ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

10 تغريدة 79 قراءة Oct 30, 2023
ثريد | الاسقاط النفسي
قال العرب: رمتني بدائها وانسلت.
وقال الشاعر
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وصدق ما كان يعتاده من توهم
ها هنا سبق العرب فرويد ذاته، في سبر أغوار النفس البشرية، والكشف بدقة واختصار عن واحدة من أعقد أمراض النفس البشرية في العصر الحديث.
كيف ذلك؟
حياكم تحت
تلك الحالة يسميها فرويد مؤسس التحليل النفسي الحديث بالإسقاط النفسي، ويُعرّفها العلماء بأنها حيلة دفاعية لا شعورية، تلجأ إليها النفس البشرية حين تعتريها الشبهات والنقائص والعيوب، فتحاول التخلص والتبرأ منها، لا من خلال نفيها وإنما من خلال إلصاقها ونسبها إلى الغير بكل حدة وضجر.
لا يقف الإسقاط النفسي عند إلصاق عيوب الإنسان بغيره، وإنما يتخلله كذلك لوم للآخرين على ما وصل إليه صاحب هذه الحالة من فشل، بل ويعتبر الآخرين جزء من مخطط كبير أوصله إلى ذلك السوء الذي يقبع فيه، وهو في كل هذا ينفي عن نفسه أي تقصير أو خطأ ويعفي ذاته من تحمل أي مسؤولية.
لا يُلقي صاحب الإسقاط النفسي إسقاطه جزافاً على أي شخص، بل يوجهه صوب من يغار منه او يكرهه ومن يضمر له في نفسه كثير من المشاعر السلبية، فهو من جهة يبرأ لذاته بإلصاق عيوبه إلى غيره، ومن جهة أخرى يجد لكبته وما يخفيه في ذاته من كراهية، مساراً للتجسد والتحقق.
في العادة لا يصدر الإسقاط النفسي إلا عن شخصيّة ضعيفة مهزومة غير ذات جدوى في حيزها، فالاسقاط ها هنا ليس حالة تختص فقط بالأفراد، بل قد يباشرها أقوام ودول وجماعات، تجاه دول أخرى وشعوب أخرى، فقط لأنهم ناجحون وجيدون وأفضل منهم!
اليوم باتت مواقع التواصل الاجتماعي وكذا شاشات التلفزة، بمثابة ساحات مثلى لممارسة هذا الإسقاط، ليس في هيئة اجتهادات فردية من البعض فحسب، وإنما في هيئة موجات متعاضدة تشارك فيها شعوب ربما بأكملها ضد شعوب أخرى، بغرض إبراء نفسها من الذنب، وتحميل فاتورة عيوبها لدول أخرى غير ذات صلة.
الإسقاط النفسي المرضي حاضر ومستمر في كل ساحات الحياة، بين المنهزمين والمنتصرين، بين الأخيار والأشرار، بين الأنبياء والكافرين، بل بين الإخوة بعضهم البعض حسدا ومكابرة، وهروبا من الاعتراف بالأخطاء والعيوب، واستسهالا للإنكار، وبحثا عن راحة نفسية مجانية وغير مكلفة.
في حيز الإسقاط النفسي، ينزع الكاذب عن نفسه صفة الكذب وينعت به الآخرين، ويتناسى الخائن خياناته، ويظن بكل من أمامه الخيانة، ويتعامى اللئيم عن لؤمه وخذلانه وخسته، وينسب كل صفاته هذه لآخر بريء منها، فقط كي يزهو بذاته المريضة، ويسشعر انتصارا مزيفا يكسر به رتابة هزائمه المتكاثرة.
ليس عيباً أن يفشل الإنسان، لكن العيب كل العيب أن يستمرأ الكذب، ويسقط فشله على آخر ويحمله نتائجه، ولا يكتفي بل يتبع الإساءة منهجا، والبذاءة طريقا، الأمر الذي سيورثه راحة ربما، لكنها راحة مزيفة، ستمنعه عن استشعار فداحة موقفه، وستعطله عن أي فرصة لإصلاح ذاته أو العودة لطريق العقل.
الإسقاط النفسي في مراحله الأولى سهل العلاج، عبر اتباع المريض لبعض مراجعات الذات والاحتكام للمنطق، والاستعانة بالأصدقاء، لكن بمجرد دخول المصاب لمراحل متقدمة من هذا المرض، فإنه لابد ولزاما أن يستعين بالمتخصصين من أهل الطب النفسي.

جاري تحميل الاقتراحات...