لست غاضبا من خطاب نصر اللات. لم أكن انتظر منه شيئا لأني اعلم لم يعد الـ300 الف صاروخ. والغريب الذي يجعله العامة وتتجاهله الخاصة لأنها متواطئة هو أن إسرائيل والغرب كله والشرق كله يعلمه: لأن الجميع رآه حتى الصم العمي الذين لا يعلقون في العراق وفي سوريا وفي اليمن والقادم في تونس.
والغرب لا يعمله من الآن بل هو يعلمه منذ أن انتقل من رد الفعل في أوروبا غربها وشرقها إلى الفعل لما نحصر دور الامة في العالم وكان لهم دور المساعد على تخريه من الداخل وأنا أعلمه لأن البداية النسقية نشأت بين تونس والجزائر: الدولة العبيدية أو الفاطمية التي تحالفت مع الصليب من البداية
ثم كان الحلف مع المغول بل كانوا دليل حملته على الخلافة العباسية لما خسروا السيطرة عليها بفضل دور السلاجقة الذين اخرجوهم منها واستعادوا قوة الامة وهزمتهم الأمة مع المغول ونشأن الخلافة الأخيرة التي حافظت عليها إلى الحرب العالمية الأولى ولو رمزيا حتى أتموا التخريب بالفتنة الصغرى
فما الفتنة الصغرى لأن الكبرى معلومة وبها بدأ سلطانهم العلني على الحمقى من الأمة:بعد اغتيال الفاروق وذي النورين استفادوا من سذاجة علي ورهطه فنقلوا عاصمة الإسلام إلى العراق حيث كان لهم سلطان ودامت اربع سنوات كادوا فيها يستعيدون دولة الأكاسرة لولا فطنة الامويين الذين هزموهم شر هزيمة
وشر الهزيمة لم يكن في الحرب فحسب -انهاء اربعة حروب هلية-بل في ما هو أهم: استعادة نشاط الفتح أولا في الشرق والغرب عسكريا نعم لكنهم عملوا ما هو أهم: انهوا سيطرة الثقافتين الفارسية والبيزنطية ليس في اجهزة الدولة المادية (العملة) والرمزية (اللغة): جعل العلوم وتطبيقاتها عربيا عالميا.
وبفضل ذلك تمكنت الحضارة الإسلامية الناطقة بالعربية وذات الشرط الثاني للسيادة أي الاستقلال الاقتصادي بالعملة العربية من أن تبقى إلى حدود الحرب العالمية الأولى. وصمدت حتى بعد سقوطها لأن الفتنة الصغرى فشلت اخيرا: سايكس بيكو واستنبات القاعدة "الصه يونية" والصفوية أنهاهما الطوفان.
لذلك أنا لست غاضبا على نصر اللات: فهو اثبت أن ما حدث لإسرائيل في الطوفان حدث لإيران كذلك. شرح في خطابه محاولاته بترميم الخدعة التي عاش عليها العامة والتي تواطأ معها الخاصة أي خدعة "محور المقاومة" التي قد تكون أوهمت بان إيران تسعى لتحرير القدس لأنها لاشترائها ضمائر عملاء النخب.
فمن هم عملاء النخب. لست اعني بهم الحكام العرب فهم ليسوا نخبا أولا لأنهم في الغالب من أدنى العامة وهم خفراء نصبهم سايكس بيكو في المحميات التي حول إليها قلب دار الإسلام بل نتاج الفتنة الثانية أي ما يزعمونه تحديا وهو قشور المنحط من ثقافة الغرب لدعم تفتيت الجغرافية بتشتيت التاريخ.
الغرب فتت جغرافية الإسلام بخلق المحميات ومن نصبهم عليها باشروا ما عجز دونه أي تشتيت تاريخه: فصار العراقي بابلي والسوري فينيقي والمصري فرعوني والتونسي قرطاجني والهدف ليس احياء الماضي فحسب بل قتل الماضي الإسلامي الذي تجاوز العرقية والطائفية وحتى التعدد الديني بتوحيد حضارة كونية.
ولما كان من نصبهم الاستعمار في المحميات هم من الاقليات المعادية للإسلام أي بقايا الصليبين من المسحييين وبقايا الباطنيين بعد هزيمتهم في الشام وفي مصر فإنهم جعلوا التفتيت فرصة لتحقيق التشتيت وخدمته: فجل خدم اسرائيل وإيران من هذين النوعين من العرب بالجنس لكنهم عادوا مناذرة وغساسنة
لا يمكن أن يكون ما يجري في لبنان صدفة: الحلف بين بقايا الصليبيين وبقايا الباطنيين هما من يسيطر على لبنان ومن خرب سوريا والعراق ونجحوا في افساد الخليج كله لأن اهله كسالى ويتصورونه خدما كما يتصورون الهنود فصار هم العبيد بوهم السيادة التي تجعلهم "لا يبلوا ولا يعلوا" بالتونسي.
الخليج العربي عربي بالاسم: ذلك أنه مستعمرة فارسية وهندية تخفيه التقية لأن التمكن التام عليه تنافس مع اسرائيل وامريكا فلجأوا إلى روسيا والصين والهند وأداتهم اسرائيل وإيران. وما يحدث في شمال افريقيا من مصر إلى موريتانيا ادهى وامر: يكفي الصراع بين الجزائر والمغرب وبين العرب والبربر.
فما يمثله في الشرق الصراع بين العرب والأكراد في المشرق لا يختلف عما يمثله في المغرب بين العرب والبربر:كلاهم فتنة من صنع الاستعمار الغربي والفتنة الصغرى التي تمثلها عملية التحديث العنيف لاستلاب النخب التي هي في الغالب طابور خامس في الحالتين تخدم مشروع التفتيت والتشتيت لانهاك الامة
كل الانقلابات التي حدثت في تركيا وفي بلاد العرب كانت تستعمل التقية فتدعي القومية العربية فانتجت داء القوميات ومن ثم اجتمع احياء الطائفيات والقوميات وصارت الاقليات هي التي تدير دفة المحميات التي ليس لها إلا هم واحد: القضاء على الحضارة الإسلامية التي كانت تجمع كل الاقوام التي اسملت
المشكل الذي حسمه طوفان الاقصى هو سقوط الاداتين: فهو بين هشاشة الساعد الصهيوني والساعد الإيراني اللذين يمثلان محاولة الانتقال من سايكس بيكو الذي انتهى بما يماثله لقرن آخر: وكانت ضربته فشل عملنة تركيا وتونس فشلت رغم سلاح"تقحيب" النخب بتجارةالاعلام والجنس والمخدرات وروبافاكيا الفكر
ذلك هو النصر الحقيقي في عملية السابع من اكتوبر. ما سمتموه من كلام دجال الضاحية شهادة تسعدني كثيرا لأنه محاولة للتغطية على هذا الفشل وتعريف دقيق للغاية من الـ300 الف "صايوخ" التي تحمي المحميات الباطنية في البلاد العربية ولتوسيعها في انتظار حيازة السلاح النووي شرط الشروع في الغزو.
فهم يعدون الحشد لهذه المهمة وليس لمحاربة اسرائيل. والغرب يعلم ذلك وهو يقتصر على تجحيم ايران لئلا تصل إلى منافسة اسرائيل في ما يعنيهم مما هو أهم من مشروع إيران التي هي في الخدمة كما كانت في عهد الشاه للغاية الغربية: منع الاستئناف الإسلامي ودور الامة العالمي العائد حتما مهما فعلوا.
وما يفرحني اكثر هو ما فضحه عبد ايران في الضاحية: ففي محاولته تبرئة إيران مما فعلت حماس لطمأنة الغرب لكأنه لا يعلم ذلك وهي رسالته الأولى وبيان حدود مناوشاته لطمأنة إسرائيل في رسالة الثانية لكأنها لا تعلم دوره اثبت أن حماس مستقلة وكذب لما زعم ذلك لتوابع إيران هو وحشد العراق واليمن.
مناوشاته فشلت في دور اوراق التوت وهي محاولة لمواصلة الخداع فاشلة: ذلك أنه لو كان حقا يناور في علاقته باسرائيل بدعوى الاستراتيجيا بعيدة النظر لعلم أن اسرائيل لو كانت تعادي حقا لكانت فرصتها بعد الفراغ من حماس الاجهاز عليه بيسر بعد أن صارت مستخدمته تقبل بتحكم امريكا استعمال مالها
لو لم يكن مطمئن إلى أن الغرب سيحميه لحاجته إليه لانتهز فرصة ضعف إسرائيل بعد الطوفان ليقوم بضربة استباقية تزيدها ضعفا فلا تستطيع المساس به. لكنه متيقن من أنها لن تفعل لأن الغرب يحتاج إليه وإلى إيران لعلمه بالوجهة التي لاجها جمعت ال،300 ألف "صايوخ": غزو الخليج وابقاء تبعية الاقليم
جوهر الاستراتيجية الباطنية في الأقليم هو منع الحلف بين العرب والأتراك وبقية الأقطار السنية بعد فهم سر اسقاط الإسلام لدولة الأكاسرة والبيزنطيين: فما اضعفهما هو الحرب بينهما التي يسرت على العرب اسقاط الأولين والاتراك اسقاط الثانين. حاليا صارت اسرائيل ممثلة لبيزنطة وإيران لفارس.
والعملاء العرب ليسوا إلا الناكصين للمناذرة والغساسنة أي لعبيد فارس وبيزنطة. وكل الشعوب التي كانت عبيدا لهما وحررهم الإسلام من استعمارهما تسهم حاليا بغير وعي في هذا المشروع الذي هو ليس عودة إلى الماضي عند إيران واسرائيل بل هو استفادة من دروسه لئلا يستعد الإسلام دوره فيزيلهما ثانية
لذلك فطوفان الاقصى كان اعلان بداية هذه النهاية للأداتين اللتين تبين الآن أن إيران من ادوات القطب الشرقي (روسيا والصين) واسرائيل من ادوات القطب الغربي ومن تغرب من الشرق (وخاصة الهند) لمنع الاستئناف. لكن ذلك لم يعد ممكنا لأن الشعوب بلغت درجة عالية تجمع بين العنفوانين الأصيل والحديث
جاري تحميل الاقتراحات...