(مواجهات حضارية)
لا يمكن أن يكون عدوك متمكنا وتواجهه بسذاجة، القرآن الكريم زعزع مجتمعا جاهليا بارعا في اللغة بلغة أبلغ. ولو جاء بلغة عادية لكان الفشلُ مصيرَ التحدي. ناطح القوم ببلاغتهم ونحوهم وعَروضهم، فبهتوا، وارتعدوا من الكلمة القرآنية. من ينهض برسالة عالمية يحتاج جهدا عالَميا.
لا يمكن أن يكون عدوك متمكنا وتواجهه بسذاجة، القرآن الكريم زعزع مجتمعا جاهليا بارعا في اللغة بلغة أبلغ. ولو جاء بلغة عادية لكان الفشلُ مصيرَ التحدي. ناطح القوم ببلاغتهم ونحوهم وعَروضهم، فبهتوا، وارتعدوا من الكلمة القرآنية. من ينهض برسالة عالمية يحتاج جهدا عالَميا.
والإمام الغزّالي عندما أراد أن يناطحَ الفلاسفة، اعتزل الناس ودرس الفلسفة دراسة معمقة، ثم كتَب "مقاصد الفلاسفة" وكأنه فيلسوف عتيد، بعد ذلك راغَ على كتب القوم ناقدا منهجيا، وهاجم استكبارَهم بكتاب "تهافت الفلاسفة" ولو هاجمهم مباشرة لقالوا جاهل يهرفُ بما لا يَعرف. ولم ينته الأمر بعد.
ففي غرب العالم الإسلامي بزغت شمس معرفية ساطعة، ابن رشد، متكلم ولغوي وفقيه متحمس للفلسفة، أخذ كتاب التهافت ورد عليه بمنهجية مدهشة، والثمرة كتاب "تهافت التهافت" لم يتراشق العالمان بالشتائم في منصات التواصل، كان صراعهما فكرة تدحض فكرة وقلما يبارز قلما، صراع الباحثين لا صراع الفارغين
وفي أواسط القرن العشرين كتب الدكتور لويس عوض تسع مقالات عن تأثر أبي العلاء المعري بالفلسفة اليونانية، وجمعها في كتاب اسمه "على هامش الغفران" فردَّ عليه العلّامةُ محمود شاكر بخمس وعشرين مقالة يبين فيها أخطاء عوض وعدم تعمقه في البحث، وجمعها في كتاب عظيم الشأن هو "أباطيل وأسمار"
وعندما كتب غسان كنفاني "أرض البرتقال الحزين" عجزَ عدوه عن مجاراته حضاريا فرمى برتقال كنفاني بالرصاص، وعندما أبدع ناجي العلي شخصيةَ "حنظلة" ارتعب العدو من خطوط وإسكتشات العلي فخطط للغدر به في لندن، وهذا سلاح العاجز دائما، حين يتلاشى منطقُه يرتفع صوته ويندلق لسانه، بئس العداوة.
الخلاصة، عندما تكون مواجهتك حضارية لا يكفي أن تكون منتصرا في الظاهر لتكتبَ التاريخ، المنتصرون الحقيقيون تُكتَب سيرُهُم بماء العيون. انتصر الرومان على المسيح، لكن سيرته تنامت وسيرة الرومان تلاشت. وانتصر طاغيةٌ أهوج على الحسين، لكن الشهادة التي نالها حفظت لنا تاريخ أبي الأحرار.
جاري تحميل الاقتراحات...