من كام شهر دخل عليا واحد من الزملاء ومعاه ظرف كبير وقعد واتكلم عن الجو والسياسة والشغل والعملة.. وبعد ما الكلام خلص، سابلي الظرف على المكتب وقالي، دي واحدة ظروفها صعبة لو تقدر تساعدها يبقى كتر خيرك! فتحت الظرف ولقيت CV فيه صورة قديمة لواحدة في الثلاثينات من عمرها..
إسمها ماريز ... وال CV بتاعها مفيهوش حاجة تقريبا غير الإسم والعنوان والشهادة الجامعية ورقم التليفون! كلمتها وحسيت من صوتها إنها أكبر من الصورة.. جاتلي تاني يوم ولقيت قدامي ست في أواخر الخمسينات أو أوائل الستينات.. شعرها كله أبيض في رمادي.. وشها باين عليه السن والتعب
كانت لابسة طقم خروج قديم والجاكيت شتوي وإحنا في عز الصيف.. الجزمة كعبها متاكل من كتر الاستخدام.. لأول مرة ألاقي نفسي مش عارف أسأل الشخص اللي قدامي في الانترفيو.. المهم، لقيتها بتقولي.. يا أستاذ، أنا عُمري ٦١ سنة وبنت ناس كويسين.. عمري ما اشتغلت بس الظروف صعبة!
من غير ما أحس لقيت دمعة بتفر من عيني، حاولت أدور وشي بس ملحقتش.. جوزها كان موظف وهي ست بيت وعندهم ولد واحد سافر ومابيسألش عليهم.. وجوزها طلع معاش والفلوس مش مكفية، وفتح محل صغير لكن جاله مرض وقعد في البيت.. ومش عارفين يصرفوا منين! مستعدة أشتغل أي حاجة.. إن شالله تنظيف حمامات!
شربنا شاي وسألتها عن تعليمها.. كانت مدارس راهبات وتعليمها فرنساوي.. من عيلة محترمة لكن الزمن وحش! وعدتها إني هحاول أعمل اللي أقدر عليه.. ومشيت وأنا قفلت على نفسي المكتب وحطيت راسي بين كفوفي وقلت يا رب إنت أكيد بتاخد بالك من المحتاجين أكتر من أي حد فينا.. قولي أساعدها إزاي؟!
خمس دقايق ولقيت السكرتارية بتتصل بيا.. الست رجعت تاني وطلبتني! خرجت ولقيتها في حالة هيستيرية مش فاهم منها ولا كلمة.. عياط وصريخ! عمالة تشدني على الباب وعايزاني أنزل معاها.. فين وفين و إحنا في الشارع، فهمت منها إن زوجها كان مستنيها تحت، ونزلت ملقتهوش! عنده زهايمر!
طلبت ناس من الشركة وفضلنا ندور عليه في كل الشوارع المحيطة، وطلبنا الشرطة.. مالوش أثر! اليوم كان طويل، قضيناه كله في البحث.. قعدنا معاها وحاولنا نهديها.. لكنها كانت في دنيا تانية.. حاسة بالذنب ومش عارفة تتصرف! و أنا كمان مكنتش عارف أعملها حاجة!
بعد يومين من البحث، القسم كلمها وراحت تستلم زوجها اللي كان في حالة صعبة، راسه فيها جرح، وهدومه متبهدله! ولاد الحلال لقوه مرمي على الرصيف وهي كانت حاطة في جيبه بيانات ورقم تليفون! بعد اليومين دول، أنا حسيت إن حياتي اتقلبت.. رغم إن روحها رجعتلها تاني بعد ما لقيت زوجها..
ماكنتش عارف أشيلها من دماغي.. فشلت إني ألاقيلها شغل في أي مكان.. مدير الشركة عندنا ربنا يباركله، لما سمع باللي حصل، طلعلها مبلغ معقول يعيشها كام شهر.. لكن هتعمل إيه بعد المدة دي.. هتعيش إزاي.. طب يا رب طالما بعتهالي يبقى أكيد محتاج مني حاجة.. قولي أعمل إيه!
روحت المكتب تاني يوم وطلعت ال CV .. مكنتش بصيت على الشهادة الجامعية بتاعتها.. لقيتها خريجة صيدلة! جريت على صديقي الصيدلي وحكيتله، لكن وأنا بحكي لقيت تعبيرات وشه اتغيرت شوية.. وفي الأخر اعتذر بشياكة.. وقالي هي إزاي هتسيب زوجها وهو في الحالة دي وتنزل تشتغل.. مش هينفع!
مر أسبوع تاني وأنا بحاول وبتصل بيها كل يوم أتطمن عليها.. وفي يوم أخدت وجبة وعزمت نفسي عندهم على الغدا.. بيت إيجار قديم في منطقة كويسة في مصر الجديدة.. لكن البيت كان تقريبا فاضي من جوا.. باعوا حاجات كتير! أكلنا سوا، وزوجها كان قاعد ومش عارف إحنا مين!
زوجها كان شوية يقوم يجري على الباب وهي تجري وراه، وشوية يبصلي ويتكلم معايا على إني واحد تاني.. وهكذا! هي كانت مبسوطة بوجودي.. حكيتلي حاجات كتير عن حياتهم.. رجعت البيت وفضلت أفكر فيهم.. إزاي الحياة تدي الناس ضهرها بالشكل ده! قررت أحاول أجمع مبلغ تاني من الشغل والأصدقاء..
غبت عنها يومين.. واتصلت بيها في التالت مردتش عليا.. اتصلت تاني وتالت.. تاني يوم الصبح خطفت رجلي لبيتهم.. البواب قالي ، الاستاذ كان تعبان والمدام أخدته على المستشفى! قلت ربنا يستر.. تاني يوم اتصلت بيا وطمنتني إن زوجها بخير.. وقالتلي ان الدكتور طلع صديق طفولة لإبنهم
فضلت على اتصال بيهم لمدة أسبوعين لغاية ما في يوم عزموني على العشا.. روحت لقيت ناس كتير.. إبنهم جه من برا ومعاه مراته وعياله.. أخيرا قلبه حن على أبوه وأمه لما صاحبه كلمه وحكاله.. وبعدها شهر، بلغوني إنهم هيسافروا مع إبنهم ويعيشوا معاه برا.. روحتلهم في زيارة أخيرة
قعدت مع إبنهم خمس دقايق... كنت عايز أتطمن.. حكالي عن خلاف جامد مع والده وقطيعة لمدة ١٥ سنة.. لكنه لما سمع عن حالتهم مفكرش ونسي الزعل.. قالي ده أبويا ومش هسيبه مهما عمل فيا.. بصيت في عين الأم اللي كانت واقفة من بعيد.. لقيتها فرحانة وعينيها بتضحك.. قلبي اتطمن عليهم
نزلت من عندهم وسبت العربية ومشيت كتير.. كان حديث بيني وبين ربنا.. كالعادة، كنت بعتذر عشان شكيت فيه كتير.. كنت فاكر إن ربنا ناسي ولاده.. كنت فاكر إننا كبني أدمين قلبنا أحن منه.. لكني فهمت للمرة المليون، إن ربنا كان واخد باله منهم.. بعتهم في سكتي عشان أخد شوية بركة..
ربنا مابينساش حد.. إحنا بس اللي بنفتكر إننا هننقذ الناس، و ان العالم هاينهار من غيرنا.. لكن إحنا جزء صغير من الخطة الكبيرة.. لو ما ساعدناش، فيه غيرنا هيساعد.. بس لازم نفهم إن أي حد محتاج يقع في طريقنا دي فرصة لينا أكتر ما هي فرصة ليه.. ولسه فينا نفَس عشان نعيش ونتعلم ونثق في ربنا
جاري تحميل الاقتراحات...