الساحر أعطى للملكة أعشاب تأكلها وقال لهم إن خلال وقت قصير الملكة هتبقى حامل في ولد آية في الجمال والبطولة وهيبقى كل حاجة بيتمناها أي أب وأم.. بس للأسف الولد ده هيسيبهم أول ما يبقى شاب ومش هيشوفوه تاني. الملك والملكة ماركزوش مع النبوءة أوي وقالوا المهم يبقى عندنا ابن.
وبعد تسعة أشهر بالتمام والكمال الملكة جاءتها آلام الولادة، الجميل في الموضوع بقى أن الجنين مكانش راضي يخرج من بطن أمه (سايم يا بيبي) وقعد يعيط وهو جوة لدرجة أن الملك بدأ يتحايل عليه علشان يخرج (محدش يسألني كان بيكلمه إزي) وعرض عليه كنوز الدنيا كلها لو خرج، بس الجنين رفض!
الملك والملكة اسموا ابنهم فاتفرموس Făt-Frumos بمعنى "الأمير الوسيم" وفعلاً فاتفرموس كان وسيم وشجاع ونبيل وفيه كل الصفات الحلوة وكل الناس بلا استثناء كانت بتحبه. وفي يوم عيد ميلاده السادس عشر فاتفرموس سأل والده الملك عن وعده.. عن الشباب بلا عجز والحياة بلا موت..
الملك طبعًا قال له دي حاجة مستحيلة وإنه وعده الوعد ده بس علشان يخرج من بطن أمه يوم ولادته، فاتفرموس قال له خلاص أنا هروح أدور عليهم بنفسي ومش هرجع إلا لما ألاقيهم.
طبعًا الملك والملكة والمملكة كلها حاولوا يقنعوه بالعدول عن قراره ويا ابني يهديك يرضيك بطل عبط مفيش حاجة اسمها كده،
طبعًا الملك والملكة والمملكة كلها حاولوا يقنعوه بالعدول عن قراره ويا ابني يهديك يرضيك بطل عبط مفيش حاجة اسمها كده،
بس فاتفرموس رأسه وألف سيف يبدأ رحلته في البحث عن الشباب بلا عجز والحياة بلا موت لحد ما الكل رضخ لقراره وبدأوا يساعدوه في الاستعداد لرحلته.
أول حاجة فاتفرموس عملها هي أنه راح أسطبل المملكة علشان يختار حصان مناسب. وبالرغم أن كل الأحصنة بدت قوية،
أول حاجة فاتفرموس عملها هي أنه راح أسطبل المملكة علشان يختار حصان مناسب. وبالرغم أن كل الأحصنة بدت قوية،
إلا أن كل ما فاتفرموس يحط ايده على حصان يروح واقع زي شوال التبن! لحد ما شاف حصان هزيل ومنبوذ بس أول ما حط ايده عليه راح الحصان اتكلم وقال "أنا حصان مسحور وأنا هنا في خدمتك يا أمير ومستعد أكون رفيقك الوفي في رحلتك بس هحتاج منك الأول أنك تأكلني شوفان وحليب لمدة ستة أسابيع
لحد ما استعيد قوتي، وخلال الفترة دي عايزك تدور على الزي الحربي القديم الخاص بوالدك الملك علشان ده الزي اللي هتلبسه في رحلتك".. فاتفرموس عمل زي ما الحصان طلب منه بالظبط وبعد انتهاء المدة الحصان استعاد قوته وجماله وفاتفرموس اكتشف أنه حصان مجنح كمان.
سافر الأمير الشجاع وحصانه المجنح لأيام وأيام لحد ما وصلوا لأرض جنية نقار الخشب (كانت على هيئة نقار خشب ضخم) وكانت أرضها أرض قفر بلا زرع، الحصان قال لفاتفرموس ياخد باله لأنها جنية شريرة وبتموت أي حد يدخل مملكتها، بس فاتفرموس الشجاع ماهموش طبعًا وحاربها وقدر يصيبها برمح في رجلها
فاستسلمت له على طول وعرضت عليه الزواج من واحدة من بناتها بس فاتفرموس رفض لأنه محتاج يكمل رحلته في البحث عن الشباب بلا عجز والحياة بلا موت.
بعد انتهاء رحلتهم في أرض جنية نقار الخشب، فاتفرموس وحصانه وجدوا أنفسهم في أرض جنية العقرب، وكانت أرضها نصفها زرع ونصفها الآخر قفر.
بعد انتهاء رحلتهم في أرض جنية نقار الخشب، فاتفرموس وحصانه وجدوا أنفسهم في أرض جنية العقرب، وكانت أرضها نصفها زرع ونصفها الآخر قفر.
المهم نفس اللي حصل مع جنية نقار الخشب حصل مع جنية العقرب وفاتفرموس قدر ينتصر عليها وطلبت منه العفو وسمحت له يعبر من أرضها، وقالت له إن بعد ما يخرج من أرضها هيشوف القصر اللي هيلاقي فيه الشباب بلا عجز والحياة بلا موت.. بس لازم ياخد باله علشان القصر متحاوط بوحوش وحيوانات برية شرسة.
وبالفعل أول ما الأمير والحصان انهوا رحلتهم في أرض جنية العقرب شافوا قصر يعمي الأبصار من الجمال تحاوطه النباتات والزروع، بس برضه شافوا الحيوانات المتوحشة اللي الجنية قالت لهم عليها. فاتفرموس بمساعدة حصانه المجنح قدر يتفادى الحيوانات ويدخل القصر،
فاتفرموس رجع جري على القصر وقال للجنيات إنه لازم يعود لمملكته وأهله حالاً. زوجته، الجنية الصغرى، بصلت له باستغراب وقالت له "بس مملكتك اتدمرت وأهلك ماتوا من مئات السنين!"... فاتفرموس بص لها وهو بيقول في دماغه إيه الست المجنونة دي، أنا بقالي هنا كام يوم بس.
المهم فاتفرموس ماركزش مع الهبل اللي الجنية قالته ده وراح جاب الحصان بتاعه وابتدى رحلة العودة.
أول ما فاتفرموس ساب القصر لاحظ أن جلد ايده بدأ يكرمش وركبه توجعه ودقنه تطول وشعره يبيض، والإدراك بدأ يهبط بالتدريج عليه فأسرع خطواته.
أول ما فاتفرموس ساب القصر لاحظ أن جلد ايده بدأ يكرمش وركبه توجعه ودقنه تطول وشعره يبيض، والإدراك بدأ يهبط بالتدريج عليه فأسرع خطواته.
وأخيرًا لما وصل فاتفرموس لمملكته كان ضهره محني ودقنه لامسة الأرض وبيتحرك بالعافية، نزل من على حصانه وشاف مملكته وهي أنقاض وركام كالآثار وقعد يبكي. فشافه الحصان وباس ايده وقال لفاتفرموس إنه هيرجع للمكان اللي أتى منه – يقصد قصر الجنيات –
ولو عايز هو كمان يرجع لازم يروح معاه دلوقتي حالاً، ففاتفرموس رفض وقال له وشبح ابتسامة بيرتسم على وجهه "أنا كمان عايز أرجع للمكان اللي جيت منه".. وشاف الحصان وهو بيطير بعيدًا عنه.
فاتفرموس، مستجمعًا ما تبقى من قوته، حاول يتحرك وراح مكان ما الأسطبل كان موجود ونزل للقبو،
فاتفرموس، مستجمعًا ما تبقى من قوته، حاول يتحرك وراح مكان ما الأسطبل كان موجود ونزل للقبو،
وهناك لقى صندوق صغير مقفول، أول ما فتحه سمع صوت بيقول له "أنا فضلت مستنيك هنا كل الوقت ده، ولو كنت تأخرت شوية كنت هذبل وهموت"... وفجأة، سقط فاتفرموس ميتًا.
ناخد نفس بعد النهاية المُهيبة دي ونشوف ممكن نحس ونفهم إيه من القصة.
ناخد نفس بعد النهاية المُهيبة دي ونشوف ممكن نحس ونفهم إيه من القصة.
غالبًا لأ لأن إحساسه بالوقت كان شبه معدوم ومئات السنين مرت عليه كأنها أيام قليلة، بس الأهم بالنسبة لي أنه كان عايش من غير ذكريات، وده معناه إنه مش فاكر أصلاً هو قاعد في القصر ليه وكان بيدور على إيه من البداية.. الذكريات رجعت له بس لما دخل وادي الرثاء، ورجع معاها العجز والموت.
ارتباط الذكريات بالعجز والموت في القصة مثير للاهتمام ويخلينا نفكر هل ارتباطنا بالماضي هو اللي بيجيب لنا الكافية وهيؤدي بينا، مجازيًا، للعجز والموت؟ ولا هروبنا من ماضينا ونسيانه هيؤدي بينا لحياة بلا معنى حتى وإن بدت في ظاهرها سعيدة؟
هل الثمن اللي لازم ندفعه لحياة سعيدة هو قطع علاقتنا بالماضي؟ أنا مؤمنة أن الماضي والذكريات ممكن يموتوا الإنسان فعلاً، بس أحيانًا برضه بيبقوا هما الدافع سواء للهروب من حياة سيئة أو للبحث عن حياة سعيدة مماثلة.
حياة فاتفرموس في قصر الجنيات، على الرغم من مثاليتها، إلا أنها فكرتني بصورة دوريان جراي في رواية أوسكار وايلد Oscar Wilde الشهيرة "صورة دوريان جراي" The Picture of Dorian Gray اللي بطلها بيقدر يستمتع بشبابه بلا عجز وبيمارس كل الموبقات اللي في الدنيا بلا عواقب
ظروف وأحداث قصتنا مختلفة أكيد بس زي ما دوريان تخلص من وهم السعادة والكمال المتمثل في اللوحة، فاتفرموس أيضًا تخلص من وهم السعادة في قصر الجنيات بدخوله لوادي الرثاء.
وزي ما خطايا دوريان لاحقته فورًا أول ما قطع اللوحة، ذكريات وعمر فاتفرموس الحقيقي برضه لاحقوه أول ما تخلص من وهم القصر وبدأ يشعر بالحنين والعجز فورًا. التخلص من الماضي والذكريات ممكن يخلوك سعيد لفترة طويلة، بس أول ما يرجعوا هيلاحقوك كالكابوس.
تعالوا نوسع الكادر شوية ونرجع لأول القصة خالص: فاتفرموس من قبل ما يتولد وهو واعٍ ومدرك للدنيا والشقاء اللي فيها (طفل معجزة بقى!) وعلشان كده مكانش عايز يتولد، بس أول ما أتولد يبدو أنه نسي الكلام ده وعاش حياته كطفل عادي
ولما كبر شوية وبقى ساب افتكر ورجعت له تاني الرغبة اللي اعترته وهو لسه جنين: شباب بلا عجز وحياة بلا موت. وفعلاً سخر شبابه كله لمحاولة تحقيق رغبته وواجه المخاطر والصعاب بكل شجاعة، وأول ما وصل للي هو عايزه (قصر الجنيات) وعاشه نسي أصلاً هو كان عايز إيه
لحد ما فجأة لقى نفسه عجوز يغمره الحنين والرغبة للعودة لبيت الأهل.. للجذور. حياة فاتفرموس على غرابتها ما هي إلا رمز لحياة الإنسان: بنتولد، بنفضل عايشين في ظل الأب والأم لحد فترة الشباب لما بتعترينا رغبة في الانفصال عنهم وتحقيق الذات والمستحيل،
وفعلاً في الفترة دي بنذاكر وبنشتغل وبنتعب وبنحقق نفسنا وبنستغل مهاراتنا وخيالنا (الحصان) وبنمر بصعاب كتير علشان نوصل للحياة اللي احنا عايزينها، المشكلة بقى أننا لما بنوصل للي احنا عايزينه بننسى احنا كنا عايزين إيه وبنقضي أيامنا في منتصف العمر عايشين وخلاص،
وفجأة بنلاقي نفسنا كبرنا وعجزنا وكل اللي احنا عايزينه من الدنيا أننا نرجع لجذورنا تاني.. بتاخدوا بالكم إزاي الناس لما بتكبر علاقتهم بالماضي بتبقى قوية وبيفتكروا حاجات حصلت لهم من سبعين سنة بس ما بيفتكروش فطروا إيه الصبح!
One short sleep past, we wake eternally
And death shall be no more; Death, thou shalt die.
ماذا لو شوفنا فاتفرموس وهو جنين على إنه روح الإنسان؟ الأديان السماوية، وبعض الأديان غير السماوية كمان، بتقول لنا إن الروح كانت موجودة قبل ما احنا نتولد وإنها مدركة لكل شيء.
And death shall be no more; Death, thou shalt die.
ماذا لو شوفنا فاتفرموس وهو جنين على إنه روح الإنسان؟ الأديان السماوية، وبعض الأديان غير السماوية كمان، بتقول لنا إن الروح كانت موجودة قبل ما احنا نتولد وإنها مدركة لكل شيء.
روح فاتفرموس عاشت شباب بلا عجز وحياة بلا موت وعلشان كده الجنين أتوجد وأتولد بالرغبة المستحيلة دي متأصلة فيه، ويصبح الوعد الإلهي للروح هو الوعد اللي بيحصل عليه فاتفرموس وهو جنين. كلنا بنتولد بالرغبة دي علشان كده دايمًا حاسين أن فيه حاجة ناقصة
وعلشان كده بنصبر نفسنا بالحياة الأبدية بعد الموت. بعد ما فاتفرموس بيتولد وبياخد لفته من طفولة لشباب لنضوج لكهولة في النهاية بيدرك أنه بالغرم من وصوله لرغبته إلا أنها كانت وهم، وأن الرغبة دي مش هتتحقق إلا بعودة الروح للعالم اللي جاءت منه...
دي قصيدة جون دون اللي حابب يقرأها:
poets.org
poets.org
وده رابط لأعمال Maria Surducan اللي رسمت الرسومات الجميلة دي للقصة:
behance.net
behance.net
جاري تحميل الاقتراحات...