مَوئِل
مَوئِل

@xka44l

88 تغريدة 19 قراءة Dec 17, 2023
"إلى من أُلقيَ قلبهُ في غياهب الجُبّ"
إبتدى تنزيل وحي قِصتنا عند إشتداد البأس ، وحلاك الحال ، وغُمَّة القلب ، وكَمَد الفؤاد ، وإعتصار الوجدان في عامٍ أشبهُ ما يكون قلبُ المرءِ فيه جنازة ، يمشي بِها وحدهُ وكُلهُ مأتم ، عامٍ يشوبهُ الكدر على خيرٍ من وطئ الثرى ، مُحمدٌ ابنِ عبدِ الله صلاواتُ اللهِ عليه تترى.
يبتدي سِياق القصة عندما اِستفاق ذلك الصبي الذي أُعطِيَ شطر الجمال ، نَهِضَ وجِلاً ، مُتعجِّبًا ممن رأى في منامه ، فلم يتَّجِهَ إلا لمن يُشعره بالأمان لِيُخبره ما رأى
فمثَلَ أمام والده ، لِيصف ذلك المشهد المُهيب ( إني رأيتُ أحدَ عشرَ كوكبا والشمسَ والقمرَ رأيتهُم لي ساجدين)
فعندما أنصتَ يعقوب ، وأصغى لذلك الكلام من ثمرة و مُهجةِ فُؤادهِ اِستبشر وتهلل وجهُه ،وذلك بأن الآء الله ونعمائِه التي أسبغها عليه وعلى والديه، سَيُتمها عليه وذلك عن طريق اِجتباء يوسف ولذا قال (وكذلك يجتيبك ربُك ويُعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب)
ولكن قبل أن يغمرُ الفرحَ يعقوبا ، خالطهُ بعض الشك واعترتهُ بعض الأحاسيس التي بشأنها أخبرَ طفله بأن لا يقصُ رؤياه على إخوته ، حتى لا يكيدون لهُ المكائِد ، ولكن يعقوب يمتلك قلبُ أب ، لم يُرجِع السبب لِابناؤُه ، وإنما جُّل الأمر وما فيه (إنَّ الشيطانَ للإنسانِ عدوٌ مُبين)
ولم تلبث ظُنون يعقوب حتى أصبحت واقعًا ملموسًا ،وذلك حين أضحى الشيطان ينسِجُ غزلُ الكراهية ، ويحبُك بَثَها بالأرجاء وبين بعضهم البعض ، فما أمسى إلا وقد اكتمل اِتساق تلك الثياب ، التي بدأت تنبعث منها روائح الحسدِ والغُل والكراهية
حتى بلجَ ذلك في اِرتدائِهم لتِلك الثِياب ، و وَضَحَ ذلك بِخُضوعهم لخواطرهم وأفكارهم التي ظَفَرَ الشيطان بزرعها ، فما هيَ إلا أيامٌ حتى اِستقامت ثِماره وَجَنَت ، فتكمَّلت في مشهد يجتمعون به ليقولون( إذ قالوا ليُوسفَ وأخوهُ أحب إلى أبينا منا ونحنُ عصبة إن أبانا لفي ضلالٍ مُبين)
فكما أنَّ نُسق الثياب لا يكتمل إلا بالحُلي والزينة ، لم يُرد الشيطان أن تبقى كما هي ،فتخمُد نِيرانُ الحسدِ وتسكُن ،بل تاق إلى أن تتأجج وتضطرِم ،فاحتدمت كما بغى وعاينَ يتأمّل لهيبها في ذلك المشهد الذي لاحَ توقدُ النقاش الذي دارَ بينهم(اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخلُ لكم وجه أبيكم)
فنطق صاحبُ الرأي الأخف منهم ، ذلك الرأي الذي آثرهُ الله بأن يقع، والذي لا يُخالف مُبتغى إخوته في إنهاء مُستقبل أخاهم "وهو الإلقاء في غيابةِ الجُبّ"
ولكن واقعة حالهم كانت عاكسة ذلك الخيار بكل وضاحة ، فهُم مُلقون في غيابةِ الغيظِ والكُره ، لا يُبصرون غشاوتها إلى حدِ التراود إلى أباهم لكي يُحظون بميكدتَهُم التي قُوبِلت بالرفض في كُل مره
وذلك أنَّ يعقوب كان يعتريه ذلك الهاجس الخافت ، فأتى السِياق القُرآني مُوضحًا سلسلة الرفض تلك في قولهم لِأبيهم ردًا عليه ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾
فاكتَسَت تِلك الوجُوه التي ينبثق منها ملامحِ الزيف بجمال عبقِ الحُب والعطاء ، ونمَّقت عباراتها لِتتحايل بذلك الأُسلوب المُرواغ الذي يتلمس مواطن الضُعف المُسببه ذلك الرفض المُستمر ، راجية أن تُقَوِيه وتُأمِّنهُ من روعهِ ، قائِلةً له :(أرسلهُ معنا غدًا يرتع ويلعب وإنَّا له لحافظون)
ولكنَّ يعقوب قد عَايَنَ تلك التصدُعات في طَلعة كُلُ واحدٍ منهم ، وأبصرَ مِن خِلالِ ثُقُوبها الغيظُ القابعَ داخِلَها، فأدلى بالرفض مُبينًا لِحُجةً ستُصبح عليه لاحقًا
فقال ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾
فردعت تلك العُصبة التي أجمعت على تنفيذ مكِيدتهم ذلك الإفتراض ، واعدين أباهم وعُودٌ تُشابه ملامِحهُم التي ظاهرُها حُنوٍ وشفقة، وباطنها الجَور والظُلم
فلمََا رضِيَ وقبِلَ اِصطِحابه معهم ، و ودعهُ وداعُ والدٍ لولدهِ ، سارَ ذلك الصبي بكل حماسة واندفاع مع إخوتهِ للعبِ والمرح ،ورأى منهم رغبات الحفظِ والصون التي كانوا يُردِدُونها لوالدهِ قبل أن يتوراوا عن عيناه
فلم يلبث حتى لاحظَ ذلك الصبي تلك الأعيُن التي اضمحلت منها نظرات الحنانِ والعطف، فتبدلت بأبصارٍ تُحدِجه وتنظُر إليه شَزرًا ، فأملات الجو وحشةً وغُربةً وتلبسًا لِفكرهِ حينما أقبل بعضهم يضربه
فكان ذاك الصبي كحال بقية الصِبيان ، يفرُ منهم إلى بقية إخوته مُستغيثًا بهم ولكنهُ يزدادُ حيرةً عندما يتلقى منهم نفس الرد ،حتى جردوا عنهُ قميصهِ وانتزعوه منهُ اِنتزاعا ، ولم ينتزعوا تساؤلاته الكامنة بعقلهِ بحقيقة فِعلتهم التي يفعلونها
حتى ألقوهُ في قعرِ ذلك الجُبّ الموحش،الذي امتدت رحمات الله إليه وأنوار لُطفهِ لِتُضِيئ له وحشة تلك الغيابة،ولِتقشعَ غِشاوته لِتُبصِرَهُ مرحمة الله به وعنايته بعبده (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)
ولمَّا غابت شمس ذلك اليوم ،وبدأ يُخيِّمَ السوادُ على فؤادِ يعقوب حينما كان في ترقُبٍ وقت العشِي ،وازداد عُتمةً حين أقبلوا عليه يتباكون ، مُدلين تلك الحجة عليه لتكون داحضةً لُمحاولاتِ نفيه
فارِضِين دليلهم الذي يزعمون بِصدقه ،باغينَ أن يُصدقهم فَألقُوا عليهِ رمزٌ من رموزِ القِصة ،ذلك القميص المُلطخَ بالدِماء ،الذي أدامَ يعقوبَ النظر بِه وتمعنهُ جيدًا ، وتأمَّل بهِ مقدار رأفةُ ذلكَ الذئب الذي لم يُبقي حَشَاشةِ جوفهِ حيًا ،ولكنّهُ تركَ جميع أشكال الحياة بقميصهِ السليم
فَنظرَ إليهم بنظرةٍ يَملؤها الأسف وهو يقول أبلغ ما قد يقولهُ المرءُ في موقفٍ كهذا ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ)
يعود المشهد إلى ذلك الصبي الجَالِس على تلك الصخرة في الغياهب ، تجمَّعَت عليه ظُلماتٌ ثلاث
البئر ، والليل ، وأحلكها كانت فعلة إخوته ،مُتشبث بِبَصيص أمل راجيًا الخروج
وبعد أن ظنت تلك العصبة بأنَّها أنهت مُستقبله، أحوَجَ الله تلك القافلة لِيتوارد قومُها الماء ، فأرسلوا الوارِد الذي أحسَّ بثقل الدلو حين ألقاه، فلمَّا رفعهُ تهلل واستبشر بقولهِ غُلامُ نفيس، ولكن لا زالت النوايا السيئة مُحاطة بذلك الصبي أينما ارتحل ، فأسَّروهُ وجعلوه بِضاعةٍ تُبتاع
حتى أنَّهم كانوا بِهِ من الزاهدين ولم يعلموا بأن من زَهدوا به نبيٌ مُختار ، وأن ابتياعهم ليس سِوى طريق مَهدهُ الله لِيطَأهُ ذلك الصبي و لِيبلغُ ما أراد الله أن يبلغ
وفي أسواقُ مِصر الصاخبة ، وبين زِحام حُشودِها كان عزيزها يتمشى بِها ، وسارت خُطاه إلى ذلك الصبي الجميل ،فاشتراه وقال لِامرأتهِ أكرمي مثوى هذا الصبي لعلنا ننتفع بِه،فدخل يُوسف إلى قصرٍ رفيعُ الشأن ، عديدُ الأبواب ، لم يرى مثلهُ من قبل
وتربى في كنف سيد هذا القصر، حتى من بلغَ ذروة القوة ما أتاهُ الله النبوة والحكمة والعلم في تفسير الرؤى وإصابة وجه الحق ، ومن ذروة الجمال والشباب ما أوجَدَ ذلك في قلب سيدة القصر جُذوةُ من نار أوقدتها كفتنةٍ في أحد الأيام حين راودته عن نفسه ، وأحكمت إغلاق تلك الأبواب
وهيأت حالٍ كان لا يستطيع أن ينجو أحدًا منه إلا من عُصِم ، فلمَّا تفوهت بذلك تِجاهه ، فرَّ من نفسه لله وذكَّرها بمقام العبودية باستعاذته من ذلك ، ثُمَّ اتبَعَ ذلك بتذكِّيرها بمقام الوفاء والمروءة ، بكلماتٍ لايزال صداها بالأمس يترددُ في أُذُنيه مُنذ اشتراه سيده،(أكرمي مثواه)
والتي تقتضي بأنَّ مُقابلة الإكرام بالاعتداء ليس إلا صورةٌ من صور الظُلم فأدلى القرآن قوله (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)
بالرغم من هذهِ الكلمات إلا أنَّ نفسها أبت عن الامتناع ،ومالت إليه إجبارًا ، فهمَّت بهِ وهمَّ بها لولا أن عاين ذلك البرهان من الله والذي يُزجِرهُ ويمنعه عن القيام بذلك
فأدركَ أن أبواب الفتنة ألقت شِبكاها عليه حين غَلِقت الأبواب ، وإن الفِرار من تلك المصيَدة مُوجبة تحطيم الأبواب لِيخرُجَ منها لا تشُوبهُ شائِبة
فانطلق يسعى يدُكّ مفاتيحها المُؤصدة بابًا تلو الآخر ،حتى امتدت يداها فشقَّت ذلك الرمز ،ذاك القميص الذي جُرِدَ من قبل اجبارًا
فانبلقَ الباب الذي ألفيا عندهُ السيد ، فسبقته وزيفت الحقائقِ التي رمتها ظُلمًا وبُهتانًا عليه ،فتظاهرت بأنَّها الضحية ،و الأجدر أنَّها كانت ضحية لِهوى نفسها
وأنَّ جذوةُ النار التي في قلبها لم تعد كذلك ، بل أصبحت نارٌ تتأجج تُحاول أن تصطلي بها دون أن تحرقها وذلك تجلى في قولها لزوجِها عندما خيرتهُ بأن مآلهُ ليس إلا غياهب السجن أو عذابٍ يحل به" وذلك لتضمن بقاء حياته"
فأخبرَ يوسف بالحقيقة، فذلك الامتناع المقرون بالإخلاص لله أولًا ثمَّ لسيده ،يوجب بأن الله يُظهر تلك البراءة التي لُطخت بدنس الافتراء ويُنطِق الله ذلك الشاهد الذي هوَ من أهلها بحقيقة الحال ،وإنَّ لإشراقة الحقائق ليس عليهم إلا التأكُد من ذلك القميص إن كان قُطع من أمام أو من الخلف
فلمَّا عاينَ العزيز بزوغ الحقيقة ، وقعُ انبلاجها عليه كان شيئًا لا يكاد يُذكر ، إلا أن أمرَ يوسف بالاعراض وأن تستغفر فقد كان تصرفها خاطئًا!
وذلك كي لا يتوسع نطاق الحادثة فينتشر
ولكن أمرُ ذلك القصرِ كان شائك ، فانتشر الخبر حتى وصل لمجالسِ النميمة في المدينة وتم تناقله إلى أن وصل لتلك النسوة اللاتي رَينَ أنَّ وقوع تلك المرأة بحب ذلك الخادم قِمةٌ الضلال ، ولم يعلمنَ أن عُلو الزيغ والجهل كان يكمن بعدم المُبالاة لقبح هذا الفعل وليس لفروق المقام ما بينهما
وامرأة العزيز تعرف الطِباع وصِحابها ،ولذا قامت بدعوة إلى مجلسٍ قد أعتدت وهيأت حاله،وأعطت كُل واحدةٍ سكينًا لِتسدل الستار وتُرخي إيلامهنَّ لها في موقفٍ أمرت فيه يوسف بالدخول
فأقبلَ نِصف جمالِ أهل الأرض يسير بين ثنايا إنسان،وما كان من ذلكَ الُحسن والبهاء إلا إنَّ وُلوجهُ إلى أعين الناظرين بترَ ذلك الوعي ،وسلخ الشعور بجميع الاحاسيس إلا الاحساس بجماله ،إلى درجة أن قُطِعت تلك الأيادي وجُرِحت دون اِكتراث لها
وظفرت سيدة القصر بمكيدتها ،وأدلت مُعترفة بحقيقتها ﴿ قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾
فتترامى الأقوال على مسامعَ يوسف عليه السلام ، ويلوذُ مرةً أُخرى إلى ربه مُستجيرًا من شرور الشيطان ،مُعتصمًا بالله ، داعيًا بأن يُنجيه من هذهِ الفتن عاملًا بالأسباب وهو أنَّه قد آثر السِجن على صبوة الشباب
فاستجاب البرُ الرحيم دُعاه فصرف عنه مكائد القصر وشروره، وذلك حينما تبدى للعزيز وحاشيته رأيًا آخر حتى بعد أن أبصروا تلك الآيات التي تُبرهن عفة يوسف وصدقه وهي أن يُحبس إلى أجلٍ غير معلوم منعًا للفضائح
وفي دُجُنات السجون ، وخلف إحدى الزنزانات كان هُناك فتيان ، قد أبصروا الصلاح وتوسمه في مرأى يوسف ،فجاوروه لِيُصرِحَ كل واحدٍ منهم ويحكي ما يُؤرق عقله وهيَ رؤياهم ، فقال إحداهم إني أراني أعصر العنب حتى يُصبح خمرا ، وقال الآخرُ إني أراني أحمل فوق رأسي خُبزًا تأكل الطير منه
ولأن يوسف نبي، والنبي داعيًا إلى الله ، خاطبهم بِخطابٍ يدعوهم فيه إلى الإيمان مُستجيبًا لطلبهم ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ)
فأخبرهم يوسف أن ذلك العلم ليس منه ، وإنما من الله فهو ليس بكهانة ولا تنجيم لكيلا يتوهمون ، وأن ذلك العلم بمثابة تذكير بإسباغ فضل الله عليه وعلى والديه الذين سلكَ نهجهم واتبعَ مِلتهم ،مُصرحًا بذلك في قوله في هيأة سؤال
(يَا صاحبي السجن أأربابٌ متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار)
ثم اتبعَ سؤاله بإقرار الفطرة السليمة ، والعبودية الصحيحة ، والعقيدةُ المتينة ، وهي الانقياد لله والخضوع له ، و أنَّ جميع ما دُعي من دون الله ليست إلا أسماء سُميت و وِرِثت عبادتها جيلًا بعد جيل لم يُنزل الله بها سلطان
ثم بعد أن دعاهم لله افتاهم في ما طلبوا ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ
بعد ذلك أظهرَ السياق القرآني آداب العلم التي تجلت في يوسف وقوله للذي "ظنَّ أنَّه ناجٍ منهما" فلم يُجزم بذلك رغم العلم الذي انهمرَ عليه من الله ولكنه تواضع بذلك فلم يُقر ويجزم
فيطلبه "بأن يذكرهُ ذلك الفتى عند الملك"
ولكن أنساهُ الرجيم ذكرهِ ، فلبث يوسف بِضع سنين في دُهمة السجون
وفي إحدى الليالي ، يستيقظ الملك وقد رأى رؤيا غامضة ، مُبهمة لا يعرف شيئًا عنها إلا إنها أمرًا يُقلقهُ إلى درجة دفعهِ لِيُحدث بها أمام الملأ ،واصفًا إياها وصفًا بليغًا ، فلا تكاد أن تكون أضغاثُ أحلام كما ادَّعوا ، فقد رأى سبع بقرات سمان تأكلهن سبعٌ هزيلات وسبع سنبلات وأخرى يابسات
ولكن الإنسان إن سقط في وهم المعرفة المُطلقة، يعجز وعيهُ أن يدفعهُ إلى الاعتراف بجهله وذاك لنزعة نقص تُقاوم داخله، فلم يعترفوا بحقيقة عجزهم عن تعبيرها ولم يجدوا ذريعةً إلا أن يقولون إنها ليست رؤيا وإن تأويل غير الرؤى ليس من اختصاصهم( ومانحنُ بتأويل الأحلام بعالمين)
وفي اثناء تحاورهم ، كانت أحاديثهم تصل إلى مسامعِ ساقي الملكُ وهو يعصر خمرًا ،فيُبصر حقيقة حاله وما تحققَ من تعبير رؤياه على لسان يوسف حينها ،ويتذكر حقيقة نسيانهِ لما اوصاه ، فابتغى تكليف الارسال لِيخبر ملِكَهُ برؤياه ولينجز وعدهُ الذي نساه ليوسف
فيقف أمام يوسف ليسرد تلك الرؤيا دون زيادةِ أو نُقصان تمامًا كما ترامت على مسامعه،فيخبرهُ مُباشرة بالتأويل دون أن تُخالط حظوظ نفسهِ ما آتاه الله من علم ، ودون اشتراط خروجه من السجن بالرغم من مقدرته
فيُعرِّف يوسف أن السبع البقرات هي سبع سنين مُتتابعة تُزرع حصادها بجد ، وإن ما أُحصد يجب أن يُدَّخر بكل مره إلا قليلًا مما يحتاجونه لأن سيأتي بعد ذلك السبع العِجاف والذي من شدة قحطها أخبرهم أن بقاء حصادهم سيتلاشى بها لأنها ستبتلع جُّل الحصاد إلا قليلًا من البذور المُحصنة للزراعة
ثمَّ يتبع يوسف أمرٌ لم تذكره الرؤيا ولكنهُ من علم الله لهُ،وهي أن يأتي بعد ذلك عام يُغاث الناس فيه بعد الجدب والقحط ويعصرون فيه الثمار من كثرة الخصب
فعندما سِمع الملك بذلك ، أُعجب بالتعبير لأنه منطقيًا يُطابق ما رأى ولأن ما أخبرَ به أمرًا مُهما لبلاده ، فطلب أن يأتوا بيوسف
ومن رجاحة وعقل يوسف بأن يرفض الخروج كمعفي عنه ، فهو لازال مُتهم بقضية عِفة وشرف لم يأتي بها بل أتته راغمة
فطلب من ذلك الساقي أن يرجع إلى سيده وأن يسأله عن تلك النسوة وعن دسيستهم التي كادوها ليوسف وحقيقتها
فجمعهم الملك فبادرَ بسؤالهم عن ذلك
وما كان بعد الشدائِد إلا أن تُقضى كانقضاء الليل الذي يعقبهُ ظهور الفلق ،وبرزت شمسهُ بظهور براءة العفيف الصادق ،فحصحص الحق ،ونطقت امرأة العزيز التي تحول حالها بعد سنين ،مُقرَّة بأن طبيعة النفس لا تأمُر إلا بالسوء إلا من عُصمت ، وأنَّ الله لايهدي كيد الخائنين ،وأنّه يتوب على من تاب
فعندما استبانت براءة يوسف ، طلب الملك رؤيته ، فلمَّا رأى بيانُ العلم لديه ، ومنطوق حديثهُ الحسن ، وأخلاقه الكريمة ، وأصلهُ النبيل ونباهته ، قال له إنك مكينٌ لدي ، فطلب يوسف أن يتولى خزائن مصر لينفعَ العباد وليقيم العدل في أرضها
وتجري الأعوام التي يصف الله بها مقدار إنعامه على نبيهِ يوسف حيث مكَّنَ الله له بعد تتابع الابتلاءات والشدائد خروجهُ منها ،فهو الآن عزيزُ هذه الأرض، يتولى شؤون العِباد وينشر دينُ الله في أرض عندما دخلها كان ليس إلا عبدًا يُباع في أسواقها
وبعد إذ ارتحلت سنين الحصاد ،أطلت السبع العِجاف ،فعمَّ الجدب والقحط حتى بلغَ أرض يعقوب وبنوه ، ولكن وِجدانُ يعقوب قد تجدَّبَ مُنذُ فارقهُ من يُمليه بهجةً وسرورا
فأمر الأبناء للذهاب للميرة ،بعد إذ ذاعَ صيتُ العزيز بلين جانبه ورأفته وإكرامه
فدخلوا عليه فعرفهم وهم لم يميزوه بأنه أخاهم ،وذلك يقتضي دائمًا بحقيقة أن الأُوجه التي تظن دائمًا بأنكَ ستصبح لعنةً عليها واقعة حالك تُخُبرك العكس، فتجد أنك شيئًا لا يكاد يُذكر بين طيات حياتِهم وأنّك الأوحد الذي لا يزال يُصارع لعنتهم
فعندما كَالَ لهم وجهزَّ جِهازهم ،حُظيَ يوسف بمُحادثة معهم والسؤال عن حالهم ، فأخبروه أن لهم أخًا آخرَ تركوه عند أباهم ، فرغّبهم بالإتيان بِه بقولهۚ( أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ)
واتبعَ ذلك الترغيب ترهيبًا، بأن عدم إتيانهم لِأخاهم يستوجب عدم الكيل لهم مرةً أُخرى إن عادوا ، وذلك نباهةً من يوسف لكي يُحتم عليهم العودة مرة أخرى بصحبته ، فكان الرد منهم يُظهر حرص أباهم عليه بعد حادثة يوسف وهي قولهم (سنرواد عنهُ أباه وإنا لفاعلون)
فيلوح بالأُفق دهاء يوسف وسداد رأيه ، فيخبر غِلمانهِ بأن يرجعو تلك البضاعة إلى رِحال إخوته لسببين ، إحداهما ليرون مقدار نُبله وحُسنه ما يُلزمهم العودة مرة أخرى ،والآخر هو لاحتمال إن كان لايتواجد لديهم بضاعة تلزمهم العودة والاكتيال فتحل هذهِ البضاعة محلها ليعودون
وعند عودتهم إلى أباهم اخبروه فورًا بما قال العزيز ، حتى قبل أن تُفتح تلك البضاعة ، فقالوا له ما قال وطلبوا اصطحاب أخاهم بنيامين ليكتال حصته ، ووعدوه بأن يحفظوه من كل شر
ولكن هذهِ الأقاويل حركت كوامن الأوجاع والأحزان لدى يعقوب فهم من قالوا له (أرسله غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون) فأدلى بالرفض قائلًا كيف آمنكم عليه وقد كانت نتيجة تأميني على أخيه حالتي كما ترون؟
ولمّا فتحوا متاعهم، وعاينوا إحسان ذلك العزيز برد بضاعتهم قالوا ليعقوب ما نبغي ، فالبضاعة رُدت والأولى بذلك أن نمير ونرسل أخانا معانا لنزداد كيل بعير ،وذلك أن العزيز يكيل لكلٍ واحد منهم حصة لاتزيد ولا تنقص
فوافق يعقوب بشرط إيتاء المواثيق الغليظة ،والعهد الصادق بالله بأن يأتون به إلا أن يُحاط بهم أمرٌ فوق طاقتهم فلا يستيطعون ذلك ، فلمّا آتوه كان الأمر الأوحد هي أن يتوكل على الله وكفى به وكيلا
ثمَّ أمرهم بأمر ، وهو الدخول من أبوابٍ مُتفرقة لأنهم كانوا مظنةً أن يُعانوا ، وذلك لبهاء وشارتهم الحسنة ولكونهم أبناء لرجلٍ واحد ، ثُم يُتبع كلامهُ بأن مفادهُ لا يدفع شيء قد كتبه الله لهم ، ولكنه أخذ بالأسباب المشروعة
فلما دخلوا على يوسف واكرم ضيافتهم ،اختلى بأخيهِ بنيامين وضمّهُ بعد فُراقٍ طويل وأخبره أنه أخوه يوسف وذلك لأن بنيامين كان صغيرًا لا يكاد يذكره ، فاجتمع شملهم مرة أخرى بلقاء يُثير الأشجان، يُخبرهُ فيه بأن لا يبتئس بما عملو ، واتفقَ معه بأن يقومون بحيلة لكي يبقى بها الأخ الأصغر لديه
وذلك عندما جُهزت الأمتعة وشدوا رِحالها مُغادرين فإذا بِصائح يهتف عليهم بأنهم سارقين ، فأقبلَ بعضهم مُتعجبين وما سُرِق؟ فقالوا صواعُ الملك الذي جعله يوسف مُسبقًا في رِحال بنيامين
وذلك لكي يتسنى له أن يأخذُ أخاه عندما قالوا لهم ما الجزاء إن كنتم كاذبين؟ فبذلك جعلوا تحديد الجزاء يأتي منهم وذلك ما يبتغيه يوسف
وذلك لأن في شريعة يعقوب أن السارق كان عقابه أن يكون عبدًا للذي سرق منه وهو الرق،فلمّا استخرجها من أوعية أخيه حازَ عليه وبقيَ عنده ، وذلك التدبير كان من العليم الحكيم أُنزل من فوق سبعِ سماوات (كذلك كدنا ليوسف)
فلم ترى العُصبة حُصنًا تستترُ به لتتوارى من ذنبِ أخاهم إلا إن تُقصيه كما أقصت يوسف من قبل ، مُتلفظين بذلك مُحاولين أن يزكون أنفسهم فاتهموهم (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل)
ولكن يوسف لو ارتأى أنَّ للعِتاب جدوى ، لم يُسرها في نفسه إسرارا بل أبداها لهم ، فكظم غيظه لأن الله عليم
فاخذوا يتملقونه مُحاولين الإيفاء بوعد والدهم فطلبوا أن يأخذ أحدهم مكان أخاهم لكي لا يُفجع فؤاد يعقوب مرة أخرى
ولكن يأتيهم الرد الحاسم والذي يقطع آمال إخوة يوسف في العفو عن أخاهم ،تاركهُم يفكرون بمصيره وتعلوهم الكآبة(قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون)
فيصف القرآن تلك الحالة التي اختلوا بها بعد يأسٍ أصابهم ليتناجون في ما سيفعلون مُبرهن إيجازه وإعجازه ، فقد وُصفت ببضع كلمات (فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗا)
فقال ارجحهم عقلًا والذي كان أخف رأيًا عندما اجمعوا أمرهم وهم يمكرون ليوسف ، مُذكرًا إياهم أخذهم للمواثيق ووعدهم الذي قطعوه لأباهم والذي فِرِطَ به عندما أبرموه لصون يوسف ، مُعلنًا أنّه سيلزم الوعد ولن يترك مصر إلا أن يسمح له أباه أو يحكم الله له
ويُكمل قوله طالبا إخوته تبليغه يعقوب ، وهو أن بنيامين سرق فلم نشهد بذلك إلا بعد مُعاينة ولأنه يُدرك حقيقة إتيانهم بذلك لوحدها لن تنفع ،فهم من ألقو ذلك القميص دليلًا كاذبًا قائلين لأباهم (ولو كنا صادقين) فألزمتهم نوائب الدهر أن لا يأتون بدليل إلا بسؤال القافلة والأهل(وإنا لصادقون)
إلا إن أقاويلهم التي شابهت ذلك الموقف الذي كان حاضرًا من قبل في عقلِ يعقوب ولم يغيب عن بالهِ حتى مع غياب السنين ،فتضاعف كمده ، وعظُم كربه ،ونمى الأسى حتى توغل بداخله مُنتظرًا من يُسقيه ليعلن فوزهُ
فانزوى بعيدًا ومرّ خيالُ يوسف في ذاكرتهِ مُثيرًا لأشجانهِ ساقيًا أسفهُ الذي كان يكظمه أعوامٌ مديدة حتى خرجَ منهُ بخروج سوادِ عيناهُ عن بياضها
فكان بياض تلك الأعين يُشابه يقينه وصبرهِ الذي لم يتغير مُنذ سنين ، فما كان من هذا النقاء والبياض إلا أن يعكس ذلك اليقين الذي تلمسَّ بهِ حُسن ظنهِ بربه ، فلم يكن منالهُ أعظم من النازلة التي حلت به ،وهي أن يأتيهُ الله بهم جميعًا
فكان لا يُبدي ما بهِ حتى تبدى بهِ ، وقد أبصرَ بنوه أثار ذلك فتلمسوا أن يكُف عن ذلك ، فتجلت قيمة الإيمان وقوة العلم بالله التي من شأنها أن تسكب بَردَ السكينة واليقين على الفؤاد المكلوم، وهي أن تبُث ما انطوى بصدرها لبارئها ، فلا يُطلب ولا يُرجى ولا يُسأل إلا هو وحدهُ
فمُحسن الظن هو من تلمس لُطف الله بكل شيء ،فأمر يعقوبُ لبنيه بالذهاب والتحسس من أخبار يوسف وأخيه كان يأنس ألطاف الله ومعيته حوله وذلك ببساطة لأن( إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
فدخلوا إخوة يوسف عليه وقد اعتراهم الهزال وغشيهم الجوع والذل ، وألمَّت ملامحهم المسكنة برفقة بِضاعتهم الحقيرة ، فامتدت تلك الأيادي التي القتهُ في البئر ذليلة تسألهُ الصدقة ، فبقيَ يتأملها ، وعاتبهم بذلك مُعترفًا ،فعرفوه
وابصروا الإخوة حقيقة مآلهم الذي انتهى بأن يطلبون إنجادهم من مصيرهم ممن أرادوا أن يسلبوه مصيره ويتخلصوا منه ، مُقرين بذنبهم ومُعترفين بأن الله فضلهُ عليهم وآثره عليهم ،فينجلي خُلق الأنبياء بقولهِ(لاتثريب عليكم اليوم)
فسأل يوسف إخوته عن حالِ أباه الذي علِمَ أنّ قد مسه الضر ، فطلب من أحدهم أن يسير بذلك الرمز إليه ،ويُلقيه على وجهه ليرتد إليه بصره ، ثم يأتيهم بأهلهِ جميعًا
فلمَّا تجهزت العير ، وانطلقت القافلة تسير من أرض مصر إلى فلسطين وبينها مسيرة أيام وشهور ، ما كان لِمُحسنِ الظن الذي تنسم بوادر الفرج إلا أن يأتيه ، فهبت رياحُ البشرى حاملةٌ رِيح يوسف إلى يعقوب ، مُقسمًا أنه يجدُ ريحه لولا أن ينسبون إليه من حوله الكذب وضعف العقل
فلمَّا أقدمَ البشير حاملًا قميصًا قد أُلقي عليه ترحةً من قبل ، يُلقى عليه الآن فرحةً ، فيعود بصره ويعودُ معه حُبور صدرهِ الذي اغتم أعوامُ مديدة ، مُخبرًا من كان ينسب إليه الضلال من بنوه نتائج علمهِ وحسنُ ظنهِ بالله وما اثمرت
فلم يُظهرون ردًا أفضل من أن يعترفوا بذنبهم ويسألون أباهم الأستغفار فاستجاب لهم رحمة
وخرجوا قاصدين يوسف، فعند وصولهم ضمَّ يوسف أبويه إليه وأكرمَ أهلهُ ، فكانت نتيجة الحلم و الإكرام هي إبراز أن أمرُ الله غالب وذلك حينما سجدوا له فأبصرَ الكواكب والشمس والقمر في طلعة كل واحدٍ منهم
ووقف يتأمل تدبير الله له بقولهِ( إن ربي لطيفٌ لما يشاء) فتاقَ يوسف أن يكتمل تمكين الله له وإنعامه عليه بأن يتوفاه الله على هذا النهج ،طريقُ والديه ، مُسلمًا لاحقًا إلى عاقبة الصالحين الأبرار .
-انتهى
drive.google.com
إحدى المُتابعات الراقيات وفرته لكم بي دي اف رغم إني ما طلبتها ، الله يسعدها🤍
مرو عليه لو ما تبونه كسلسلة تغريدات

جاري تحميل الاقتراحات...