلباً كبيراً مثل قلبه وغيرة على الدين الإسلامي مثل غيرته."
-انتهى
مجلة الفيصل عدد ١٧٧ عام ١٩٩١م

جاري تحميل الاقتراحات...