"كل الحروب مبنية على الخداع. عندما نكون قادرين على الهجوم، يجب أن نبدو غير قادرين؛ وعندما نستخدم قواتنا، يجب أن نبدو غير نشطين؛ وعندما نكون قريبين، يجب أن نجعل العدو يعتقد أننا بعيدون؛ وعندما نكون بعيدين، يجب أن نجعل العدو يعتقد أننا قريبون" - فيلسوف الحرب الصيني سان تزو.
هذا المنشور محاولة لتقدير وضعية الإسرائيلي على الجبهة الشمالية بعد شهر ونصف من إعلانه الحرب، ليس للتهويل وليس للتطمين، محاولة موضوعية هدفها تنبيه المهتمين إلى بعض السيناريوهات "الأقل تفاؤلاً" المحتملة، ما يمكن أن يشكل سبباً في تخفيف آثارها السلبية النفسية وتجاوزها في حال وقعت.
يقدّر العديد من المتابعين للوضع أنّ الإسرائيلي حالياً عاجز عن تحقيق أي عنصر مباغتة معتد به في أيّ معركة أو حرب مع حزب الله في لبنان، وبالتالي يستبعدون إلى حدّ كبير إمكانية تجرّؤ الإسرائيلي على فتح الجبهة الشمالية بمستوى أكبر من ضربات محدودة، مع عدم منطقية لجوئه إلى حرب استنزافية.
ولكن المسألة ليست بهذه البساطة:
- يمكن أن نستفيد من تجربة غزة في فهم كيف يعمل الإسرائيلي تحت الضغط، فبالرغم من معرفته باستعداد المقاومة وجهوزيتها التامة للمعركة، دخل في معركة برية بعد قصف تمهيدي كثيف ومتوازي مع التوغلات، معتمداً على تفوقه بالنيران وحشد مئات الدبابات والمدرعات.
- يمكن أن نستفيد من تجربة غزة في فهم كيف يعمل الإسرائيلي تحت الضغط، فبالرغم من معرفته باستعداد المقاومة وجهوزيتها التامة للمعركة، دخل في معركة برية بعد قصف تمهيدي كثيف ومتوازي مع التوغلات، معتمداً على تفوقه بالنيران وحشد مئات الدبابات والمدرعات.
وبالتالي يمكن التقدير بأنّ الإسرائيلي قد يرى في قدراته على تنفيذ قصف واسع ودقيق لمئات الأهداف في لبنان خلال ساعات، بالإضافة إلى إمكانية اشتراك الأسلحة الصاروخية البحرية التي تحملها المدمرات الأميركية في البحر، قدرة على مباغتة المقاومة حتى لو كانت في أوج استعدادها واحتياطها
كما أنّ من يعرف الإسرائيلي يعرف رهانه على ضرب القدرات البشرية النوعية للمقاومة، لما لها من أثر على مجمل القدرات ولا سيما التحكم والسيطرة والتقدير الاستراتيجي والتحكم الميداني في الحرب، بسبب طبيعة تشكيلات المقاومة وهيكلياتها. فكما فعل في أيار الماضي مع الجهاد الإسلامي، ونجح إلى حد
بعيد في تصفية الكوادر الرئيسية في مجلسها الجهادي، ما انعكس على أدائها بشكل عام في المعركة، وكما فعل مع حماس بشكل جزئي في معركة سيف القدس وقبلها
-فقد يرى الإسرائيلي أنّ استهدافاً قائماً على معلومات استخبارية لشخصيات محورية في حزب الله سيكون مؤثراً على مجمل قدراته ومسارات عمل عسكره
-فقد يرى الإسرائيلي أنّ استهدافاً قائماً على معلومات استخبارية لشخصيات محورية في حزب الله سيكون مؤثراً على مجمل قدراته ومسارات عمل عسكره
واليوم، أكثر الإسرائيليين ندامة من امتلك فرصة في يوم من الأيام لتصفية محمد الضيف ولم يفعل ذلك، إذ إنّ التقديرات الإسرائيلية تشير بوضوح إلى أنّ هذه العملية هي من تخطيطه المباشر وإدارته المباشرة في التنفيذ. وقد أدركت المقاومة في لبنان ذلك باكراً، وثبتت معادلات ردع خلال العقد الماضي
كما إنّ الإسرائيلي قد يراهن على سيناريوهات "مجنونة" يعتقد أنها غير معتنىً بها كفرضيات واقعية في الخطط العسكرية، كما فعل في غزة عندما اخترق الساحل من الجهتين شمالاً وجنوباً وصولاً إلى الشفاء، وتجنب كلياً المحور الشرقي والشجاعية والزيتون شديدتي التحصين، ليطبق عليها الآن من جهتين.
-في لبنان، قد يراهن الإسرائيلي على إنزالات واسعة لإشغال المقاومة في مناطق يراها غير متوقعة، لإشغال المقاومة على عدة جبهات، وضرب خطوطها الخلفية، كما سيراهن على المسيرات القتالية، والتي أثبتت فعالية كبيرة، لا سيما في حال نجح في ضرب قدرات الدفاع الجوي في القصف الأولي لبنك الأهداف
وبالتالي، فإنّ هدفه هو استعادة الردع، واستعادة الثقة لدى جمهوره، واستعادة اليد العليا والطولى. لا يريد الإسرائيلي القضاء على حزب الله لأنه يعلم أنه لن يستطيع ذلك، حتى بمساعدة الأميركي، لأنّ الأخير غير مستعدّ للتورط إلى هذه الدرجة على مشارف خضة سياسية داخلية في انتخابات الرئاسة.
ولكنه يمكن أن يعمل مع الأميركي على تنسيق ضربة قوية لقدرات حزب الله الصاروخية والنوعية، معتمداً على الاستخبارات، حتى لو علم أنها لن تنجح في تدمير كافة ترسانته الدقيقة والنوعية، ولكنها قد تكون كفيلة، في تقدير العدو، أن تحدث صدمة في وعي المقاومة بأنّ المعركة مكلفة جداً.
ولا ننسى أبداً كمية العملاء التي تمّ كشفها خلال العقدين الماضيين، ومستويات بعضهم الرفيعة والرفيعة جداً، ومسؤوليات بعضهم الحساسة. كما لا ننسى الانكشاف الأمني الواسع الذي خلفته الحرب السورية لتشكيلات المقاومة وهيكلياتها، والذي توفّره شركات الاتصالات والبيغ داتا المجموعة في لبنان.
بكل صراحة، وبدون أي تلطيف: سندفع ثمن كلّ مجموعة واتساب، وكلّ اتصال وكل جهاز تلفون ذهب إلى الجبهة، وكلّ صورة مجاهد انتشرت أو تنتشر اليوم في تشييع أو غيره. سندفع ثمنها جميعاً كشعب ليس يراهن إلا على هذه المقاومة. ثقافة الاستهتار الأمني هي التي أمّنت للإسرائيلي مؤونته في هذه الحرب.
ماذا خلف دخان القصف المتبادل؟
في الحقيقة، يمكن قراءة رسائل قوية متبادلة في القصف المستمر منذ 45 يوماً، تفاقمت حساسيتها في الأيام الأخيرة.
منذ نحو أسبوعين، نجحت المقاومة في اعتماد تكتيك أكثر تناسباً مع طبيعة المعركة، أدّت إلى تخفيض كبير في عدد الشهداء مقابل تصعيد كبير في العمليات
في الحقيقة، يمكن قراءة رسائل قوية متبادلة في القصف المستمر منذ 45 يوماً، تفاقمت حساسيتها في الأيام الأخيرة.
منذ نحو أسبوعين، نجحت المقاومة في اعتماد تكتيك أكثر تناسباً مع طبيعة المعركة، أدّت إلى تخفيض كبير في عدد الشهداء مقابل تصعيد كبير في العمليات
وأدخلت المقاومة أسلحة جديدة، أبرزها الكورنيت الفراغي وصواريخ والبركان، وهي أسلحة مكلفة بشرياً للعدو، كما أسقطت المقاومة بنجاح مسيرة واحدة على الأقل. في المقابل، انتقل الإسرائيلي إلى تنفيذ قصف دقيق في عمق الجنوب، مستهدفاً مناطق تبعد أكثر من 40 كم عن الحدود. وبحسب ما نشره جيشه-->
فقد استهدفت غاراته بشكل أساسي قدرات الدفاع الجوي، وادّعى موقع الجيش الإسرائيلي (الذي قد يكذب وقد يكون مشتبهاً) استهداف منظومة "بوك" الروسية في غارته الأخيرة على بلدة الكفور جنوبي لبنان، وهو أمر إذا صحّ فعلاً، سيعني رسالة إلى المقاومة بأنّ هناك بنك أهداف جدّي لدى الإسرائيلي.
يضاف إلى ذلك كله 3 عوامل مؤيدة: ما تردد عن سحب جزء من الاحتياط من الجنوب بشكل غير معلن، ومناورة فرقة الضفة "أفراييم" التي تبدأ غداً، والهدنة في غزة التي قد تبدأ غداً أو في الأيام المقبلة، وبالتالي يمكن فقط انتظار معلومات عن إخلاء لمناطق واسعة في الحافة الشمالية لتأكيد نية العدو.
كذلك، على مستوى العامل النفسي، فإنّ مستوى التأهب والجهوزية العالي لدى المقاومة في الأيام الأولى والمبني على قواعد الاشتباك وطبيعة المعركة التي باتت شبه واضحة وثابتة قد يتحول بعد شهر ونصف إلى نمط، ما يعني أنّ أي خرق لطبيعتها من قبل الإسرائيلي قد يشكل عامل مباغتة للمقاومين وللناس
ويمكن الالتفات إلى طبيعة التأييد الأميركي للعملية في غزة، للحسم بأنّ الأخير يريد نصراً، وإن بصورة تظهر كلفة بشرية "مدنية" محدودة قدر الإمكان، حتى لو كانت كاذبة. ومن يريد نصراً في غزة جنوباً، لن يسكت على هذا الحجم من الإذلال والهزيمة في الشمال، ويبقى السؤال عن الوقت هو القضية.
مجدداً.. هذا ليس تهويلاً.
في حال كان تحليلاً واقعياً، فإنّ أخذ الاحتياطات إيجابي، وفي حال لم يكن دقيقاً، يبقى الاحتياط إيجابي. ولكن توطين النفس على أنّنا في حرب قد يرتفع زخمها وتختلف طبيعتها بشكل مفاجئ، وقد نستفيق على تصعيد كبير في يوم مقبل، جيد بلحاظ أن المفاجأة ستكون أسوء بكثير
في حال كان تحليلاً واقعياً، فإنّ أخذ الاحتياطات إيجابي، وفي حال لم يكن دقيقاً، يبقى الاحتياط إيجابي. ولكن توطين النفس على أنّنا في حرب قد يرتفع زخمها وتختلف طبيعتها بشكل مفاجئ، وقد نستفيق على تصعيد كبير في يوم مقبل، جيد بلحاظ أن المفاجأة ستكون أسوء بكثير
وبطبيعة الحال، فإنّ المقاومة وما تملكه من قدرات وخبرات وانتشار واسع وإعداد، هي أبقى من أن يقتلعها أحد في هذه الأرض، وأصلب من أن يكسرها أيّ عاتٍ من عتاة هذا الزمن الصعب، ويبقى أن نسأل الله أن يردّ كيد الأعداء، وأن يحفظ من لا رهان إلا عليهم، ويسدد رميتهم، ويعمي أعين عدوهم وأسماعه.
جاري تحميل الاقتراحات...