نعترف بأننا قد فشلنا كلنا، مدنيين وعسكريين وتكنوقراط وسياسيين، في إدارة وطننا سياسياً وإقتصادياً. لقد تعاقبت علينا أنظمة شمولية قاهرة، وأنظمة حزبية فاشلة، وتولى أمورنا من خابت آمالنا فيهم من جيل الإستقلال، وما تلاهم من أجيال عسكرية ومدنية، وأكملت ثلاثينية الكيزان رسالة الخراب.
أما مَن لا يزالون على قيد الحياة من سياسيي ما بعد الإستقلال وحتى الآن، فإن الفشل مُجسَّد فيهم وفي ما خلفوه من بصمات سالبة وعجز ظاهر، في كل شئون الحياة السودانية، ليس أقله تركهم البلاد لحكم العسكر لأكثر من ثلثي عُمر الإستقلال!
ترك الأمر للأجيال الشبابية الصاعدة المسيطرة علي الساحة حالياً، لا يستقيم ولا يطمئن لأنها ببساطة غير مؤهلة بشكلٍ كافٍ، لا أكاديمياً و لا وطنياً، لتحقيق آمال الأمة السودانية في الحرية والعدالة والسلام، ولا أظنها مستوعبة بقدر مطمئن لمفاهيم النهضة الإجتماعية والتنمية الإقتصادية.
لأنها رغم حماسها وإندفاعها الظاهري، لا تمتلك الحس اللازم والصحيح لهذه المفاهيم، ولهذا لا تُقَدِّر أهميتها، وضرورة تحقيقها، وعِظَم عبء المحافظة عليها.
ليس هذا فقط بل حتى تأهيلها العلمي و الأكاديمي، منذ سُلم نميري التعليمي الفاشل وحتى ثورة التعليم العالي الإنقاذية التي أطاحت بسمعة الخريج السوداني، لا يؤهلها لإخراج الوطن من ورطته ومأذقه الحالي.
بينما الإنقلابيون متشبثون بالحكم دون سند دستوري أو شعبي، ومتمادون في التحطيم والعبث بالدولةوأهلها في كل إتجاه، وبينما الأحزاب لاهيةتتقاذفها الأهواء وضبابية الرؤى، وبينما تكوينات المقاومة الشبابية متمادية في سخطها علي كل شيئ وفي رفضها للآخرين شخوصاً وتاريخ، يزداد إنحدار السودان
بينما الإنقلابيون متشبثون بالحكم دون سند دستوري أو شعبي، ومتمادون في التحطيم والعبث بالدولةوأهلها في كل إتجاه، وبينما الأحزاب لاهيةتتقاذفها الأهواء وضبابية الرؤى، وبينما تكوينات المقاومة الشبابية متمادية في سخطها علي كل شيئ وفي رفضها للآخرين شخوصاً وتاريخ، يزداد إنحدار السودان
نحو الهاوية وتتفاقم الأمور فيه بشكل مزعج ومتسارع بالشكل الذي جعله لم يعُد ذلك الوطن الذي كان أو الذي تَطَلَّع له جيل عشرينيات القرن العشرين الذين كانوا مشبعين من ناحية بروح معارك كرري الجهادية، وخارجين من ناحية أخرى برؤى إنفتاحية وتحررية أشعلتها معارك الحرب العالمية الأولى
التي نفثت فيهم روحاً جديدة تصبو للحرية و للإنعتاق من ذُل الإستعمار ، تشبثاً بحق الحياة في وطنٍ حرٍ مستقل، يحكمه بنوه، وتظلله مفاهيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
تلك الظروف حدت برجل في قامة البطل علي عبداللطيف أن يصدح بصرخة سجلها له التاريخ في شكل نداء أو مقالة بعنوان:- مطالب الأمة السودانية، كانت بداية لكفاح سياسي وثوري طويل وشاق، إنتهى بخروج الإستعمار، وإعلان إستقلال السودان في مطلع يناير من عام 1956م.
لكن ما حدث خلال66سنة التي أعقبت الإستقلال، يمثل في مجمله خيبة قوميةلأجيال تعاقبت منذ إنهيار مؤتمر الخريجين في1946 وحتى يوم الناس هذا، مما يستوجب بعثاً جديداً ونداءً متجدداً في هيئةمطالب مستحدثةوعاجلة للأمةالسودانيةفي تيهها الحالي علها تلتفت قبل ضياع السودان نهائياً وإلى الأبد.
الوطن ظل لعقود طويلةيئن تحت محن وإحن وإبتلاءات وخيبات سياسيةوإقتصاديةومجتمعيةتهدد بفنائه مما يستوجب البحث عن مخرج مستنبط من خارج الصندوق بحثاً عن بدايةجديدةوبعث جديدللوطن من خارج الاطر التقليديةالداخليةالتي أوردت السودان وأهله موارد الهلاك والمسغبةالمهيمنةعلي كل نواحيه حالياً.
لهذا ولغيره مما لا تخطئه عين المراقب والمتابع من خارج دوائر ما يسمون بالمجموعات الفاعلة في الساحة السياسية ، فإني أعتقد أن الخروج من هذه الورطة يقتضي التفكير جدياً و سريعاً في إنقاذ السودان من عبث بنيه بوضعه مؤقتاً تحت مظلة الوصاية الدولية لمدة عشرة سنوات
يكون خلالها تحت رعاية مجلس الأمن الدولي مباشرة ، وذلك من أجل تأمين البلاد مِن أعداءٍ طامعين يتناوشونها خارجياً ، ومِن أبناءٍ عاقين يسعون لتمزيقها داخلياً ، ومن هواة حُكم مفتقدين للمقدرات اللازمة.
إنها سانحة لتوفير فرصة جديدة للسودانيين لإعادة هيكلة بلادهم إدارياً وإقتصادياً علي أسس سليمة، وإعادة توطينها في عجلة الإقتصاد العالمي وآلياته، وقفاً للتدهور العام المريع والمتزايد،
وإنطلاقاً بالبلاد نحو آفاق تنمية حقيقية و مستدامة، وتدريباً لكوادر شبابية جديدة قادرة على إدارة البلاد بإيجابية ومؤهلة نظرياً وعملياً لتنميتها والنهوض بها وإستدامة تطويرها.
لضمان إحداث التغيير المرتقب خلال الفترة الزمنية القصيرة المقترحة لوضع البلاد تحت وصاية مجلس الأمن ، لابد من البدء بإعادة هيكلة الدولة بحيث تُحكَم بداية بشكل مركزي في إطار خمس ولايات أو أقاليم كبرى
بواسطة إداريين أكفاء مدركين لأهمية التعاون المنُتِج مع الإدارات الأهلية، إلى حين توفير بدائل تُغني عن ما نحن فيه من مفاهيم قبلية وجهوية أقعدت بالسودان وعطلت تقدمه ..
إن الحاجة لحكم مركزي قوي ، بداية ، لضبط الأوضاع السياسية والإدارية ، يُعطي الأُمة فرصة للتفكير في قبول دستور مستقبلي مبني على هيكلة فيدرالية للدولة ، إذ أن الفيدرالية في ما يبدو هي الحل العملي والسياسي لمشكلات الحكم المزمنة في السودان ،
وهي الترياق الناجع للصراع المتنامي والمعطِّل بين المركز والهامش في سودان ما بعد الإستقلال، شريطة أن تكون فيدرالية حقيقية للدولة، ليست مستمدةمن تجاربنا المحليةالفاشلة، بل مستنبطةمن تجارب الآخرين الناجحةوالمطبقة بدرجات متفاوتة في العالم مثل الولايات المتحدة وكندا وسويسرا وغيرها.
وبما أن إستقرار الحكم والتنمية المتوازنة والمتكاملة هي من أهم تطلعات المجتمعات ، فربما يكون من المناسب طرح نظامين دستوريين ، أحدهما مركزي والآخر فيدرالي أو كونفدرالي ، ليقرر الشعب عبر إستفتاءٍ حرٍ ما يريده لوطنه بحرية ودون إملاء .
هذه الإستراحة المقترحة من عناء التشاكس والفشل الذي طال وإستطال ، تتطلب إستقراراً سياسياً وقبولاً مجتمعياً من كافة الكيانات القومية والمحلية لكي تُعاد صياغة الحياة في السودان بعد التيه الذي خلقناه بأيدينا لأكثر من ستة عقود .
هذه الإستراحة المقترحة من عناء التشاكس والفشل الذي طال وإستطال ، تتطلب إستقراراً سياسياً وقبولاً مجتمعياً من كافة الكيانات القومية والمحلية لكي تُعاد صياغة الحياة في السودان بعد التيه الذي خلقناه بأيدينا لأكثر من ستة عقود .
ليس هذا فحسب ، بل الأمر يُحتم التفكير خارج الصندوق أو خارج الأُطر التقليدية . فالوضع الذي نحن فيه الآن وما يحيط بنا من بؤس ومسغبة وتنازع وإنهيار مجتمعي ، هو أسوأ مما كان عليه الحال أيام الإستعمار .
ويزيد الأمر حرجاً أن كل ذلك حدث بأيدٍ سودانية إخترنا بعضها عبر إنتخابات يُقال أنها حرة ، ولكنها لم تكن كذلك تماماً لتَخَلُّف مجتمعنا ولإنتشار الأُمية ، وحُكِمنا بعضها الآخر عنوة باسم الجيش حنثاً بقسم أداه العسكر أمام الله وأمام الناس .
ولهذا ولغيره يبقى الجيش ونَزَعَاتِه الإنقلابية هو الخطر الحقيقي المهدد دوماً لطموحات الأُمة ، ولذا لا بد من تحييده ، وإعادة بنائه ، هيكلةً وعقيدةً ، وتخليصه من الجهوية والحزبية التي أصبحت طاغية عليه ومنفية لقوميته .
لكن حجم الدمار الذي أصاب بُنية الجيش في عهد الإنقاذ ربما يصعب أو يستحيل علاجه بدون تسريح كامل الجيش وإعادة بنائه من جديد ، مع إيكال أمر حفظ حدود الدولة مؤقتاً إلى قوات دولية الى حين إكمال تكوين الجيش بصورته الجديدة ..
وتسريح الجيش أو إعادة صياغته هذه تعني بالضرورة إنهاء كل التشكيلات العسكرية الأُخرى نظامية كانت أو غير نظامية ، ما عدا منظومة الشرطة ذات المهام الشرطية المدنية المتعارف عليها دولياً .
من ناحية أخرى ليس بالجيش وحده يتزعزع الإستقرار فللأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الكثير من الآليات والنشاطات التي أعاقت في الماضي تحقيق مطالب الأُمة في الإستقرار والتنمية المستدامة ، وهي تمتلك الكثير مما يمكن أن تعيق به الإستقرار المستهدف للسودان وأهله.
ولهذا من الضروري أن تقتنع القيادات السياسية والنقابية التقليدية بأنها قد نضب معينها ، وضاع السودان بين ثنايا نشاطاتها ، ورضخ بما يكفي لأطماع آل المهدي وآل الميرغني وأهل اليسار والإسلام السياسي .
إن الوطن في حاجة إلى تنظيمات سياسية ومدنية متفهمة لحاجة الأُمة السودانية في ثوبها الجديد للخروج من دائرة الفشل المفرغة، والإنطلاق نحو تكوين أُمة معافاة من كل ما كَبَّلها وعَطَّل حركتها، وجعلها تتقهقر إلى الخلف بخطى فاقت كل تصوُر وخيال .
لا بد من التنحي الطوعي لتلك القيادات التقليدية السياسية والنقابية و ترك الأمر لقيادات شبابية مدربة لإعادة صياغة أحزابها ومنظماتها المدنية، فكرياً وتنظيمياً ، ولتبقى عائلتا المهدي والميرغني بعيداً عن السياسة ، دعك من الهيمنة عليها بالإغراء والتمويل والدجل .
فليتركوا الأُمة السودانية تحقق مطالبها ، وترسم مستقبلها ، بعيداً عنهم وعن الدجل والخرافة والصوفية التي ترعرعت بشكل ملفت ومعيق في الآونة الأخيرة ، تحقيقاً لقول إبن خلدون رحمه الله بأن الصوفية تزدهر في فترات الإنحطاط المجتمعي ،
وياله من إنحطاط تدهورنا له بعد ستين عاماً من إعلان إستقلال دولتنا التي خاف العالم ولا يزال يخاف من يقظتها ، بينما عمل بنوها ولا يزالوا يعملون للوصول بها إلى أدنى درجات الإنحطاط السياسي والإقتصادي والأخلاقي .
إن كل ما جرى إستعراضه اعلاه بإختصار ينبع من مطلب أساسي للأُمة السودانية هو المحافظة علي السودان كوطن ، وعلي الأمة السودانية ككتلة حضارية مميزة ، تحقيقاً لإستقرار وتنمية متوازنة ومستدامة عن طريق القفز بالإقتصاد السوداني إلى الأمام في جو معافى ، وبطرق مبتكرة وغير تقليدية ،
من الطبيعي أن تتمحور اساساً حول الزراعة لتضع السودان في طريق الكفاية والتصنيع الزراعي تمهيداً للإكتفاء الذاتي أولاً ، ومن ثمَّ الإنطلاق نحو تحقيق حلم أن يكون السودان سلة غذاء الاقليم بما حباه الله به من أرضٍ وماءٍ ومُزَارِع كفءٍ
إذا توفرت له الإمكانات الإدارية اللازمة ، والتقنيات الحديثة ، والتمويل الكافي ، والرعاية الإجتماعية التي تجعل منه إنساناً منتجاً برضىً وكفاءة . وفي هذا الصدد فإن تجربة مشروع الجزيرة في فترة إزدهاره يمكن إستدعاءها بثلاثيتها المعروفة ، شركة وحكومة ومزارع ،
مع تطوير يرتكز على ما برز في تلك التجربة من إيجابيات وتفادي ومعالجة ما شابها من سلبيات .
وبمثل هذا المفهوم يمكن للمشروعات الزراعية الكبرى في السودان أن تستعيد ألقها بشقيها الزراعي والحيواني على أن يكون التصنيع الزراعي محوراً اساسياً للإستهلاك الداخلي والتصدير ، فهو يجعل للنشاطات الزراعية قيمة إضافية مقدرة ومطلوبة ومستحَقة.
وفي إطار الإبتكار والتفكير غير التقليدي مضمون العائد ، يمكن خلال فترة العشرِ سنوات المقترحة تنفيذ قفزة تنموية ولائية عن طريق تحديد ثلاثة مشروعات كبرى لكل ولاية في مجالات التنمية الإقتصادية والتعليم والخدمات والبنى التحتية، وتكليف مؤسسات إستشارية عالميةمعروفة لتقديم دراسات جدوى
لتلك المشروعات ومن ثَمَّ عرض مشروعات كل ولاية على حدة على واحدة من الدول الصديقة لتتبناها وتنافس بها الدول الأُخرى مما يخلق منافسة حميدة بين الدول الصديقة
تدفع بتنمية الولايات جميعها وبشكل متوازن لتقريب الشقة التنموية بينها وبين المركز ، تشجيعاً للهجرة الطوعية المعاكسة للأقاليم، وتخفيفاً للتكدس البشري غير المنتج في الخرطوم وعواصم الولايات و الأقاليم .
إن تحقيق هذا المطلب يقتضي التركيز على الدول الغربيةبريطانيا وأمريكا وفرنسا والإبتعاد عن الصين المتورطةفي الكثير مما أقعد بالإقتصاد السوداني، وكذلك الإبتعاد عن الدول العربيةلأن مراميها في الغالب ذاتية، ولا تملك التقانةاللازمة، وفي تجاربها مع الإستثمار الكيزاني الكثير من علامات ؟؟
وبعد ، فإن هذه خطوط عريضة لصرخة تجديد مسار تأتي بعد قرنٍ من صرخة علي عبداللطيف ، تستهدف تحقيق بعض مطالب الأُمة السودانية المشروعة عبر إتاحة الفرصة لبداية جديدة ، وبشكل غير تقليدي ، بعد أن ضلت البلاد الطريق إلى الإستقرار السياسي والتنمية المستدامة .
جاري تحميل الاقتراحات...