إن من الجاهلية الحديثة التي تنافي الإيمان بالله، والتوكل عليه، وتنافي التوحيد وسلامة المعتقد: ما يسمى في عصرنا الحالي بالأبراج، والذي شاع في هذا العصر، حتى أصبح في غالب الصحف العالمية، وله أعمدته اليومية، التي لا تنقطع، حيث يأتي الكهان والعرافون، ويتنبؤون بما سيصيب أصحاب هذه الأبراج، والتي وزعت على شهور السنة، كبرج الثور، والعقرب، والحوت، والأسد، وغيرها.
أولا: أنها تعارض التوحيد، وتجعل لله شركاء في علم الغيب، وعلم الغيب خاص بالله جل وعلا ولقد أمر الله نبيه ﷺ بأن ينفي علم الغيب عن نفسه، مع أنه خيرة خلق الله، فغيره من باب أولى، قال الله تعالى (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) فلو كان النبي ﷺ يعلم الغيب لعلم أن هذه البضاعة سيزداد ثمنها فيشتريها، وتلك سيرخص سعرها فيسارع بالتخلص منها، ولفعل ذلك، ولكنه مثل غيره من البشر لا يعلم الغيب؛ إلا ما أطلعه الله عليه.
ثانيا: إن هذه الأبراج تصيب الناس باليأس والقنوط، حيث إن هذه الأبراج تقول إن المولود في برج كذا يتصف بكذا وكذا، فيجعلون هذه الصفات ثابتة لا تنفك عنه، فلا يمكن عندئذ لمن يصدقها أن تتحسن أخلاقه، أو تتغير طباعه، فيجعلون من يؤمن بهم ضحية لمعتقداتهم الفاسدة، فيصفونه بأنه شديد الغضب، فما ذنبه أو جريرته إلا أنه ولد في هذا البرج كما يدعون، مع أننا نجد أن هذه المواقيت التي يدعونها يولد في نفس اليوم رجل يكون من خيرة خلق الله في دينه وعقله وحلمه وحيائه، ولكن كما قال تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).
ثالثا: إنها تدمر البيوت والأسر، فبعض الناس عندما تحدث له مشاكل مع أهله يقول أحد المتضررين: يا ليتني سألت عن برجه قبل الاقتران به، بل هناك زواجات فشلت -وإن كانت قليلة- بسبب هذا المعتقد، بسبب أن أحد الزوجين علم أن برج زوجه لا يتوافق مع برجه، ومن عاش مع الناس وخالطهم علم أن هذه الجاهلية موجودة عندهم، حتى أولع بهذه الأبراج فئة من الشباب والشابات الذين نشؤوا على التوحيد، وما استفادوا منه، ولكن يجب أن توأد ما دامت في مهدها.
رابعا: إن هذه الأبراج أصبحت تتدخل في كل شؤون حياتهم، حتى في مأكلهم ومشربهم، وما يصلح لهم من غذاء، وما يضرهم، بل وتحدد نوعية الأصدقاء لهم، وكل ذلك ليس لخصال عرفوها، أو علموها، وإنما لاعتقادات جاهلة باطلة استسلموا لها، حتى خرجت لهم كتب تعنى بذلك، وتحدد لهم ما يأكلونه، بل وخرجت أقوالهم النفسية التي تحلل نفسيات أصحاب البرج الذين يشتغلون بهذه الأبراج فيعتقدون معتقديها بها، اعتقادا جازما، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
خامسا: إن هذه الأبراج تجعل الأب والأم لا يسعون لتغيير سلوك ابنهم المشين؛ لأنه ولد في برج هذه صفاته، حتى أصبح البعض منهم يبذل جهدا مع الأطباء لتكون ولادة زوجته مع برج يحمل الصفات التي يرغبون فيها بمولودهم، لأن الأبراج فيها بيان لشخصية المولود قبل ولادته، "كما يدعون".
سادسا: إن هذه الأبراج نشر لعقيدة الجبرية الضالة التي تجعل الإنسان مجبر على أفعاله وتصرفاته، ونفي لاختيار العبد، وهذا الكلام في غاية الضلال والانحراف، ومناقض لقوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وغير ذلك من الأدلة من الكتاب والسنة.
سابعا: مما يدل على بطلان هذه الأبراج حتى من الناحية الواقعية اختلاف هؤلاء المنجمين اختلافا بينا في أسماء الأبراج، فعند اليونانيين مسامياتها مختلفة عن الصينيين، والأسماء المعتمدة عند منجمي وكهنة العرب في الغالب هي المعتمدة عند اليونانيين.
ثامنا: اختلاف هؤلاء المنجمين في دلالات هذه البروج بناء على اختلافهم في أسماء البروج، فبعضهم جعل طبائع المولود تابعة لطبيعة الحيوان الذي يسمى به البرج.
تاسعا: مناقضة الواقع ومخالفتها له، فعند اليونانيين ومن تبعهم قالوا عن المولود في برج الحمل، وهو أول برج عندهم: يكون أسمر اللون، طويل القامة، صعب المراس، سريع الغضب، إلى غير ذلك من الصفات التي استمدوها من صفات برج الحمل، في حين أن أول برج عند الصينيين هو برج الفأر، وجعلوا المولود فيه يحمل صفاته، فما ندري أهذا المولود في أول برج سيحمل صفات الحمل أم صفات الفأر؟!
جاري تحميل الاقتراحات...