فوائد الإمام أحمد بن حنبل
فوائد الإمام أحمد بن حنبل

@ahmadbinhanbl

28 تغريدة 5 قراءة Nov 05, 2023
قصة صلح الحديبية
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبي، فقال : يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجت معها العوذ المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور ، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم، قد قدموها إلى كراع الغميم.
فقال رسول الله ﷺ "يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله له أو تنفرد هذه السالفة"
ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة. قال : فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم نكصوا راجعين إلى قريش
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلأت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها
ثم قال للناس: "انزلوا". فقالوا: يا رسول الله، ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج رسول الله ﷺ سهما من كنانته، فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه فيه، فجاش الماء بالرواء، حتى ضرب الناس عنه بعطن
فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبسر بن سفيان فرجعوا إلى قريش، فقالوا : يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحقه. فاتهموهم. وكانت خزاعة في عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمها ومشركها، لا يخفون على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كان بمكة
فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك، فلا والله لا يدخلها أبدا علينا عنوة، ولا تتحدث بذلك العرب. ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا رجل غادر". فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم به أصحابه، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ
فبعثوا إليه الحلس بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه". فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إعظاما لما رأى فقال: يا معشر قريش، قد رأيت ما لا يحل صده؛ الهدي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله. فقالوا: اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك.
فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم.
فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس بين يديه فقال : يا محمد، جمعت أوباش الناس ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها ، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال : وأبو بكر الصديق رضي الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد، فقال : امصص بظر اللات، أنحن ننكشف عنه ؟ قال : من هذا يا محمد ؟ قال : " هذا ابن أبي قحافة ". قال : والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها. ثم تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد، قال : فقرع يده. ثم قال : أمسك يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل والله لا تصل إليك. قال : ويحك، ما أفظك وأغلظك. قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : من هذا يا محمد ؟ قال : " هذا ابن أخيك، المغيرة بن شعبة ". قال : أغدر، هل غسلت سوءتك إلا بالأمس. قال : فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما كلم به أصحابه، فأخبره أنه لم يأت يريد حربا، قال : فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد رأى ما يصنع به أصحابه ؛ لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروه، ولا يبسق بساقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال : يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكا قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له: الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابش، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال : يا رسول الله، إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني، عثمان بن عفان.
فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرا لهذا البيت، معظما لحرمته، فخرج عثمان حتى أتى مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه، وردف خلفه، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان، وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به
فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به. فقال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل.
وبعثت قريش سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي، فقالوا: ائت محمدا فصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل".
فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلما، وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح، فلما التأم الأمر، ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أوليس برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه حيث كان؛ فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد.
ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: "بلى". قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا. فقال: "أنا عبدالله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني". ثم قال عمر: ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت؛ مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرا.
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتب: باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو". فقال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك
ولكن اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبدالله وسهيل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه
وإن بيننا عيبة مكفوفة، وإنه لا إسلال ولا إغلال. ومن أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن مع عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده. وتواثبت بنو بكر، فقالوا : نحن في عقد قريش وعهدهم
وأنك ترجع عنا عامنا هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيهم ثلاثا، معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف في القرب.
فبينا رسول الله ﷺ يصالح إذ جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله ﷺ وقد كان الصحابة خرجوا وهم لا يشكون في الفتح؛ لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا
فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه، ثم قال: يا محمد، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: "صدقت". فقام إليه فأخذ بتلبيبه، وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معاشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ فزاد الناس شرا إلى ما بهم
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله عز وجل جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدا، وإنا لن نغدر بهم".
فلما فرغا من الكتاب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أيها الناس، انحروا واحلقوا". فما قام أحد، ثم عاد بمثلها، فما قام رجل، ثم عاد بمثلها فما قام رجل
فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على أم سلمة، فقال: "يا أم سلمة، ما شأن الناس؟" قالت: يا رسول الله، قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنسانا، واعمد إلى هديك حيث كان، فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحدا، حتى أتى هديه، فنحره، ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون، حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق، فنزلت سورة الفتح.
رواه الإمامان أحمد والبخاري

جاري تحميل الاقتراحات...