•• حرب وشيكة في أمريكا الجنوبية: قراءة سريعة وشاملة للأبعاد: ما السبب وراء احتمال اندلاع حرب كبرى في أمريكا اللاتينية في المستقبل القريب؟ وأي الدول قد تشارك في الصراع، وما علاقة النفط بهذه الحرب المحتملة التي قد تكون دامية؟
- البعد التاريخي للإقليم المتنازع عليه؛
تقع في أمريكا الجنوبية دولة تسمى جمهورية غيانا🇬🇾، وضمن حدودها إقليم تعرف باسم "غيانا إيسيكيبا"، المحددة بنهر إيسيكيبو، وهو إقليم غنّي بالنفط. بل إن احتياطيات النفط لكل فرد في غيانا من بين الأعلى في العالم، متجاوزة حتى تلك الموجودة في دول غنية بالنفط مثل بروناي والكويت والإمارات العربية المتحدة.
وهذا الإقليم (التي تشكل 60٪ من مساحة غيانا الحالية) كانت جزءاً من الإدارة العامة لفنزويلا خلال العهد الاستعماري.
وعقب الانفصال عن جران كولومبيا، وقعت فنزويلا في فخ الحروب الأهلية التي دمرت البلاد، وهو ما استغلته الدول المجاورة لزيادة أراضيها. من ناحية أخرى، سعت إنجلترا لتوسيع مستعمراتها بغزو منطقة غيانا، حتى تعدت حدودها لتشمل الإقليم المحل للنزاع حالياً، دون مقاومة فعلية تذكر من الفنزويليين الذين كانوا غارقين في صراعاتهم الداخلية.
وفي قضاء معروف ب "حكم التحكيم في باريس 1899"، حُددت الحدود لمصلحة الأراضي التي ضمتها بريطانيا، وأصبحت تُعرف بغيانا البريطانية. لكن، مع مرور الوقت، تبين أن هذا التحكيم لم يكن محايدًا، نظرًا لعدة تجاوزات ونقص في الأدلة. لذا، نُقل النزاع بعد عقود إلى ما يُعرف بـ"معاهدات جنيف لعام 1966"، التي اقترحت إلغاء تحكيم باريس والتوجه نحو حل دبلوماسي بين الطرفين، لكن هذا الاقتراح لم يلق قبولاً من غيانا بعد استقلالها عن المملكة المتحدة. واليوم، يتمثل النزاع في استناد كل طرف إلى التحكيم الذي يدعم موقفه. وتعتمد فنزويلا على معاهدة جنيف لعام 1966 - مع أخذ التاريخ بعين الاعتبار - كأساس قانوني لطلب السيطرة على الإقليم. في حين أن مو قف جمهورية غيانا التعاونية واضح في قبول قرار التحكيم الصادر من باريس وإدارة الإقليم كملكية خاصة بها وبسيادة كاملة، معارضةً لمطالبات فنزويلا المستندة إلى معاهدات جنيف.
من المهم التنويه إلى أن "الإقليم المتنازع عليه"، في الوعي الجمعي - سواء الواعي أو اللاواعي - لدى الشعب الفنزويلي، يُعتبر جزءًا من فنزويلا، رغم إدارته من قبل دولة أخرى، ذلك لمبالاة القادة الفنزويليين، مما سمح لغيانا بممارسة حريتها في هذا الإقليم.
ورغم أن النزاع كان مستمرًا ويتجاهل من وقتٍ لآخر، إلا أن فنزويلا خففت من اهتمامها بالإقليم لعقودٍ، وهو خطأ أثر بشكل كبير على النزاع لاحقًا.
إذا كانت فنزويلا قد تجاهلت الإقليم لعدة عقود، فما الذي تغير الآن وأدى إلى شعورها بالتوتر الكبير والاحتمال الوشيك للتدخل العسكري لاستعادة الإقليم؟ الجواب بسيط للغاية: البترول.
النفط والبعد الجيوسياسي للتوترات الراهنة:
الاستخدام الجيوبوليتيكي لثروات النفط كمبرر لكافة النزاعات.
غالبًا ما يكون النفط سببًا رئيسيًا للنزاعات في عصرنا، وهو الحال نفسه مع أحداث غيانا. تتبدل الأوضاع في 2015، حين يتم العثور على موارد ضخمة من النفط تحت سطح البحر فوق منطقة إيسيكيبو في غيانا. هذا الاكتشاف يعيد اهتمام القادة الفنزويليين بالمنطقة، مشددين على الخطأ القانوني الذي أدى إلى إعطاء المنطقة لغيانا.
يُذكر أن فنزويلا تحتل المرتبة الأولى من حيث احتياطي النفط المؤكد على الرغم من عدم تحديد الحدود البحرية، ومعظم هذه الموارد تقع في منطقة تُعرف بحزام الأورينوكو النفطي. هذه المنطقة تتسع نشاطاتها النفطية إلى المياه المفتوحة باتجاه الأطلسي، ومن ضمنها المنطقة المتنازع عليها مع غيانا.
ما ترفضه فنزويلا هو أن جمهورية غيانا التعاونية تقوم بالتنقيب وإعطاء التصاريح لكبريات شركات النفط في المنطقة المتنازع عليها، وفقاً لاتفاقية جنيف لعام 1966. مستغلةً ذلك حتى عرفت نموًا اقتصاديًا كبيرًا نتيجة استغلال النفط، وتتجه حسب التقارير لتصبح واحدة من الدول الأعلى في الدخل النفطي للفرد على مستوى العالم، متجاوزة الكويت والإمارات، وبحسب البنك الدولي أصبحت غيانا صاحبة أعلى معدل نمو اقتصادي في العالم لعام 2022.
مع العلم أنّه حتى عام 2015، كانت منطقة إسيكيبو التي تحتوي على النفط والتي تمتد لمساحة 160,000 كيلومتر مربع (62,000 ميل مربع) تحت إدارة غيانا. تُشكل هذه المنطقة أكثر من ثلثي مساحة غيانا وتضم حوالي 125,000 نسمة من مجموع سكانها البالغ عددهم 800,000 نسمة، وفقًا لإحصاء يعود لعام 2013.
ما دور القوى الغربية في الأحداث المحيطة؟
حريٌ بالذكر أنّ اكتشاف كميات كبيرة من النفط في غيانا، أدى إلى تغيير كبير في الديناميكيات الجيوسياسية للمنطقة. حيث أقبلت دول غربية، التي تمتلك علاقات سيئة مع فنزويلا منذ فترة "هيغو تشافيز"، على غيانا للقيام بعمليات التنقيب.
- البعد التاريخي للإقليم المتنازع عليه؛
تقع في أمريكا الجنوبية دولة تسمى جمهورية غيانا🇬🇾، وضمن حدودها إقليم تعرف باسم "غيانا إيسيكيبا"، المحددة بنهر إيسيكيبو، وهو إقليم غنّي بالنفط. بل إن احتياطيات النفط لكل فرد في غيانا من بين الأعلى في العالم، متجاوزة حتى تلك الموجودة في دول غنية بالنفط مثل بروناي والكويت والإمارات العربية المتحدة.
وهذا الإقليم (التي تشكل 60٪ من مساحة غيانا الحالية) كانت جزءاً من الإدارة العامة لفنزويلا خلال العهد الاستعماري.
وعقب الانفصال عن جران كولومبيا، وقعت فنزويلا في فخ الحروب الأهلية التي دمرت البلاد، وهو ما استغلته الدول المجاورة لزيادة أراضيها. من ناحية أخرى، سعت إنجلترا لتوسيع مستعمراتها بغزو منطقة غيانا، حتى تعدت حدودها لتشمل الإقليم المحل للنزاع حالياً، دون مقاومة فعلية تذكر من الفنزويليين الذين كانوا غارقين في صراعاتهم الداخلية.
وفي قضاء معروف ب "حكم التحكيم في باريس 1899"، حُددت الحدود لمصلحة الأراضي التي ضمتها بريطانيا، وأصبحت تُعرف بغيانا البريطانية. لكن، مع مرور الوقت، تبين أن هذا التحكيم لم يكن محايدًا، نظرًا لعدة تجاوزات ونقص في الأدلة. لذا، نُقل النزاع بعد عقود إلى ما يُعرف بـ"معاهدات جنيف لعام 1966"، التي اقترحت إلغاء تحكيم باريس والتوجه نحو حل دبلوماسي بين الطرفين، لكن هذا الاقتراح لم يلق قبولاً من غيانا بعد استقلالها عن المملكة المتحدة. واليوم، يتمثل النزاع في استناد كل طرف إلى التحكيم الذي يدعم موقفه. وتعتمد فنزويلا على معاهدة جنيف لعام 1966 - مع أخذ التاريخ بعين الاعتبار - كأساس قانوني لطلب السيطرة على الإقليم. في حين أن مو قف جمهورية غيانا التعاونية واضح في قبول قرار التحكيم الصادر من باريس وإدارة الإقليم كملكية خاصة بها وبسيادة كاملة، معارضةً لمطالبات فنزويلا المستندة إلى معاهدات جنيف.
من المهم التنويه إلى أن "الإقليم المتنازع عليه"، في الوعي الجمعي - سواء الواعي أو اللاواعي - لدى الشعب الفنزويلي، يُعتبر جزءًا من فنزويلا، رغم إدارته من قبل دولة أخرى، ذلك لمبالاة القادة الفنزويليين، مما سمح لغيانا بممارسة حريتها في هذا الإقليم.
ورغم أن النزاع كان مستمرًا ويتجاهل من وقتٍ لآخر، إلا أن فنزويلا خففت من اهتمامها بالإقليم لعقودٍ، وهو خطأ أثر بشكل كبير على النزاع لاحقًا.
إذا كانت فنزويلا قد تجاهلت الإقليم لعدة عقود، فما الذي تغير الآن وأدى إلى شعورها بالتوتر الكبير والاحتمال الوشيك للتدخل العسكري لاستعادة الإقليم؟ الجواب بسيط للغاية: البترول.
النفط والبعد الجيوسياسي للتوترات الراهنة:
الاستخدام الجيوبوليتيكي لثروات النفط كمبرر لكافة النزاعات.
غالبًا ما يكون النفط سببًا رئيسيًا للنزاعات في عصرنا، وهو الحال نفسه مع أحداث غيانا. تتبدل الأوضاع في 2015، حين يتم العثور على موارد ضخمة من النفط تحت سطح البحر فوق منطقة إيسيكيبو في غيانا. هذا الاكتشاف يعيد اهتمام القادة الفنزويليين بالمنطقة، مشددين على الخطأ القانوني الذي أدى إلى إعطاء المنطقة لغيانا.
يُذكر أن فنزويلا تحتل المرتبة الأولى من حيث احتياطي النفط المؤكد على الرغم من عدم تحديد الحدود البحرية، ومعظم هذه الموارد تقع في منطقة تُعرف بحزام الأورينوكو النفطي. هذه المنطقة تتسع نشاطاتها النفطية إلى المياه المفتوحة باتجاه الأطلسي، ومن ضمنها المنطقة المتنازع عليها مع غيانا.
ما ترفضه فنزويلا هو أن جمهورية غيانا التعاونية تقوم بالتنقيب وإعطاء التصاريح لكبريات شركات النفط في المنطقة المتنازع عليها، وفقاً لاتفاقية جنيف لعام 1966. مستغلةً ذلك حتى عرفت نموًا اقتصاديًا كبيرًا نتيجة استغلال النفط، وتتجه حسب التقارير لتصبح واحدة من الدول الأعلى في الدخل النفطي للفرد على مستوى العالم، متجاوزة الكويت والإمارات، وبحسب البنك الدولي أصبحت غيانا صاحبة أعلى معدل نمو اقتصادي في العالم لعام 2022.
مع العلم أنّه حتى عام 2015، كانت منطقة إسيكيبو التي تحتوي على النفط والتي تمتد لمساحة 160,000 كيلومتر مربع (62,000 ميل مربع) تحت إدارة غيانا. تُشكل هذه المنطقة أكثر من ثلثي مساحة غيانا وتضم حوالي 125,000 نسمة من مجموع سكانها البالغ عددهم 800,000 نسمة، وفقًا لإحصاء يعود لعام 2013.
ما دور القوى الغربية في الأحداث المحيطة؟
حريٌ بالذكر أنّ اكتشاف كميات كبيرة من النفط في غيانا، أدى إلى تغيير كبير في الديناميكيات الجيوسياسية للمنطقة. حيث أقبلت دول غربية، التي تمتلك علاقات سيئة مع فنزويلا منذ فترة "هيغو تشافيز"، على غيانا للقيام بعمليات التنقيب.
الجزء الثاني:
وتعمل في قطاع النفط بغيانا، شركاتان غربيان عالميتان وبارزتان، هما إكسون موبيل الأمريكية وتوتال إنرجيز الفرنسية، بالإضافة إلى الشركة الغيانية "سيسبرو إنك". هذه الشراكات ساهمت في تعزيز مكانة غيانا كقوة صاعدة في سوق الطاقة. نظرًا للأهمية الكبيرة لهذه الاحتياطيات، من المتوقع أن تؤثر بشكل ملحوظ على الاقتصاد المحلي والسياسة الخارجية لغيانا، وكذلك على العلاقات الدولية والتوازنات الإقليمية بالمنطقة، وخاصة في ظل الحرب الأوكرانية وحاجة الغرب إلى مصادر بديلة للطاقة.
بما أنّ فنزويلا قريبة من روسيا والصين، يُرجّح أن تؤدي أي مواجهة عسكرية فنزويلية إلى تحرك الولايات المتحدة وفرنسا لدعم غيانا لحماية استثماراتها، معتمدة حتى على دول إقليمية حليفة للدفاع عن مصالحها النفطية، وقد تكون البرازيل أحد هذه الدول.
في هذا السياق الذي، أفاد تقرير بأن الجيش البرازيلي انتقل إلى حالة استنفار بعد ملاحظة نشاط عسكري وتحركات واسعة للمعدات والأفراد في الجزء الشرقي من فنزويلا، المتاخم لحدود غيانا. ويذكر التقرير أن حوالي 300 ألف جندي فنزويلي جاهزون لهذه المهمة.
من المهم ذكر أن الاحتياطي النفطي المكتشف كبير جدًا، فقد عثرت شركة إكسون موبيل، بالتعاون مع شركة محلية، على 46 حقلًا نفطيًا عند سواحل غيانا منذ عام 2015، بالإضافة إلى اكتشاف أربعة حقول في العام الجاري وحده.
يُشار - في السياق ذاته- إلى أنّ فنزويلا، على الرغم من الغموض القائم في تحديد حدودها البحرية، تظل الأولى عالميًا من حيث الاحتياطي النفطي. تتمركز معظم هذه الحقول النفطية في منطقة معروفة بـ"حزام الأورينوكو النفطي"، الذي يمتد نشاطه الاستخراجي نحو البحار المتاخمة للأطلسي، بما في ذلك الأراضي المحور للخلاف.
•الاستفتاء الاستشاري:
لتحديد مستقبل الإقليم قررت كاراكاس إجراء استفتاء استشاري حوله، وسيكون يوم 3 ديسمبر 2023 يوماً بارزاً في مجريات هذا النزاع الإقليمي، إذ سيجرى فيه استفتاء استشاري لاستطلاع آراء الفنزويليين حول الإقليم المتنازع عليه. الغرض من الاستفتاء هو إنشاء ولاية جديدة تحمل اسم غويانا إسيكيبو، مع خطط لدمج سكان الإقليم ومنحهم الجنسية الفنزويلية، فضلًا عن ضم الإقليم إلى خارطة فنزويلا.
من ناحية أخرى، أصدرت غيانا تنديداً لهذا الاستفتاء ووصفته بالغير قانوني، وحظيت بدعم من مجتمع دول الكاريبي (كاريكوم) ومنظمة الدول الأمريكية (الأوسا). أعربت كاريكوم في تصريح سابق عن موقفها الرافض للاستفتاء، مؤكدة على أنه "لا يتمتع بأي مشروعية أو أهمية أو مكانة قانونية دولية"، وأعربت عن أملها في ألا تلجأ فنزويلا إلى استخدام القوة أو الوسائل العسكرية في هذا الشأن.
⁃هل تتجه فنزويلا للحرب؟ ما هي السيناريوهات الممكنة؟
رغم الشعور بأن احتمالية الحرب محدودة، إلا أن النزاعات الأخيرة في الساحة الدولية جعلت فكرة الحروب أكثر واقعية. ولنكن واقعيين، يبدو أن المواجهة قد تكون خيارًا مناسبًا لفنزويلا في الوقت الراهن، خاصة مع تفوقها العسكري الواضح على غيانا. ولكن، ما قد يعقد الموقف هو احتمالية تدخل قوة خارجية كوسيط أو للردع أو الاصطفاف مع غيانا، مقابل الحصول على تراخيص وتنازلات نفطية.
وفي هذا الإطار هناك خياران أساسيان:
- الخيار الدبلوماسي: وهنا من الواضح جيوسياسيًا أن غيانا لن تقدم تنازلات دبلوماسية تُفقدها أكثر من 60% من أراضيها، الذي تعتبره خاصًا بها منذ القرن الماضي. وبالنظر إلى الثروات النفطية التي تمتلكها هذه الأراضي، من غير المحتمل أن تتنازل عنها، بل ستسعى إلى استغلالها لتعزيز موقفها الدولي بأن هذه الأراضي تنتمي إليها. فالموقف الرسمي لغيانا واضح: رفض التنازل والاستمرار في استغلال الثروات النفطية.
وبما أنّ الاحتمال الأرجح هو أن غيانا لن تقدم تنازلات دبلوماسية، مما يؤدي إلى طريق مسدود، فستضع فنزويلا بين خيارين صعبين: اللجوء إلى الحرب أو التنازل النهائي عن المطالبة بأراضٍ تظهر فقط على خرائطها التي تعود للحقبة الاستعمارية الإسبانية.
•• الخيار العسكري وضم الإقليم بالقوة
كما أشرنا إليه أعلاه، تظهر عدم استعداد غيانا للدخول في مفاوضات تفقدها الإقليم، مما يضع فنزويلا أمام خيارات محدودة تشمل التحرك العسكري. ومن خلال تنظيم استفتاء لضم الإقليم، تتاح الفرصة لها لإرسال الجيوش لتأمينه. وهذا الإجراء يرفع بشكل كبير من فرص نشوب صراع مسلح.
يُلاحظ أنه رغم الاختلافات السياسية الراهنة في فنزويلا، - لمن يتابع الداخل الفنزويلي- فإن قضية إقليم غويانا إسيكيبو تلقى قبولاً عاماً لدى الشعب الفنزويلي، سواء كانوا من المؤيدين أو المعارضين لنظام الرئيس نيكولا مادورو. والرأي الغالب بين المواطنين هو أن هذه المنطقة تابعة لنا دون النظر إلى الانتماءات السياسية، وهذا يُعد ميزة يعيها النظام الحاكم ويبدو أنه يستغلها.
وتعمل في قطاع النفط بغيانا، شركاتان غربيان عالميتان وبارزتان، هما إكسون موبيل الأمريكية وتوتال إنرجيز الفرنسية، بالإضافة إلى الشركة الغيانية "سيسبرو إنك". هذه الشراكات ساهمت في تعزيز مكانة غيانا كقوة صاعدة في سوق الطاقة. نظرًا للأهمية الكبيرة لهذه الاحتياطيات، من المتوقع أن تؤثر بشكل ملحوظ على الاقتصاد المحلي والسياسة الخارجية لغيانا، وكذلك على العلاقات الدولية والتوازنات الإقليمية بالمنطقة، وخاصة في ظل الحرب الأوكرانية وحاجة الغرب إلى مصادر بديلة للطاقة.
بما أنّ فنزويلا قريبة من روسيا والصين، يُرجّح أن تؤدي أي مواجهة عسكرية فنزويلية إلى تحرك الولايات المتحدة وفرنسا لدعم غيانا لحماية استثماراتها، معتمدة حتى على دول إقليمية حليفة للدفاع عن مصالحها النفطية، وقد تكون البرازيل أحد هذه الدول.
في هذا السياق الذي، أفاد تقرير بأن الجيش البرازيلي انتقل إلى حالة استنفار بعد ملاحظة نشاط عسكري وتحركات واسعة للمعدات والأفراد في الجزء الشرقي من فنزويلا، المتاخم لحدود غيانا. ويذكر التقرير أن حوالي 300 ألف جندي فنزويلي جاهزون لهذه المهمة.
من المهم ذكر أن الاحتياطي النفطي المكتشف كبير جدًا، فقد عثرت شركة إكسون موبيل، بالتعاون مع شركة محلية، على 46 حقلًا نفطيًا عند سواحل غيانا منذ عام 2015، بالإضافة إلى اكتشاف أربعة حقول في العام الجاري وحده.
يُشار - في السياق ذاته- إلى أنّ فنزويلا، على الرغم من الغموض القائم في تحديد حدودها البحرية، تظل الأولى عالميًا من حيث الاحتياطي النفطي. تتمركز معظم هذه الحقول النفطية في منطقة معروفة بـ"حزام الأورينوكو النفطي"، الذي يمتد نشاطه الاستخراجي نحو البحار المتاخمة للأطلسي، بما في ذلك الأراضي المحور للخلاف.
•الاستفتاء الاستشاري:
لتحديد مستقبل الإقليم قررت كاراكاس إجراء استفتاء استشاري حوله، وسيكون يوم 3 ديسمبر 2023 يوماً بارزاً في مجريات هذا النزاع الإقليمي، إذ سيجرى فيه استفتاء استشاري لاستطلاع آراء الفنزويليين حول الإقليم المتنازع عليه. الغرض من الاستفتاء هو إنشاء ولاية جديدة تحمل اسم غويانا إسيكيبو، مع خطط لدمج سكان الإقليم ومنحهم الجنسية الفنزويلية، فضلًا عن ضم الإقليم إلى خارطة فنزويلا.
من ناحية أخرى، أصدرت غيانا تنديداً لهذا الاستفتاء ووصفته بالغير قانوني، وحظيت بدعم من مجتمع دول الكاريبي (كاريكوم) ومنظمة الدول الأمريكية (الأوسا). أعربت كاريكوم في تصريح سابق عن موقفها الرافض للاستفتاء، مؤكدة على أنه "لا يتمتع بأي مشروعية أو أهمية أو مكانة قانونية دولية"، وأعربت عن أملها في ألا تلجأ فنزويلا إلى استخدام القوة أو الوسائل العسكرية في هذا الشأن.
⁃هل تتجه فنزويلا للحرب؟ ما هي السيناريوهات الممكنة؟
رغم الشعور بأن احتمالية الحرب محدودة، إلا أن النزاعات الأخيرة في الساحة الدولية جعلت فكرة الحروب أكثر واقعية. ولنكن واقعيين، يبدو أن المواجهة قد تكون خيارًا مناسبًا لفنزويلا في الوقت الراهن، خاصة مع تفوقها العسكري الواضح على غيانا. ولكن، ما قد يعقد الموقف هو احتمالية تدخل قوة خارجية كوسيط أو للردع أو الاصطفاف مع غيانا، مقابل الحصول على تراخيص وتنازلات نفطية.
وفي هذا الإطار هناك خياران أساسيان:
- الخيار الدبلوماسي: وهنا من الواضح جيوسياسيًا أن غيانا لن تقدم تنازلات دبلوماسية تُفقدها أكثر من 60% من أراضيها، الذي تعتبره خاصًا بها منذ القرن الماضي. وبالنظر إلى الثروات النفطية التي تمتلكها هذه الأراضي، من غير المحتمل أن تتنازل عنها، بل ستسعى إلى استغلالها لتعزيز موقفها الدولي بأن هذه الأراضي تنتمي إليها. فالموقف الرسمي لغيانا واضح: رفض التنازل والاستمرار في استغلال الثروات النفطية.
وبما أنّ الاحتمال الأرجح هو أن غيانا لن تقدم تنازلات دبلوماسية، مما يؤدي إلى طريق مسدود، فستضع فنزويلا بين خيارين صعبين: اللجوء إلى الحرب أو التنازل النهائي عن المطالبة بأراضٍ تظهر فقط على خرائطها التي تعود للحقبة الاستعمارية الإسبانية.
•• الخيار العسكري وضم الإقليم بالقوة
كما أشرنا إليه أعلاه، تظهر عدم استعداد غيانا للدخول في مفاوضات تفقدها الإقليم، مما يضع فنزويلا أمام خيارات محدودة تشمل التحرك العسكري. ومن خلال تنظيم استفتاء لضم الإقليم، تتاح الفرصة لها لإرسال الجيوش لتأمينه. وهذا الإجراء يرفع بشكل كبير من فرص نشوب صراع مسلح.
يُلاحظ أنه رغم الاختلافات السياسية الراهنة في فنزويلا، - لمن يتابع الداخل الفنزويلي- فإن قضية إقليم غويانا إسيكيبو تلقى قبولاً عاماً لدى الشعب الفنزويلي، سواء كانوا من المؤيدين أو المعارضين لنظام الرئيس نيكولا مادورو. والرأي الغالب بين المواطنين هو أن هذه المنطقة تابعة لنا دون النظر إلى الانتماءات السياسية، وهذا يُعد ميزة يعيها النظام الحاكم ويبدو أنه يستغلها.
الجزء الثالث والأخير:
لكن هل من مصلحة فنزويلا خوض الحرب؟
من الواضح أن النزاعات العسكرية لا تصب في مصلحة أي دولة، خصوصاً إذا أخذنا العقوبات الدولية المحتملة في حال فنزويلا التي تعاني حصارًا أمريكا في الحسبان (فضلاً عن الخسائر البشرية)، وكون الحكومة الفنزويلية لا تتمتع بالعديد من الحلفاء في أمريكا اللاتينية، ما قد يؤدي ذلك إلى سلسلة عقوبات تؤثر سلباً على الاقتصاد مجدداً بين عوامل أخرى تؤثر على حياة الشعب الفنزويلي.
في هذا الإطار هناك جزء آخر حاسم ينبغي مراعاته في الوضع السياسي بفنزويلا، وهو أنّإجماع الشعب على انتماء هذا الإقليم إلى الأمة الفنزويلية؛ يمكن أن يزيد من شعبية نظام مادورو التي هي منخفضة، من خلال نشر الحماس الوطني. هذه استراتيجية شائعة للحكومات التي تعاني من نقص في الدعم المحلي، حيث يؤدي الانخراط في صراع خارجي إلى توحيد الشعب خلفها، مما يعزز من شرعيتها.
وباعتبار أن عام 2024 هو عام الانتخابات الرئاسية في فنزويلا، قد تُستخدم الحرب كوسيلة للتشتيت عن الانتخابات، أو حتى كذريعة لتأجيلها أو إلغائها، أو كسعي لرفع الشعبية من خلال حل النزاع الإقليمي المستمر منذ أكثر من قرن. من الضروري الأخذ بعين الاعتبار كل هذه العوامل عند اتخاذ القرارات بشأن المسار الذي ستسلكه الحكومة فيما يتعلق بقضية إيسيكويبو الغيانية.
في الختام:
كما رأينا تصر غيانا، التي كانت تحت الاستعمار الهولندي والبريطاني، على أن حدودها مع فنزويلا قد حُددت بموجب قرار من محكمة تحكيم باريس في عام 1899. ومن جانبها، تعتبر فنزويلا أن نهر إسيكيبو الواقع إلى الشرق يمثل حدودًا طبيعية معترف بها منذ استقلالها عن إسبانيا، وبالتالي الإقليم وكل ما يحتويه يجب أن يكون تحت السيادة الفنزويلية. وفي الطرف الآخر ثمة قوى دولية وشركات النفط التي تزكّي الحروب إذا كان الذهب الأسود هو الرهان، ونعلم جميعًا أنّ الولايات المتحدة التي حاربت العراق لأجل النفط، وفرنسا -مع شركة توتال- التي أسقطت نظام القذافي لأجل النفط لن تقفا متفرجتين في الوقت الذي تعمل دولة خصم لهما على ضم إقليم استثمرا فيه ل8 سنوات.
موقف غيانا وفنزويلا يُظهر كيف يمكن لاكتشاف موارد طبيعية مثل النفط أن يعيد إشعال نزاعات حدودية قديمة. في هذه الحالة، يكتسب النفط أهمية جيوسياسية بالغة، ليس فقط لأطراف النزاع، ولكن أيضًا للقوى الدولية التي لها مصالح استثمارية كبيرة في المنطقة.
القوى الغربية، التي تسعى لتأمين مصادر الطاقة وتنويعها خاصةً بعد التوترات الناشئة عن الحرب الأوكرانية، قد ترى في احتياطيات غيانا فرصة استراتيجية. دعمها لغيانا في النزاع قد لا يكون فقط مدفوعًا بالمصالح الاقتصادية ولكن أيضًا كوسيلة للتأثير في الديناميكيات السياسية الإقليمية وموازنة النفوذ الروسي والصيني في أمريكا اللاتينية، خصوصًا في ظل العلاقات القوية بين فنزويلا وهذه القوى.
إضافة إلى ذلك، قد يكون لتأهب القوات المسلحة البرازيلية ورصد التحركات العسكرية الفنزويلية دلالة على توتر الوضع وتأهب الدول المجاورة لأي تصعيد محتمل. البرازيل، بصفتها قوة إقليمية، قد تكون أحد أطراف هذا النزاع.
هذا التعقيد يُظهر كيف يمكن لموارد مثل النفط أن تغير التوازنات الجيوسياسية وتؤجج التوترات القائمة، مما يؤدي إلى نزاعات يمكن أن تتجاوز الحدود الإقليمية وتؤثر على السياسة الدولية.
وفي الخلاصة:
هذه المرة لن أعطي رأيي المستخلص، أترك السؤال لكم يا معشر القراء؛ برأيكم
⁃هل يحق لفنزويلا-بناءً على أدلتها التاريخ واتفاقية جينيف 1966- أن تطالب بالإقليم أو لا؟
⁃هل ترون بناءً على هذه القراءة أن احتمالية نشوب الحرب مرتفعة أو منخفضة؟
……
إدريس آيات - جامعة الكويت
لكن هل من مصلحة فنزويلا خوض الحرب؟
من الواضح أن النزاعات العسكرية لا تصب في مصلحة أي دولة، خصوصاً إذا أخذنا العقوبات الدولية المحتملة في حال فنزويلا التي تعاني حصارًا أمريكا في الحسبان (فضلاً عن الخسائر البشرية)، وكون الحكومة الفنزويلية لا تتمتع بالعديد من الحلفاء في أمريكا اللاتينية، ما قد يؤدي ذلك إلى سلسلة عقوبات تؤثر سلباً على الاقتصاد مجدداً بين عوامل أخرى تؤثر على حياة الشعب الفنزويلي.
في هذا الإطار هناك جزء آخر حاسم ينبغي مراعاته في الوضع السياسي بفنزويلا، وهو أنّإجماع الشعب على انتماء هذا الإقليم إلى الأمة الفنزويلية؛ يمكن أن يزيد من شعبية نظام مادورو التي هي منخفضة، من خلال نشر الحماس الوطني. هذه استراتيجية شائعة للحكومات التي تعاني من نقص في الدعم المحلي، حيث يؤدي الانخراط في صراع خارجي إلى توحيد الشعب خلفها، مما يعزز من شرعيتها.
وباعتبار أن عام 2024 هو عام الانتخابات الرئاسية في فنزويلا، قد تُستخدم الحرب كوسيلة للتشتيت عن الانتخابات، أو حتى كذريعة لتأجيلها أو إلغائها، أو كسعي لرفع الشعبية من خلال حل النزاع الإقليمي المستمر منذ أكثر من قرن. من الضروري الأخذ بعين الاعتبار كل هذه العوامل عند اتخاذ القرارات بشأن المسار الذي ستسلكه الحكومة فيما يتعلق بقضية إيسيكويبو الغيانية.
في الختام:
كما رأينا تصر غيانا، التي كانت تحت الاستعمار الهولندي والبريطاني، على أن حدودها مع فنزويلا قد حُددت بموجب قرار من محكمة تحكيم باريس في عام 1899. ومن جانبها، تعتبر فنزويلا أن نهر إسيكيبو الواقع إلى الشرق يمثل حدودًا طبيعية معترف بها منذ استقلالها عن إسبانيا، وبالتالي الإقليم وكل ما يحتويه يجب أن يكون تحت السيادة الفنزويلية. وفي الطرف الآخر ثمة قوى دولية وشركات النفط التي تزكّي الحروب إذا كان الذهب الأسود هو الرهان، ونعلم جميعًا أنّ الولايات المتحدة التي حاربت العراق لأجل النفط، وفرنسا -مع شركة توتال- التي أسقطت نظام القذافي لأجل النفط لن تقفا متفرجتين في الوقت الذي تعمل دولة خصم لهما على ضم إقليم استثمرا فيه ل8 سنوات.
موقف غيانا وفنزويلا يُظهر كيف يمكن لاكتشاف موارد طبيعية مثل النفط أن يعيد إشعال نزاعات حدودية قديمة. في هذه الحالة، يكتسب النفط أهمية جيوسياسية بالغة، ليس فقط لأطراف النزاع، ولكن أيضًا للقوى الدولية التي لها مصالح استثمارية كبيرة في المنطقة.
القوى الغربية، التي تسعى لتأمين مصادر الطاقة وتنويعها خاصةً بعد التوترات الناشئة عن الحرب الأوكرانية، قد ترى في احتياطيات غيانا فرصة استراتيجية. دعمها لغيانا في النزاع قد لا يكون فقط مدفوعًا بالمصالح الاقتصادية ولكن أيضًا كوسيلة للتأثير في الديناميكيات السياسية الإقليمية وموازنة النفوذ الروسي والصيني في أمريكا اللاتينية، خصوصًا في ظل العلاقات القوية بين فنزويلا وهذه القوى.
إضافة إلى ذلك، قد يكون لتأهب القوات المسلحة البرازيلية ورصد التحركات العسكرية الفنزويلية دلالة على توتر الوضع وتأهب الدول المجاورة لأي تصعيد محتمل. البرازيل، بصفتها قوة إقليمية، قد تكون أحد أطراف هذا النزاع.
هذا التعقيد يُظهر كيف يمكن لموارد مثل النفط أن تغير التوازنات الجيوسياسية وتؤجج التوترات القائمة، مما يؤدي إلى نزاعات يمكن أن تتجاوز الحدود الإقليمية وتؤثر على السياسة الدولية.
وفي الخلاصة:
هذه المرة لن أعطي رأيي المستخلص، أترك السؤال لكم يا معشر القراء؛ برأيكم
⁃هل يحق لفنزويلا-بناءً على أدلتها التاريخ واتفاقية جينيف 1966- أن تطالب بالإقليم أو لا؟
⁃هل ترون بناءً على هذه القراءة أن احتمالية نشوب الحرب مرتفعة أو منخفضة؟
……
إدريس آيات - جامعة الكويت
جاري تحميل الاقتراحات...