ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

19 تغريدة 398 قراءة Dec 06, 2023
قصيمي .. هرب وهو صغير من قسوة زوجة أبيه، ليكون طيارا بريطانيا، ويلتقي على متن إحدى رحلاته بالملك فيصل ويحكي له قصته من السجن للطائرة
حياكم تحت
لم يتفهم كثيرا ما يحدث؛ فقد كان صغيرا على أن يعي الأمر، فقط ما لاحظه هو جلبة وتحركات غير معهودة، فيما جميع الأهل قد قدموا وأحاطوا ببيته، ولا يراه أحد إلا ويمس على رأسه إشفاقا وطلبًا للأجر، لقد ماتت أمه في ذلك اليوم، وأرُسِلت عنه بعيدًا إلى غير رجعة، وأضحى وحيدًا إلا من أبيه.
لم يمض كثير وقت حتى تزوج الأب من امرأة جديدة، وهنا فقط تغيرت معالم البيت في نفس الطفل وبات خاوياً من كل أنس، حنت الأم الجديدة به وعطفت عليها بداية، لكن مع مرور الأيام أضحت من القسوة بمكان بحيث ضاق الفتى ذرعا بكل شيء، وأصبح الشارع ملاذًا له ومأوى.
في خضم هذا الحزن العميق الذي استطال به، بدت أمامه بارقة أمل، لقد كان يرى كثير من قوافل العقيلات متزاحمة في بريدة وفادة وترحالا، وبخياله الصغير تمنى لو أنه علق ذات يوم بأحدها، عله يجد بهذا التعلق حياة جديدة مغايرة لما هو عليه من ضيم وقهر وتشرد.
لم يكن خياله إلا دليلا له في قادم أحداثه، فما إن انطلقت إحدى القوافل حتى تبعها من بعيد دون أن يلحظه أحد، يسير والصحراء من حوله ثابتة، فيما القافلة تتقدم وهو ورائها دون انقطاع، مرت ساعات طوال والطفل متعلق بقافلته، ومع مغيب الشمس توقفت القافلة للراحة فما كان منه إلا أن توقف
شخص من القافلة يلاحظه فيركض نحوه مسرعاً لاستكشاف أمره، "من أنت ولماذا أنت هنا؟" لم ينبس الطفل ببنت شفة، فلم يكن منه إلا أن أخذه إلى شيخ القافلة، أمامه استمر الطفل صامتًا، حتى اسمه لم يعرّف به خوفًا من إعادته، فالقافلة ما زالت قريبة من بريدة!
حين رأى قائد الحملة إبراهيم الحميدان مدى تمسك الطفل بالسفر معهم؛ لم يكن منه إلا أن وافق على مرافقته لهم؛ على أن يرجع ثانية معهم وقت عودتهم نحو بريدة، ومع عدم إفصاح الطفل عن اسمه بدايةً؛ أطلق عليه أفراد القافلة "عيارة" فأسموه "شلوف" وهو الاسم الذي استمر مرافقاً له بعد ذلك.
بشغف كبير انضم الصبي إلى الحملة، حيث أسند إليه مساعدة الطباخ، وفجر اليوم التالي، انطلقت القافلة تتهادي بين الكثبان والأودية والجبال، ومعها "شلوف" في أشد لحظاته انتباها وهياما من مقدار الموجودات والأمكنة من حوله، تلك التي كان يعاينها للمرة الأولى في حياته.
بعد أيام وأيام وصلت الحملة إلى فلسطين، وفي معاهدهم المعتادة على أطراف القدس نزل الجميع طلبا لبعض الراحة، ثم قاموا بإرسال الفتى ليشتري لهم بعض الخبز من أحد الأسواق القريبة، لكن حداثة عهده وعدم دربته على المكان، فضلا عن شجاعته لم تمكنه من العودة بالخبز المنشود!
ففي طريقه إلى السوق ووسط زحام غير معتاد له، اعترض طريقه عدد من الفتيان، وجهوا له السباب وأرادوا سرقة ما بحوزته من مال لكن الطفل الصغير ابن الصحراء كان أقوى من أن يسرق هكذا، حيث عبر عن ذاته بأقرب حجر إليه فشج رأس أحدهم ففر الجميع، قبل أن يصل عسكري الدرك ليقبض على شلوف جانب ضحيته.
أودع شلوف مخفر الشرطة الذي كان حينها يسيره الإنجليز، أما أفراد القافلة فقد سرى فيهم القلق عليه، وبدأوا في البحث عنه، ولم يدر في خلدهم أبداً أنه في المخفر، أما شلوف فقد بدا ظاهريا قويًا ساكن الملامح، لكن في لحظة ما وهو قابع في سجنه استجمع غربته ويتمه ووحدته الموحشة وانفجر باكيًا.
كان المخفر حينذاك تديره شرطية إنجليزية عتيدة تابعة للانتداب البريطاني، رأت من الطفل بكاء لا ينقطع وهالتها كثيرا قصته وغربته، ويتمه، وعدم وجود أي شخص بجانبه يرعاه أو يتكفل به، سرى في نفسها إشفاقًا كبيرًا عليه، وقررت على الفور أن تخرجه من مأزقه وأن تتكفل به.
يتيما تقطعت به السبل، هكذا وجدت المرأة الإنجليزية شلوف، فكان طفلها الذي لم تلده، سكن معها في القدس، وحين همت بالرحيل إلى لندن اصطحبته معها، حيث غادر إلى هناك بباخرة عظيمة الحجم، ابن الصحراء ركب البحر، كانت عينه تبرق أمام اتساعه وأمام ما يراه من متغيرات حوله، أين صحرائي؟! لقد مضت
حين وصل لندن، هاله برودة الجو، بحث عن شمسه التي كانت ساطعة على الدوام فلم يرها، بحث في الوجوه عن شيء يعرفه فلم يجد، وفي الطريق إلى بيته الجديد ارتاعت نفسه من تلك المركبات الشيطانية التي تسير من حوله، وارتاع من الشوارع ذاتها التي بدت منبسطة مشذبة، هنا أحس بغربة لا مثيل لها!
لكن الوقت كان كفيلاً بذهاب كل هذا الروع، حيث اهتمت به أمه الجديدة، فقد كانت وحيدة لذا كرست للصغير كل وقتها، وألحقته بمدرسة قريبة، فتعلم اللغة ولامس التفوق، وصار مع الوقت فتى طيعًا يرتجى منه مستقبل باهر، ومع ذلك التفوق دعمته الأم مجددا ودوما حتى تخرج في كلية الطيران طيارا مدنيًا
شابًا إنجليزيًا يحمل في دمه جذوره وأرضه، حتى أنه لا يزال متقنا للعربية، وجد الفرصة أمامه كي يلتحق بطيران الشرق الأوسط في بيروت فلم يفوتها، وفي إحدى الرحلات تفاجأ براكبين من طراز فريد، الملك فيصل وقد كان حينها أميرا في مقتبل عمره، وبصحبته إبراهيم الحميدان قائد قافلته لفلسطين.
مفاجأة مدوية أعادته إلى عمق ذكرياته، أقبل قائد الطائرة نحو ضيفيه، سلّم عليهما بحرارة وقال لهما بلهجة عربية غير منتظمة، ألا تتذكرني يا شيخ حميدان، قال وهل التقينا؟ أجاب قائد الطائرة، أنا شلوف ذلك الطفل الذي تبع قافلتك والتحق بها ذات يوم، تذكره الحميدان وعلامات الانبهار تملأ وجهه.
حكى شلوف قطوفا سريعة من قصته وفرح الحميدان كثيرا بما آل إليه حاله، بادر شلوف بالسؤال عن أبيه، فقال له الحميدان، لقد مات من وقت قريب، وترك خلفه زوجته وحيدة دون أبناء، على الفور أخرج شلوف مبلغا من المال ليوصله لزوجة أبيه، رحب الحميدان بذلك ودعاه للعودة إلى بلاده لكن قال له شلوف..
لا أستطيع ترك والدتي الإنجليزية فهي مسنة وتحتاج إلى رعايتي، ذلك أقل ما أستطيع تقديمه لها نظير رعايتها لي وإيصالي لما أنا عليه، لكنني بالطبع يوما ما سأعود..
يا ترى هل عدت ذات يوم يا شلوف؟!

جاري تحميل الاقتراحات...