بعد حادثة الأسراء والمعراج بلغت حساسيةُ الوضع الإسلامي الذروةَ في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الدعوة؛ فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم واقعًا تحت ضغوط كثيرة متزامنة ، وفوق ذلك فهو تحت ضغط سخرية الناس وعدم تصديقهم لأمر الإسراء الذي كان يرون أنها حجة قوية لتكذيب النبي
لكن استمرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نشاطه الدعوي ، بل طوَّر ذلك تطويرًا عظيمًا فأمره الله أن يفعل أمرًا غير مسبوق ولم يفعله من قبل ليتحدى بذلك كفار قريش الذين يكذبوه في الغدوّ والرواحْ وحين يصبحون وحين يمسون ويتهمون الحبيب المصطفى بكل أمرٍ شنيع ..
فأمر الله تعالى نبيهُ أن يأخذ اصحابه العظام الذين كانوا كالنجوم التي تمشي على الارض ويتوجه بهم إلى جوف مكه المكرمه وامام الكعبه المشرفه وتحت أنظار مشركين قريش وأن يصلي بِهم رسول الله حتى يسمع القاصي والداني كلام الله الذي لا يُنطق عن الهوى وليس بقول ساحرٍ أو مجنونْ..
يصطف الصحابة رضوان الله عليهم ورسول الله أمامهم فيُكبر حبيبنا المصطفى ويكبر وراءه الصحابه ويبدأ يقرأ سورة الفاتحه والمشركين يستمعون لهذا الكلام بإنصات شديد ودون مقاطعه من أحد وعلامات الاستغراب والدهشه تملأ قلوبهم وعقولهم بسبب فصاحة مايسمعون وروعه وعذوبه هذا الكلام ..
وبعد ان انتهى من قراءة الفاتحه قرأ رسول الله سورة النجم التي أختارها بعناية دونًا عن بقيه السور ، وستعلم بعد قليل لماذا أختار رسول الله سورة النجم تحديدًا لتلاوتها في هذا الموقف المهيب وتحت أنظار مشركين قريش ..
قرأ الرسول السورة، وكأنه يقرأ بيانًا تحذيريًّا إلى مشركي قريش؛ فالسورة فيها من القوارع ما فيها، ولم يقدر على مقاطعته أحد، وياليتنا نتصوَّر هذا الموقف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن بصوته العذب، وخشوعه الكامل، وفهمه العميق لكل حرف، والجميع يُنصت، وكأن على رؤوسهم الطير!
وقد أُخذ المشركون بروعة الآيات والكلمات، وبُهروا بهذا الكلام الغريب العجيب، الذي لا يقدر عليه بشر، فلم يُحَرِّكوا ساكنًا، ونزلت الآيات نورًا يفتح قلوبهم، وخرست الألسنة، وتسمَّرت الأقدام، وتعلَّقت العيون برسول الله ،
والسورة تشرح للمشركين قصته صلى الله عليه وسلم بإيجاز:
والسورة تشرح للمشركين قصته صلى الله عليه وسلم بإيجاز:
إنه صاحبهم الذي يعرفونه، ويعرفون نسبه وشرفه وصدقه، وهو لا يتكلَّم معهم بهواه إنما يأتيه ملك الوحي من السماء؛ هذه هي الحقيقة المجرَّدة التي أخبرت بها السورةُ أهلَ مكة عن طبيعة الرسول ومهمَّته؛ ومن ثَمَّ وضعت القومَ في حرج شديد؛ إذ لماذا يُكَذِّبونه وهو ليس إلَّا رسول من عند الله؟
ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكمل قراءته بصوتٍ قوي يُحَذِّر من اتباع آلهة مزعومة لا قيمة لها، ويُحَذِّر كذلك من أن ينسب أحدٌ شيئًا إلى الله سبحانه عن غير علم:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾
ومع أن الآيات تُهين آلهة قريش، وتحقر من شأنها، فإن المشركين لم ينبثُوا بكلمة واحدة؛ بل ظلُّوا يستمعون القرآن مبهورين انبهارًا كاملًا، مع ملاحظة الخطاب المباشر للمشركين في أكثر من آية؛ وذلك مثل قوله تعالى: {أفرأيتم}، و{ألكم الذكر}، و{إِنْ هِي إِلَّا أَسْمَاء سميتموها أنتم وأباؤكم}
فهذه كلها كلمات خطابية لهم، وأسئلة موجَّهة لعقولهم، وعليهم أن يبحثوا عن إجابة عنها.
وتمضي الآيات تكشف عن خبايا المشركين، وتفضحهم أمام أنفسهم، وتوضِّح جريمتهم الشنيعة يوم أشركوا بالله ربِّ العالمين قال تعالى :
وتمضي الآيات تكشف عن خبايا المشركين، وتفضحهم أمام أنفسهم، وتوضِّح جريمتهم الشنيعة يوم أشركوا بالله ربِّ العالمين قال تعالى :
(أَفَرَأيتَ الَّذِي تَوَلّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنبأ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإبراهيم الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَة وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسان إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعيه سوف يرى*)
ثم أكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءته للسورة وهي تشرح صفة الإله القدير الذي نعبده، كما تُوَضح عاقبة الأقوام الذين كذَّبوا قبل أهل مكة؛ قال تعالى:(وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أضحك وأبكى * وَأنه هوَ أَمات وأحيَا * وَأنه خَلَقَ الزوجين الذكرَ والأنثَى*)
(مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى* وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى)
ثم تسارعت وتيرة الآيات، وعلت النبرة بشدَّة!
قال تعالى: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ* لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُم سَامِدُون * فَاسْجُدوا لله وَاعْبُدُوا}
قال تعالى: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ* لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُم سَامِدُون * فَاسْجُدوا لله وَاعْبُدُوا}
الآيات أظهرت عجزهم الفاضح أمام إلهٍ عظيم بيده كلُّ شيء، وقادر على إهلاك أمم عظيمة كانت أشدَّ منهم قوَّة، وأعظم بأسًا كما أن الآيات تحثُّهم على الإسراع بكل طاقة ممكنة؛ فليس هناك وقت أيها المشركون! لقد أزفت الآزفة، وقد لا يتوفَّر لكم وقت للتوبة أو الرجعة، فأدركوا أنفسكم!
إن جريمتكم هائلة؛ فأنتم أهل اللغة والبلاغة والأدب، وتعلمون أن هذا الحديث جدٌّ لا هزل فيه، صدقٌ لا كذب فيه، حقٌّ لا باطل فيه، فما لكم تضحكون منه، وتسخرون من حامله لكم؛ بينما الأجدر بكم أن تبكوا على حالكم، وأنتم سامدون لاهون معرِضون!
ماذا نفعل؟!
كان هذا هو السؤال الحائر الذي تردَّد في أذهان كل المشركين الحاضرين!
حينها وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد، ويسجد معه المؤمنون..
كان هذا هو السؤال الحائر الذي تردَّد في أذهان كل المشركين الحاضرين!
حينها وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد، ويسجد معه المؤمنون..
فعلموا أن المخرج الوحيد من نزول عقاب الله الباطش بهم أن يسجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعلَّ هذا يعصمهم من العذاب، فسجدوا جميعًا في سابقة ليس لها مثيل في التاريخ! وهي أن يسجد الكفار مع المؤمنين في لحظة واحدة مع رسول واحد!
قال ابن عباس رضي الله عنه: ( سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم ، وسجدَ معه المسلمون والمشركون والجن)
فسجد الجميع دون إستثناء ماعدا شخص واحد وهو شيخ كبير وهو الطاغيه المشرك أمية بن خلف ، يقول بن مسعود رضي الله عنه (قرأ النبي النجم فسجد فيها وسجد من معه غير شيخٍ أخذ كف من حصى أو تراب ووضعه على جبهته وقال يكفيني هذا)
على الرغم من أن الجميع سجد بسجود النبي إلا أمية بن خلف لأن كبره منعه لكنه أخذ ترابًا ووضعه على جبهته وهو دليل واضح أنه يعلم أن الكلام الذي سمعه هو الحق ولكن الضلال الذي بداخله كان أقوى منه ..
لكن للاسف لحظه سجود المشركين كانت لحظة عابرة، لا أثر لها في القلب ولا في الجوارح، قام المشركون من سجودهم أشد كفرًا ؛ بل قاموا كذَّابين أفَّاكين يفترون على الله ورسوله،فزعموا أن رسول الله قال عند ذكره لأصنامهم اللات والعزى مدحًا لها فقالوا: (إنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترجى)
تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا، وتنزَّه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عمَّا أراده المشركون تنزيهًا عظيمًا.
لقد كانت فرية سخيفة قالوها ليُبَرِّرُوا لأنفسهم ولمَنْ لم يحضر المشهد المهيب معهم سرَّ سجودهم مع رسول الله فلم
يؤمنوا حتى بعد أن اقتنعوا بحقيقة كلام الرسول
لقد كانت فرية سخيفة قالوها ليُبَرِّرُوا لأنفسهم ولمَنْ لم يحضر المشهد المهيب معهم سرَّ سجودهم مع رسول الله فلم
يؤمنوا حتى بعد أن اقتنعوا بحقيقة كلام الرسول
مصادر الثريد:
البخاري: كتاب التفسير
الالباني : نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق
ابن هشام: السيرة النبويه
راغب السرجاني: مقال لحظه سجود
- نقلته من:
( @moha_oz ).
البخاري: كتاب التفسير
الالباني : نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق
ابن هشام: السيرة النبويه
راغب السرجاني: مقال لحظه سجود
- نقلته من:
( @moha_oz ).
جاري تحميل الاقتراحات...