محسن الغيثي،.
محسن الغيثي،.

@iMu7siN

4 تغريدة 15 قراءة Dec 16, 2023
لو قرأت سياق الآية،. لعرفت أن المسلم الذي جازاه الله بهذا الجزاء،. لم يكن يتوقع هذا الجزاء أصلاً،. بل كان يتوقع الحساب والعذاب،. ولن يتوقع ويظن هذا الظن السيء إلا لسوء ما قدمه في حياته،. اقرأ السياق، ولاحظ كيف كان الرجل خائفاً من الحساب بسبب سوء عمله،. قال اْلله،. ﴿یَوۡمَئذࣲ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِیَةࣱ ۝ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِیَمِینِهِ فَیَقُولُ هَاۤؤُمُ ٱقۡرَءُوا۟ كِتَابِیَهۡ ۝ *((إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِیَهۡ))* ۝ فَهُوَ فِي عِیشَةࣲ رَّاضِیَةࣲ ۝ فِي جَنَّةٍ عَالِیَةࣲ ۝ قُطُوفُهَا دَانِیَةࣱ ۝ كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ هَنِيئاً بِمَاۤ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَیَّامِ ٱلۡخَالِیَةِ﴾ [الحاقة 18 - 24]،.
فهو لم يظن بأنه ملاقٍ حسابه إلا لسوء ما قدّم في الدنيا، أي أنه كان يوقن في قرارة نفسه أنه هالك، لماذا؟ هل يهلك من العمل الصالح؟! لا بالتأكيد، ولكن لسوء عمله ظن أنه ملاقٍ حسابه ومن نوقش الحساب هلك كما قال النّبي ﷺ،. ولكن هذا الانسان،. غفر الله له، وستر عليه، وأبدل سيآته حسنات،. فآتاه الله كتابه بيمينه فنجى،. وهذا الحديث التالي يفسر هذه الآية،. ولاحظ التطابق والتشابه في سياقهما،.
ﻋﻦ ﺻﻔﻮاﻥ ﺑﻦ ﻣﺤﺮﺯ، ﻗﺎﻝ: ﻛﻨﺖ ﺁﺧﺬا ﺑﻴﺪ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ، ﻓﺄﺗﺎﻩ ﺭﺟﻞ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻛﻴﻒ ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ، ﻳﻘﻮﻝ ﻓﻲ اﻟﻨﺠﻮﻯ؟ ﻓﻘﺎﻝ: ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻳﻘﻮﻝ ﴿ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻳﺪﻧﻲ اﻟﻤﺆﻣﻦ، ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ، ﺣﺘﻰ ﻳﻀﻊ ﻋﻠﻴﻪ ﻛﻨﻔﻪ، ﻳﺴﺘﺮﻩ ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﺃﻱ ﻋﺒﺪﻱ، ﺗﻌﺮﻑ ﺫﻧﺐ ﻛﺬا ﻭﻛﺬا؟ ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﻧﻌﻢ، ﺃﻱ ﺭﺏ، ﺛﻢ ﻳﻘﻮﻝ: ﺃﻱ ﻋﺒﺪﻱ، ﺗﻌﺮﻑ ﺫﻧﺐ ﻛﺬا ﻭﻛﺬا؟ ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﻧﻌﻢ، ﺃﻱ ﺭﺏ، ﺣﺘﻰ ﺇﺫا ﻗﺮﺭﻩ ﺑﺬﻧﻮﺑﻪ، ((ﻭﺭﺃﻯ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﻫﻠﻚ))، ﻗﺎﻝ: *((ﻓﺈﻧﻲ ﻗﺪ ﺳﺘﺮﺗﻬﺎ ﻋﻠﻴﻚ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﻗﺪ ﻏﻔﺮﺗﻬﺎ ﻟﻚ اﻟﻴﻮﻡ، ﺛﻢ ﻳﺆﺗﻰ ﺑﻜﺘﺎﺏ ﺣﺴﻨﺎته))*، ﻭﺃﻣﺎ اﻟﻜﻔﺎﺭ ﻭاﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻮﻥ، ﻓﻴﻘﻮﻝ اﻷﺷﻬﺎﺩ: {ﻫﺆﻻء اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺬﺑﻮا ﻋﻠﻰ ﺭﺑﻬﻢ ﺃﻻ ﻟﻌﻨﺔ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﻈﺎﻟﻤﻴﻦ} ﺃﺧﺮﺟﻪ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺷﻴﺒﺔ، ﻭﺃﺣﻤﺪ، ﻭﻋﺒﺪ ﺑﻦ ﺣﻤﻴﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﺔ، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ، ﻭﺃﺑﻮ ﻳﻌﻠﻰ، ﻭاﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ.
فهذا الحديث فسر هذه الآية،. وهذه لوحدها كافية لتعرف معناها (ولا تحتاج حينها لفهم السلف لتفهم القرآن 😉)،. ولكن،... حتى نثبّت قلبك زيادة،. نتعمق فيها أكثر حتى نعرف من هو الذي أوتي كتابه بيمينه؟! وهل هو المتقي المقرب عند الله؟،. وهل هما صنفان فقط من الناس يوم القيامة؟! أصحاب اليمين ويقابلهم أصحاب الشمال فقط؟! فقد أخطأ من ظن أنهم صنفان فقط،. بل هم ثلاثة،.
سورة الواقعة،. فسرت كثيراً مما في سورة الحاقة،. كلاهما يحملان اسم الآخرة، (الحاقة والواقعة)،. وفي سورة الحاقة قال اْلله،. ﴿فَیَوۡمَئذࣲ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة 15]،. فلننظر ماذا قال اْلله في الواقعة،..
ذكر الله في سورة الواقعة ثلاثة أصناف من الناس يوم القيامة،. قال،. ﴿وَكُنتُمۡ أَزۡوَاجࣰا ثَلَاثَةࣰ﴾،. وهؤلاء هم،. ﴿وَكُنتُمۡ أَزۡوَاجࣰا ثَلَاثَةࣰ ۝ فَأَصۡحَابُ ٱلۡمَیۡمَنَةِ مَاۤ أَصۡحَابُ ٱلۡمَیۡمَنَةِ ۝ وَأَصۡحَابُ ٱلۡمَشۡئمَةِ مَاۤ أَصۡحَابُ ٱلۡمَشْئمَةِ ۝ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ ۝ أُو۟لَئكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ۝ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِیمِ ۝ ثُلَّةࣱ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِینَ ۝ وَقَلِیلࣱ مِّنَ ٱلۡآخِرِینَ﴾ [الواقعة 7 - 14]،.
❒ فأدناهم منزلة هم أصحاب الشمال أو أصحاب المشئمة، وهم الكفرة الفجرة، ومصيرهم النار،.
❒ الصنف الأعلى منهم هم أصحاب اليمين،. الذين أوتوا كتابهم بيمينهم،. وهم قوم مسلمون مغفورٌ لهم رغم أنهم أسلفوا سوءً في الدنيا،. وهم كثير من الأولين، وكثير من الآخرين،.
❒ وهناك صنفٌ ثالثٌ فوق أصحاب اليمين بدرجات، قوم كانوا سبَّاقين للخيرات، غلب على عملهم الخير والصلاح، هؤلاء الذين مدحهم الله،. سماهم،. ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ ۝ أُو۟لَئكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ۝ فِي جَنّّاتِ ٱلنَّعِیمِ﴾ [الواقعة 10 - 12]،.
يتبع،..
ذكر الله تلك الأصناف الثلاثة من الناس،. وفي خواتم سورة الواقعة للمرة الثانية فقال،. ﴿فَلَوۡلَاۤ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ ۝ وَأَنتُمۡ حِینَئذࣲ تَنظُرُونَ ۝ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَیۡهِ مِنكُمۡ وَلكِن لَّا تُبۡصِرُونَ ۝ فَلَوۡلَاۤ إِن كُنتُمۡ غَیۡرَ مَدِینِینَ ۝ تَرۡجِعُونَهَاۤ إِن كُنتُمۡ صَادِقِینَ ۝ فَأَمَّاۤ إِن كَانَ *((مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِینَ))* ۝ فَرَوۡحࣱ وَرَیۡحَانࣱ وَجَنَّتُ نَعِیمࣲ ۝ وَأَمَّاۤ إِن كَانَ *((مِنۡ أَصۡحَابِ ٱلۡیَمِینِ))* ۝ فَسَلَامࣱ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَابِ ٱلۡیَمِینِ ۝ وَأَمَّاۤ إِن كَانَ *((مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِینَ ٱلضَّاۤلِّینَ))* ۝ فَنُزُلࣱ مِّنۡ حَمِیمࣲ ۝ وَتَصۡلِیَةُ جَحِیمٍ ۝ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡیَقِینِ ۝ فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِیمِ﴾ [الواقعة 83 - 96]،.
فهم ثلاثة أصناف من الناس،. أولهم السابقون المقربون،. ثم الذين هم أقل منهم، أصحاب اليمين،. ثم الذين في النار وهم أصحاب الشمال،. قالَ اْلله في أول السورة،. ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ۝ لَیۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ ۝ خَافِضَةࣱ رَّافِعَةٌ ۝ إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجࣰّا ۝ وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسࣰّا ۝ فَكَانَتۡ هَبَاۤءࣰ مُّنۢبَثࣰّا ۝ *((وَكُنتُمۡ أَزۡوَاجࣰا ثَلَاثَةࣰ))* ۝ فَأَصۡحَابُ ٱلۡمَیۡمَنَةِ (1) مَاۤ أَصۡحَابُ ٱلۡمَیۡمَنَةِ ۝ وَأَصۡحَابُ ٱلۡمَشۡئمَةِ (2) مَاۤ أَصۡحَابُ ٱلۡمَشْئمَةِ ۝ وَٱلسَّابِقُونَ (3) ٱلسَّابِقُونَ ۝ أُو۟لَئكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ۝ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِیمِ ۝ ثُلَّةࣱ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِینَ ۝ وَقَلِیلࣱ مِّنَ ٱلۡآخِرِینَ﴾ [الواقعة 1 - 14]،.
وفعلاً هم قليل من الآخرين، فالأولين أمثال الصحابة كانوا سباقين لها لهذا قال عنهم (ثلة) أي الأغلبية،. أما نحن فقليل منا سابقون،. لسنا ثلة،.
أما أصحاب اليمين،. المغفور لهم بإذن الله، الذين يظنون أنهم ملاقوا الحساب،. الذين يخشون على أنفسهم عذاب الله، ولكن الله يغفر لهم لإسلامهم وإيمانهم وليس لتقواهم كالسابقين،. الذين هم أقل درجة من السابقين،. قال اْلله عنهم،. ﴿وَأَصۡحَابُ ٱلۡیَمِینِ مَاۤ أَصۡحَابُ ٱلۡیَمِینِ ۝ فِي سِدۡرࣲ مَّخۡضُودࣲ ۝ وَطَلۡحࣲ مَّنضُودࣲ ۝ وَظِلࣲّ مَّمۡدُودࣲ ۝ وَمَاۤءࣲ مَّسۡكُوبࣲ ۝ وَفَاكِهَةࣲ كَثِیرَةࣲ ۝ لَّا مَقۡطُوعَةࣲ وَلَا مَمۡنُوعَةࣲ ۝ وَفُرُشࣲ مَّرۡفُوعَةٍ ۝ إِنَّاۤ أَنشَأۡنَـٰهُنَّ إِنشَاۤءࣰ ۝ فَجَعَلۡنَاهُنَّ أَبۡكَارًا ۝ عُرُبًا أَتۡرَابࣰا ۝ لِّأَصۡحَابِ ٱلۡیَمِینِ ۝ (ثُلَّةࣱ) مِّنَ ٱلۡأَوَّلِینَ ۝ (وَثُلَّةࣱ) مِّنَ ٱلۡآخِرِینَ﴾ [الواقعة 27 - 40]،. هؤلاء ثلة،. أي الأغلبية،. وليسوا قلة كالسابقين،. أولئك في الأولين ثلة، وفي الآخرين قليل،.
ثم الثالث،. وهم أصحاب الشمال،. المشؤومون،. أصحاب المشئمة،. قال اْلله عنهم،. ﴿وَأَصۡحَابُ ٱلشِّمَالِ مَاۤ أَصۡحَابُ ٱلشِّمَالِ ۝ فِي سَمُومࣲ وَحَمِیمࣲ ۝ وَظِلࣲّ مِّن یَحۡمُومࣲ ۝ لَّا بَارِدࣲ وَلَا كَرِیمٍ ۝ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَبۡلَ ذَلِكَ مُتۡرَفِینَ﴾ [الواقعة 41 - 45]،.
فالآن نرجع لسورة الحاقة،. لنفهم ونعرف أن الذي أوتي كتابه بيمينه،. كان من الثلة الأغلبية من المسلمين، الذين لديهم ذنوب ومعاصي وآثام وخطايا، يرجون مغفرة اللّٰه يوم القيامة،. هؤلاء يظنون أنهم ملاقوا حسابهم لسوء عملهم، وقلة الخير فيهم، فلم يكونوا سباقين سابقين فيها،. ولهذا قال الله عن عملهم،. ﴿بِمَاۤ *((أَسۡلَفۡتُمۡ))* فِي ٱلۡأَیَّامِ ٱلۡخَالِیَةِ﴾،.
ومن المعلوم أن المسلم يأتي يوم القيامة بذنوب وخطايا يغفرها الله له برحمته، تلك الرحمة التي ادخر منها تسع وتسعون جزءً منها لهذا اليوم،. وهناك شفاعة النّبي ﷺ لمذنبي المسلمين يوم القيامة، وهناك الذين يُخرَجون من النار فيدخلهم الله الجنة بمثقال حبة من إيمان، ومثقال ذرة من إيمان، ومثقال خردل من إيمان،. فكيف تتصور عمل هؤلاء في حياتهم الدنيا؟،. كانت سوءاً وشراً لدرجة أنهم احتاجوا لهذه الشفاعات،. هؤلاء أسلفوا في الأيام الخالية، ورغم ذلك أدخلهم الله الجنة،. فمن المعلوم أن الجنة ليست مقابل العمل،. إنما هي فضل ورحمة من الله،. وفي سورة المدثر، ذكر الله أصحاب اليمين (الذين تأخر عملهم ولكن غفر الله لهم وتجاوز عنهم)،. فقال،. ﴿إِنَّهَا لَإحدى ٱلۡكُبَرِ ۝ نَذِیرࣰا لِّلۡبَشَرِ ۝ لِمَن شَاۤءَ مِنكُمۡ أَن یَتَقَدَّمَ أَوۡ یَتَأخّر ۝ ((كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِینَةٌ ۝ إِلَّاۤ أَصۡحَابَ ٱلۡیَمِینِ)) ۝ فِي جنَّات یتسَاۤءَلُونَ ۝ عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ ۝ مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ ۝ قَالُوا۟ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّینَ ۝ وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِینَ ۝ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخاۤئضین ۝ وكُنّا نكذِّب بیوۡمِ ٱلدِّینِ ۝ حَتَّىٰۤ أَتَانَا ٱلۡیَقِینُ ۝ فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِینَ﴾ [المدثر 35 - 48]،.
يتبع،..
تفهم أن أصحاب اليمين نفعتهم شفاعة الشافعين، وليست الشفاعة إلا للمذنبين والمقصرين بشرط أن يكونوا مسلمين،.
أصحاب اليمين يحاسبون حساباً يسيرا يوم العرض،. قال اْلله،. ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحࣰا فَمُلَاقِیهِ ۝ ((فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِیَمِینِهِ ۝ فَسَوۡفَ یُحَاسَبُ حِسَابࣰا یَسِیرࣰا ۝ وَیَنقَلِبُ إِلَىٰۤ أَهۡلِهِ مَسۡرُورࣰا))﴾ [الانشقاق 6 - 9]،.
هذا يوم يعرض الله عليه ذنوبه ويقرره بها،. لن يُناقَش الحساب، إنما يُعرض عليه عمله، ثم يعفى عنه وينقلب لأهله مسروراً،.
ﻋﻦ اﻟﻘﺎﺳﻢ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ اﻟﺼﺪﻳﻖ، ﻋﻦ ﻋﺎﺋﺸﺔ، ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﺎ، ﻗﺎﻟﺖ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ،. ﴿ﻟﻴﺲ ﺃﺣﺪ ﻳﺤﺎﺳﺐ ﺇﻻ ﻫﻠﻚ، ﻗﺎﻟﺖ: ﻗﻠﺖ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﺟﻌﻠﻨﻲ اﻟﻠﻪ ﻓﺪاءﻙ، ﺃﻟﻴﺲ ﻳﻘﻮﻝ اﻟﻠﻪ: {ﻓﺄﻣﺎ ﻣﻦ ﺃﻭﺗﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺑﻴﻤﻴﻨﻪ. ﻓﺴﻮﻑ ﻳﺤﺎﺳﺐ ﺣﺴﺎﺑﺎ ﻳﺴﻴﺮا}؟!،. ﻗﺎﻝ: ((ﺫاﻙ اﻟﻌﺮﺽ ﻳﻌﺮﺿﻮﻥ)) ﻭﻣﻦ ﻧﻮﻗﺶ اﻟﺤﺴﺎﺏ ﻫﻠﻚ﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ.
قال نَبِيّ اْلله ﷺ،. ﴿ذاك العرض، يُعرضون﴾،. وستجد العرض في بداية الكلام عن أصحاب اليمين،. قال اْلله،. ﴿یَوۡمَئذࣲ ((تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِیَةࣱ)) ۝ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِیَمِینِهِ فَیَقُولُ هَاۤؤُمُ ٱقۡرَءُوا۟ كِتَابِیَهۡ ۝ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِیَهۡ ۝ فَهُوَ فِي عِیشَةࣲ رَّاضِیَةࣲ ۝ فِي جَنَّةٍ عَالِیَةࣲ ۝ قُطُوفُهَا دَانِیَةࣱ ۝ كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ هَنِيئاً ((بِمَاۤ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَیَّامِ ٱلۡخَالِیَةِ))﴾ [الحاقة 18 - 24]،.
وقد أخبرنا النّبي ﷺ عن رجلٍ لم يعمل في حياته خيراً قط!،..
ــ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ؛ ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻗﺎﻝ ﴿ﻗﺎﻝ ﺭﺟﻞ *ﻟﻢ ﻳﻌﻤﻞ ﺣﺴﻨﺔ ﻗﻂ* ﻷﻫﻠﻪ ﺇﺫا ﻣﺎﺕ ﻓﺤﺮﻗﻮﻩ...﴾،. وقال عنه في رواية أخرى،. ﴿ﺃﺳﺮﻑ ﺭﺟﻞ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻠﻤﺎ ﺣﻀﺮﻩ اﻟﻤﻮﺕ ﺃﻭﺻﻰ ﺑﻨﻴﻪ ﻓﻘﺎﻝ ﺇﺫا ﺃﻧﺎ ﻣﺖ ﻓﺄﺣﺮﻗﻮﻧﻲ...﴾،. وقال عن في رواية أخرى،. ﴿ﻛﺎﻥ ﺭﺟﻞ ﻣﻤﻦ ﻛﺎﻥ ﻗﺒﻠﻜﻢ، ﻳﺴﻴﻰء اﻟﻈﻦ ﺑﻌﻤﻠﻪ، ﻓﻠﻤﺎ ﺣﻀﺮﺗﻪ اﻟﻮﻓﺎﺓ، ﻗﺎﻝ ﻷﻫﻠﻪ: ﺇﺫا ﺃﻧﺎ ﻣﺖ ﻓﺄﺣﺮﻗﻮﻧﻲ...﴾،. وفي رواية أخرى قال أبو سعيد الخدري،. *﴿((ﺃﻧﻪ ﺫﻛﺮ ﺭﺟﻼ ﻓﻴﻤﻦ ﺳﻠﻒ))* ﺃﻭ ﻓﻴﻤﻦ ﻛﺎﻥ ﻗﺒﻠﻜﻢ ﻗﺎﻝ ﻛﻠﻤﺔ ﻳﻌﻨﻲ، ﺃﻋﻄﺎﻩ اﻟﻠﻪ ﻣﺎﻻ ﻭﻭﻟﺪا، ﻓﻠﻤﺎ ﺣﻀﺮﺕ اﻟﻮﻓﺎﺓ ﻗﺎﻝ ﻟﺒﻨﻴﻪ....﴾،. هذا الرجل،. غفر الله له وأدخله الجنة،. ولك أن تتصور كيف كانت حياته مليئة بالشر والسيئات والخطايا والذنوب والجرائم التي بسببها أساء الظن بعمله وخشي أن يعذبه الله بها،. فأمر بنيه أن يحرقوه ليفر من ربه،. هذا مثالٌ واقعي لــ إِنّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِیَهۡ،. فهذا الرجل كانت أعماله كلها سوء وشر،. هذه الأعمال التي غفرها الله له، سمى الله هذه الأعمال،. "أسلفت"،.
فــ سُبْحَانَ اللّٰه،. كيف جائت هذه الكلمة موافقة تماماً لأخواتها في ٱلۡقُرآن،. كلها كانت على دلالة متفقة، تدعم بعضها بعضاً، بمعنى : ما سبق من سوء وشر،. وهذا الفرق بين كلمة سلف، وكلمة سبق،.
أصحاب اليمين،. هم عصاة المسلمين،. هم مسلمون مقصرون وأصحاب ذنوب، استحقوا عليهت العذاب، ولكن الله عفا عنهم وتجاوز وكفر ذنوبهم،. فلم يآخذهم بما كسبوا،. واقرأ الاستثناء بنفسك،. قالَ اْلله،. ﴿كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِینَةٌ ۝ إِلَّاۤ أَصۡحَابَ ٱلۡیَمِینِ﴾ [المدثر 38 - 39]،.
هؤلاء أصحاب اليمين،. كان يفترض بهم أن يكونوا مع البقية الذين قال اْلله فيهم كل نفس بما كسبت رهينة،. فكل إنسان سيحاسب بما اكتسب،. ما عدا أصحاب اليمين،. فلن يحاسبهم الله، بل يغفر لهم ويكفر عنهم ويدخلهم الجنة رغم تقصيرهم،. هؤلاء قيل فيهم،. كلوا واشربوا بما أسلفتم،. أي بما عملتم من سيئات، ولكن الله قلبها لكم حسنات،.
فأصحاب اليمين، مسلمون موحدون ولكن لديهم ذنوب وآثام،.
وفي تفسير ابن كثير لآية،. ﴿مدهامتان﴾،. قال،. "هاتان الْجنّتان دون اللّتينِ قبلهما في الْمرتبة وَالْفَضِيلَةِ وَالْمَنْزِلَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، قَالَ اللهُ ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، [[فَالْأُولَيَانِ لِلْمُقَرَّبِينَ، والأخريان لأصحاب اليمين]]" وَقَالَ أَبو موسى: ((جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجنّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ))
يتبع،..
فها هو ابن كثير، يفرق بين منازل وشرف وجزاء المقربين وبين أصحاب اليمين،. ويجعل أصحاب اليمين أقل منهم في الدرجات،.
ــ لماذا قال اْلله فيها،. ﴿كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ هَنِیئاً ((بِمَاۤ أَسۡلَفۡتُمۡ)) فِي ٱلۡأَیَّامِ ٱلۡخَالِیَةِ﴾ [الحاقة 24]،. ولم يقل كلمة أخرى تدل على ذات المعنى؟ وقد وجدنا مثيلاتها في القُرآن؟،.
فلو نقبت في القُرآن، ستجد أن الله كرر مثل هذه العبارة،. ﴿كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ هَنِیئاً،...﴾،. ولكنه لم يقل فيها،. ﴿بما أسلفتم﴾،. كمثل قوله هنا مثلاً،. ﴿كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ هَنِيئاً بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [الطور 19]،. فلماذا؟!،. وما الفرق؟!،.
الجواب،. لأن الذين أسلفوا في الأيام الخالية لم يكونوا يعملون خيراً كهؤلاء المتقين، إنما اكتفوا بإسلامهم وإيمانهم وأنهم لم يشركوا باللّٰه شيئاً، فنالتهم رحمة الله ونجوا بها،. لم يكونوا أصحاب أعمال كهؤلاء المتقين،. أما هؤلاء فمتقون، قال اْلله في أول السياق،. ﴿((إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ)) فِي جَنَّاتࣲ وَنَعِیمࣲ ۝ فَاكِهِینَ بِمَاۤ ءَاتَاهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَاهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِیمِ ۝ ((كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ هَنِیۤـَٔا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ))﴾ [الطور 17 - 19]،.
ولو أتممت الآية، لوجدت في سياقها الذين هم أدنى منهم منزلة،. من المسلمين الذي استحقوا العذاب ولكن الله غفر لهم وألحقهم بهم وأدخلهم الجنة،. قال اْلله،. ﴿كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ هَنِیۤـَٔا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ۝ مُتَّكِـِٔینَ عَلَىٰ سُرُرࣲ مَّصۡفُوفَةࣲ وَزَوَّجۡنَاهُم بِحُورٍ عِینࣲ ۝ ((وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّیَّتُهُم بِإِیمَانٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَمَاۤ أَلَتۡنَاهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيءࣲ كُلُّ ٱمۡرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِینࣱ)) ۝ وَأَمۡدَدۡنَاهُم بِفَاكِهَةࣲ وَلَحۡمࣲ مِّمَّا یَشۡتَهُونَ ۝ یَتَنَازَعُونَ فِیهَا كَأۡسࣰا لَّا لَغۡوࣱ فِیهَا وَلَا تَأۡثِیمࣱ ۝ وَیَطُوفُ عَلَیۡهِمۡ غِلۡمَانࣱ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤࣱ مَّكۡنُونࣱ ۝ وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ یَتَسَاۤءَلُونَ ۝ قَالُوۤا۟ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِي أَهۡلِنَا مُشۡفِقِینَ ۝ ((فَمَنَّ ٱللهُ عَلَیۡنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ)) ۝ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِیمُ﴾ [الطور 19 - 28]،.
كذلك في سورة المرسلات،. قال اْلله،. ﴿((إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ)) فِي ظِلَالࣲ وَعُیُونࣲ ۝ وَفَواكهَ مِمَّا یَشۡتَهُونَ ۝ ((كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ هَنِیۤـَٔا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ))﴾ [المرسلات 41 - 43]،.
لم يقل لهم : بما أسلفتم،. ذلك بأنهم متقون،. أما الذين أسلفوا في الأيام الخالية، لم يكونوا من المتقين، إنما دخلوا الجنة بمغفرة من الله رغم سوء عملهم،. هذا السوء الذي كان عندهم سابقاً، سماه الله "سلف"،.
انتهى،.

جاري تحميل الاقتراحات...