شركة رتوة للمحاماة
شركة رتوة للمحاماة

@RatwahLawFirm

11 تغريدة 5 قراءة Dec 09, 2023
من المستقر في المهنة أن النظر لا يخلو إما تأصيلا أو تنزيلا، ولا يخلو قانوني من توقّفه على نصّ نظامي حائرًا في معناه، أو مترددًا في مبناه، مستغرقًا فكره في ماهيّة دلالاته ومآليه، ومرتبكًا فهمه في صحة تأصيله أو مجرى تنزيله على دعواه؛ وعونًا على تحصيل الآلة المعينة لفهم النصّ النظامي؛ سطرنا سبتيّة اليوم بعنوان "الآلة الموصلة لتفسير النصّ النظامي"
1- في مطلع 2002 انهارت شركة آرثر أندرسن إحدى أكبر خمس شركات المراجعة في العالم، وكان انهيارها على إثر واقعة إنرون الشهيرة، فاُتهمت بالاحتيال وعرقلة سير العدالة لإتلاف الوثائق المتعلقة بشركة إنرون بعد اندلاع فضيحتها، وأُدينت شركة آرثر أندرسن من قبل محكمة الدرجة الأولى، وأيّدت الحكم محكمة الاستئناف.
2- حادثة آرثر أندرسن سمع بها القاصي والداني، بيد أنّ ثُلّة قليلة من الناس تعلم عن نقض الحكم الصادر ضد آرثر أندرسن من قبل المحكمة العليا، وكان مناط النقض تفسير القاعدة القانونية الموجبة للجريمة..
3- إذ نصّت القاعدة القانونية على أنّ إتلاف الوثائق ليست جريمة مالم تتم بنية فاسدة، فانتزعت محاميّة آرثر أندرسن مصطلح (بنية فاسدة) وتوقفت عند هذا القيد ومحصت معانيه ومآليه حتّى انتهت إلى عدم تنزيلها على الواقعة محلّ الإدانة، ونٌقض الحكم نتيجة ذلك.
4- إنّ مهارة تفسير النصّ النظامي من أجلّ المهارات التي ينبغي على المهني العناية بها، إذ الواقعات بين النّاس لا تخلو من تبدّل وتغيّر، والأصل فيها الاستجداد لا الثبات، وتنزيل النّصوص النظامية عليها يتطلّب ملكة راسخة في فهمها واستيعاب دلالتها.
5- وتفسير النص النظامي لا يخلو من أن يكون تشريعيًا أو اجتهاديًا والأخير هو محلّ موضوعنا، إذ الأوّل تلبّس بلباس النص النظامي بقوّة المشرّع، فهو ملزم، أمّا الأخير فلا وهو ما تتناوله الأفهام وتنصره سياقات الجدل.
6- و الأدوات التي تعين المهني على فهم النصوص النظامية واكتساب الملكة في تفسيرها عديدة، وأهمّها علوم اللسان العربي، إذ اللغة ترجمان عمّا في كنه المشرّع من تلك المعاني، والمقدّم من علومها علم النحو، فبه يتبين أصول المقاصد بالدلالة، ولولاه لجُهل الإفادة، مع التحرز على أنّ المقصد ليس الاشتغال بها كُلًّا؛ إنّما اكتساب آلتها بما يوصل للغاية منها.
7- وحول هذا يُقرّر ابن خلدون في مقدّمته " والألفاظ واللغات وسائط وحُجُب بين الضمائر، وروابط وختام على المعاني، ولا بد في اقتناص تلك المعاني من ألفاظها لمعرفة دلالاتها اللغوية عليها، وجودة الملكة لناظر فيها، وإلا فيتعاص عليه اقتناصها زيادة على ما يكون في مباحثها الذهنية من الاعتياص، وإذا كانت ملكته في تلك الدلالات راسخة، بحيث يتبادر المعاني إلى ذهنه من تلك الألفاظ عن استعمالها، شأن البديهي والجبلي زال ذلك الحجاب بالجملة بين المعاني والفهم، أو خفّ"
8- ومن الأدوات المعينة على تفسير النصوص النظامية علم أصول الفقه، ومبحث دلالات الألفاظ خاصّة، فبه يعرف المهني دلالة النص، فيُنزل النص النظامي على الواقعة بدلالة المنطوق إن دلّ عليه اللفظ محلّ النطق، ودلالة المفهوم إن دلّ عليه مفهومه لا منطوقه، والأوّل هو الأصل.
9- ويتعلم الفرق بين اللفظ العام والمطلق، والخاص والمقيّد، فيعي بأنّ الأول يُنزّل على جميع أفراده مالم يُخص، والثاني لا يشمل الجميع إنّما يخص فردًا غير معيّن مالم يُقيّد، والمبحث في هذا واسع، ويلزم المهني العناية بها.
10- ومن أهمّ الأدوات أيضًا الاستغراق في مطالعة وتحليل الأحكام القضائية، والتركيز على تنزيل الدوائر القضائية النصوص النظامية على الواقعات وتحليل الاختلافات والاتجاهات بينهم، إذ لا تخلو النصوص النظامية بالجملة من مبهم، ولن يكتسب المهني ملكة راسخة في الفهم إلّا بطول المران والمراس عملًا وعلمًا في كلّ ما يعين إليها.

جاري تحميل الاقتراحات...