الحساب الثالث
الحساب الثالث

@Qataaada

29 تغريدة 91 قراءة Nov 10, 2023
ليس في الإسلام شيء اسمه "الإنسانية"، فاتقوا الله!!!
الحمد لله وحده، أما بعد فمن الغلط البين أن يقال إن الإسلام جاء بإرساء قيمة "الإنسانية" في البشر، أو بإزكائها أو بالتأكيد عليها أو الدعوة إليها أو نشرها أو ما شاكل هذا! فهذا المصطلح "الإنسانية" مصطلح مولد حادث، لم يقع في كلام
أهل العلم ابتداء، ولا نشأ في حياض المسلمين! والواجب على كل من يستعمل مصطلحا يدعو الناس إليه من فوق المنابر، أن يحقق أولا فيما جرى عليه استعمال الناس لهذا المصطلح في أصل الوضع، ثم يفصل في معانيه حتى يخلص المعنى الصحيح منه دون الباطل، إن كانت المصلحة الشرعية المعتبرة تدعو إلى ذلك
التبيين! فالإنسانية هذا humanitarian مصطلح سياسي له أصل فلسفي عند طائفة من الملاحدة المعاصرين، وهو ما يترجم للإنسانوية Humanism، ويمثل فلسفة أخلاقية عصرية مكتملة الأركان، مدارها على تحسين كل ما يحبه الإنسان لنفسه من الأمور الدنيوية من حيث هو إنسان، وتقبيح كل ما يكرهه، دونما
التفات إلى رب بالغيب يشرع له ما يريد، أو آخرة ينقلب إليها بعد موته! فلا يجوز تحسين مصطلح هذا هو معناه المعتبر السائر في الكتب والأدبيات اليوم، بأيما وجه كان! فإن قيل ولكن "الإنسانية" هذه عبارة قد جرت أيضا على ألسنة العوام، يقال: عنده إنسانية، وليس عنده
إنسانية، وهم يريدون بها مكارم الاخلاق ومحاسن الطباع، أجيب بأن هذا غلط ينبغي تنبيههم إليه! فالمعاني الفطرية المستحسنة ليست راجعة إلى الإنسان من حيث هو إنسان، وإنما هي راجعة إلى مركوزات فطرية جبلية قد يكون منها ما تتفق عليه أمم البشر وقد يكون منها ما يختلفون فيه، وقد يكون منها ما
يجمعون عليه في عصر ما، ثم يخرمون ذلك الإجماع في قرون لاحقة (كما في مسألة اللواط والسحاق أو المثلية والجندرية وهذه الأشياء)! هو راجع إلى فطرة ليس عليها أكثر الناس اليوم في تصرفاتهم وأفعالهم، مهما اتفقوا على جملة من المعاني الكلية التي لن تجد في الأرض من ينكرها، كالعدالة والأمانة
والشرف والصدق وغير ذلك! فالإنسان من حيث هو إنسان، ليس معيارا للأخلاق الموضوعية أبدا! لم يكن كذلك في ديننا ولا في ملل أهل الكتاب التي جاء بها رسل الله، وإنما هو كذلك عند الملاحدة الذين لا يرون مصدرا غيبيا للتشريع الأخلاقي والسياسي!
ولا يجوز أن يستدل لذلك المعنى
بقوله تعالى: ((ولقد كرمنا بني آدم))، يقال إن القرآن قد كرم الإنسان وهذا هو الدليل! فإن قولنا القرآن كرم كذا والإسلام رفع كذا وخفض كذا، إنما يراد به في الاصطلاح العلمي، الأمر الشرعي وليس الأمر الكوني! أن الله تعالى رفع أمرا بالتشريع، وحط على أمر آخر بالتشريع! وإلا فالله تعالى لم
يكرم الإنسان تكريما شرعيا في دين محمد صلى الله عليه وسلم من حيث هو إنسان، وإنما أخبر في هذه الآية بأنه كرم الإنسان بتمييزه على غيره من المخلوقات في التسخير الإلهي، أي تسخير ما في السماء والأرض لحاجة بني آدم، وللأمانة التي حملهم الله إياها،
كما في قوله تعالى في نفس الآية: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)) [الإسراء : 70]!
وليس هذا مشتملا، كما هو واضح جلي، على أحكام شرعية تخص
الإنسان من حيث هو إنسان، وإنما هو أمر جبلي خلقي امتن الله به على نوع البشر، ثم احتج به عليهم حتى يشكروه باتباع رسله والانقياد لما جاؤوا به! أما الشرع فالإنسان تكون له أحكام من حيث هو مسلم، بخلاف أحكامه إذا كان كافرا أصليا، وبخلاف أحكامه إذا كان مرتدا، وأحكام الكافر المحارب بخلاف
أحكام الذمي وأحكام المعاهد، بل حتى في المسلمين تختص بعض الأحكام الشرعية بالفساق المجاهرين بفسقهم دون مستوري الحال، ولا يستوي معلوم العدالة بمخروم المروءة المجروح في دينه!
فالتكريم في الإسلام إنما مداره على التقوى والعمل، لا على الإنسانية، إذ يقول رب العالمين: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم))! فمن لم يتق فليس بكريم على الله مع كونه إنسانا!! بل إن من بني آدم من وصفهم رب العالمين بأنهم كالأنعام بل هم أضل!! فكيف يكون كريما على الله من هذه صفته؟؟
يقول تعالى: ((قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [المائدة : 100]، ويقول جل في علاه: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ))
الآية [الأنعام : 50] ويقول: ((مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)) [هود : 24] ويقول: ((وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى
مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)) [النحل : 76] ويقول: ((وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)) [فاطر : 19] ويقول: ((وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ
اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ)) [فاطر : 22] ويقول: ((أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)) [الزمر : 9] ويقول: ((وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ)) [غافر : 58]، فكيف مع كل هذا يقال إن شريعة الإسلام تكرم الإنسان من حيث هو إنسان؟؟ لا
وربي لا يصح ذلك أبدا! هذا من أصول نحلة دهرية تفرض الحقوق للإنسان لمجرد أنه إنسان! وتسوي بين أفراد النوع البشري جميعا في ذلك، بصرف النظر عن الدين والملة والتقوى التي جعلها الله معيار التكريم في القرآن، بل وبصرف النظر عن الأعمال التي يتلبس بها كل من يقال له "إنسان"!
فإن كنتم يا هؤلاء تخاطبون الآلة الإعلامية الغربية بالمصطلح الذي يعتبرونه، وهو الإنسانية، تريدون أن تقولوا إن ما يقترف في غ-زة اليوم من الجرائم الكبرى والإبادة العرقية، هو جرائم "ضد الإنسانية" باصطلاحكم يا من صدعتمونا بالإنسانية وحقوق الإنسان، فأين تحرككم لوقفه، فليس هذا خطابا
يوجه إلى المسلمين من فوق منابرهم في خطبة الجمعة! المسلم معياره الشرع وأحكام الشريعة، وليس "الإنسانية"! وإنما يخاطب بهذا المصطلح، لهذه المصلحة الشرعية، من أوهموا أنفسهم بأنهم به على عدل وإحسان من أمرهم، وهم أعظم الناس ظلما وبغيا في الأرض! فأصحابه هم الآن الذين يغضون الطرف
ويتجاهلون ويتغافلون عن تلك المجازر غير المسبوقة في التاريخ الحديث، التي يقترفها المجرمون اليوم ضد "الإنسان"!! يتجاوز القتلى من النساء والأطفال والشيوخ العزل العشرة آلاف قتيلا، في أقل من شهر، ومع هذا لا نراهم يتكلمون في كلامهم الرسمي عن "حقوق الإنسان" التي كانت هي نفسها من قبل
ذريعتهم في الضغط على حكوماتنا ونظمنا التشريعية في كل ما لا يعجبهم ولا يأتي على أهوائهم!! يجب أن نفهم أن بعض الملل تعامل من لم يكونوا عليها معاملة الهوام والبعوض والبهائم، ولا يرونهم من بني آدم أصلا!! والي-هود يتوارثون "الإنسانية" بالدم فيما يعتقدون، ومن سواهم ففي "إنسانيتهم"
نظر وخلاف!
فالساسة الغربيون إنما يخاطَبون بذلك المصطلح (الإنسانية)، حيث يجري كلام أهل الشأن معهم، في إطار تنبيه المغفلين في شعوبهم ليفيقوا إلى حقيقة تلك الدعاوى الزائفة، وأن أصحاب الأهواء الكبرى يفعلون ما يشبع أهواءهم، بمجرد أن تحصل لهم الاستطاعة والقدرة على ذلك، وإن قتلوا نصف
أهل الأرض من أجل ذلك! أما أن يخاطبنا الخطباء من فوق المنابر بأن الإسلام يدعو "للإنسانية" ولاحترام الإنسان من حيث هو إنسان، فهذا كلام فاسد وفيه من التلبيس ما فيه والله المستعان!
ونظير ذلك في التلبيس قول بعض الخطباء على المنابر: الإسلام نهانا عن قتال "المدنيين"! مصطلح مدنيين
هذا Civilians أيضا مصطلح غربي حادث، يراد به جميع أهل المدينة ممن ليسوا مسجلين رسميا في الجيش النظامي للبلد حال اندلاع القتال. فهل في شريعة الإسلام حكم صريح منصوص عليه لهؤلاء؟ أبدا! وإنما فيه أحكام للصبية والنساء والشيوخ، يستنبط منها علة شرعية هي عدم المشاركة فعلا في القتال حال
وقوعه، وليس "المدنية". وإلا فالمرأة الكافرة إذا حملت السلاح وقاتلت المسلمين، كما هو شائع عند الصها-ينة، فإنها تقاتل، ولا يلتفت إلى كونها امرأة! وكذلك الصبي والشيخ! وكما هو الشأن في أكثر سكان المستوطنات الصهيو-نية في فلس-طين! واليوم هم يروجون لأنفسهم على أنهم "مدنيون" أبرياء
لمجرد أن لهم بيوتا وطرقا وأسواقا وحواضر وكذا، مع أنهم غاصبون للأرض أصلا، مقيمون على العدوان، مستبيحون لدماء المسلمين هناك! فما حكم هؤلاء في ديننا وهم "مدنيون" على مصطلحهم؟؟ لا يجوز تعليق الأحكام الشرعية على مصطلحات مجملة دون رفع الإجمال والاشتباه!
فالله الله فيما تروجونه بين المسلمين يا خطباء المساجد! وفقنا الله وإياكم للرشاد.
انتهى المقصود من البيان، والله المستعان وعليه التكلان.
- الشيخ أبو الفداء

جاري تحميل الاقتراحات...