فضل السلف على الخلف@
فضل السلف على الخلف@

@AAlkha89

49 تغريدة 51 قراءة Oct 13, 2023
[موقف الشافعية المتأخرين من بدع القبور ومن الاستغاثة..وتحرير موقف الشيخين السبكي والهيتمي غفر الله لهما]
لا يختلف موقف علماء الشافعية المتأخرين في هذه المسألة عن موقف غيرهم من علماء الأمة الإسلامية، فهم موافقون للإجماع في ذلك، ودونك أسفل التغريدة بعض أقوالهم:
قال النووي رحمه الله (676هـ): "قال العلماء: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- والتابعون إلى الزيادة.."
وقول النووي رحمه الله السابق: "خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية"
فيه رد على من يزعم أن المبالغة في تعظيم القبر الشريف لا تصل إلى الكفر، فهذا النووي وهو ركن الشافعية الركين يصرح بذلك بما لا مزيد عليه
ثم إنه يتبين بوضوح تعليل النووي لدخول القبر الشريف في المسجد النبوي بسبب التوسعة، وهو نفس تعليل أهل السنة والجماعة سواء بسواء، بخلاف تعليل غيرهم ممن أهملوا هذه العلة والعذر الخاص، وجعلوا وجود القبر داخل المسجد النبوي دليلا في حد ذاته على استحسان بناء المساجد على القبور
والشافعية نصوا على أن الذبح للنبي صلى الله عليه وسلم هو ذبح لغير الله، ولا يحل أكل الذبيحة، فكيف يكون حكم الذبح لقبور الأولياء والصالحين؟! ومعلوم بضرورة العقل والشرع أنهم دونه في المنزلة.
وقال الحافظ شمس الدين الذهبي (748هـ) في ترجمة السيدة نفيسة بنت أمير المؤمنين الحسن بن زيد بن الحسن بن علي رضي الله عنهما: "ولجَهَلَة المصريّين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف، ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العبيدية"
وذكر الحافظ ابن كثير (774هـ) ترجمة السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد القرشية الهاشمية في حوادث سنة (٢٠٨هـ)، ونقل عن ابن خلِّكان أنَّه قال: (ولأهل مصر فيها اعتقاد)، ثم قال رحمه الله معلّقا: "وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرا جدّا، ولا سيما عوامّ مصر..يتبع
فإنهم يُطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدّي إلى الكفر والشرك، وألفاظًا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنه لا تجوز… والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها..يتبع
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام، ومن زعم أنها تفكّ من الخشب أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك"
ويقول الحافظ ابن كثيرٍ أيضًا متحدثًا عن البكري الذي ردّ عليه ابن تيمية في كتابه (الاستغاثة): "له رد على الشيخ تقي الدين ابن تيمية في مسألة الاستغاثة بالمخلوقين، أضحك فيها على نفسه العقلاء، وشمت به فيها الأعداء..يتبع
لأن مثله مثل ساقية صغيرة كدرة الماء لاطمَت بحرا عظيمًا صافي الماء قد مُلِئ درًّا وجوهرًا وحكمةً وعِلما، أو كرملة صغيرة أرادت زوال جبل شامخ عن محله حطما…. "
وقال ابن النحاس الشافعي (814هـ): "ومنها إيقادهم السرج عند الأحجار والأشجار والعيون والآبار، ويقولون: إنها تقبل النذرَ، وهذه كلها بدع شنيعة ومنكرات قبيحة تجب إزالتها ومحو أثرها، فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضرّ وتجلب وتدفع..يتبع
وتشفي المرض وتردّ الغائب إذا نذر لها، وهذا شرك ومحادة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم"
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) جوابا عن سؤال خاص بقبر السيدة نفيسة: "ذكر بعض أهل المعرفة أن هذا القبر الذي يزار ليس قبرها لكنها دفنت في تلك البقعة بالاتفاق وما زال قبرها مقصودا بالزيارة وقد غلا في ذلك بعض العوام بل كلهم حتى إن بعضهم يقع في الكفر وهو لا يشعر والله المستعان"
وفي كلام ابن حجر رحمه الله تنبيهات:
1- أن كل العوام قد غلوا في القبر، فالوصف بالغلو في القبور ليس وصفًا مستهجَنًا كما يدعي بعض المتأخرين من الصوفية وغيرهم.
2- أن بعض هؤلاء العوام يقعون في الكفر فلم يقل ابن حجر مثلا "مهما فعلوا فلا يمكن أن يقعوا في الكفر؛ لأنهم يشهدون الشهادتين!
ولو تأملت هذا دون أي انطباع مسبق لعلمت أن قول غلاة الصوفية والأشعرية المتأخرين بوجوب تأويل أفعال من يشهد الشهادتين هو قول فاسد، وفيه إهدار لأبواب الردة في الكتب ؛ولم يقل الفقهاء:يجب تأويل أفعالهم. نعم، قد يعذر الفاعل لجهله حتى يعلم، لكن هذا باب آخر غير الحكم على الفعل نفسه
وقال تقي الدين المقريزي (845هـ): "والناس في هذا الباب -أعني: زيارة القبور- على ثلاثة أقسام: قوم يزورون الموتى فيدعون لهم، وهذه هي الزّيارة الشرعيّة. وقوم يزورونهم يدعون بهم، فهؤلاء هم المشركون في الألوهيّة والمحبّة. وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم..يتبع
وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد»، وهؤلاء هم المشركون في الربوبيّة. وقد حمى النبيّ صلى الله عليه وسلم جانب التّوحيد أعظم حماية؛ تحقيقًا لقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}"
وقال أيضا: "وبالله إنّ الفتنة بهذا المكان [أي: المكان الذي يزعم بعضهم بأنه قبر أبي تراب النخشبي]، والمكان الآخر من حارة برجوان الذي يعرف بجعفر الصادق لعظيمة، فإنهما صارا كالأنصاب التي كانت تتخذها مشركو العرب، يلجأ إليهما سفهاء العامّة والنساء في أوقات الشدائد...يتبع
ويُنزلون بهذين الموضعين كربهم وشدائدهم التي لا يُنزلها العبد إلا بالله ربه، ويسألون في هذين الموضعين ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده، من وفاء الدين من غير جهة معينة، وطلب الولد ونحو ذلك، ويحملون النذور من الزيت وغيره إليهما..يتبع
ظنا أن ذلك ينجيهم من المكاره، ويجلب إليهم المنافع، ولعمري إن هي إلّا كرّة خاسرة، ولله الحمد على السلامة"
وقال الفقيه بدر الدين حسين بن عبد الرحمن الأهدل الشافعي الأشعري (855هـ) صاحب كتاب تحفة الزمن: "والاستغاثة بالمشايخ الأموات والأحياء مما أطبق عليه المتأخرون من المتصوّفة، ولم يُنقل عن السلف المتقدمين؛ لمعرفتهم بأنّ الاستغاثة بغير الله تعالى لا تجوز ولا تنفع..يتبع
قال الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 56] وغير ذلك من الآيات. ولم يُنقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أذِن لأحد من الصحابة رضي الله عنهم في الاستغاثة به في شدّةٍ قط..يتبع
وكان حاضرًا يوم أُحد فلم يملك من الأمر شيئًا كما قال الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128]، وإنما يُستشفع به إلى الله تعالى في تفريج الكرب وتسهيل الشدائد، وكذا بالصالحين من عباد الله، فاعلم ذلك ولا تتبع جهالات المتأخرين"
وقال جلال الدين السيوطي (911هـ): "وهذه العلة التي من أجلها نهى الشارع التي أوقعت الناس في الشرك الأكبر.. ولهذا تجد أقواما كثيرة من الضالين يتضرّعون عند قبور الصالحين"
يذكر بعض الفقهاء أن الإنسان يكفر إذا اعتقد أن غير الله مؤثر، فيفهَم منها الاشعرية الصوفية أنه إذا دعاه بما لا يقدر عليه ولم يعتقد فيه التأثير بذاته لم يكفر!
نقول: إن اعتقاد استقلالهم عن الله بالتأثير لا يقول به أحد، ولا حتى عباد الأوثان من المجوس والهندوس وغيرهم، فجميع الديانات لديها فلسفة “الإله الأعظم” الذي له التأثير المطلق، وبقية الأصنام لها تأثير جزئي تابع للإله الأعظم.
ويقرر هذه الحقيقة محيي الدين شيخ زاده حيث يقول: "مَن يعبد هذه الأحجار المنحوتة في هذه الساعة لا يعبدها على اعتقاد أنّ لها تأثيرًا وتدبيًرا في انتظام أحوال هذا العالم السفلي؛ فإن بطلان ذلك معلوم ببديهة العقل وما عُلم بطلانه ببديهة العقل لا يذهب إلى صحته الجمّ الغفير والقوم الكثير"
ويقرر تلك الحقيقة أيضا السعد التفتازاني فإنه ذكر أن عباد الأصنام لا يعتقدون التأثير في أصنامهم قال: "فلهم في ذلك تأويلات باطلة"، ذكر خمسة تأويلات، ثم قال في الخامس: "الخامس أنه لما مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله تعالى اتخذوا تمثالا على صورته وعظموه تشفُّعًا إلى الله وتوسلا"
تحرير مذهب التقي السبكي وابن حجر الهيتمي:
بداية نقول: لا ينبغي أن يظن مسلم بعلماء الإسلام أنهم يجوزون الشرك الصريح بالله كسؤال البدوي والجيلاني جلبَ الرزق والشفاء وغير ذلك، فإن هذا مما ينزه عنه المسلم العادي، فكيف بعالم مثل الهيتمي الذي ألف الزواجر والإعلام وغيرهما؟!
وقبل أن نحرر مذهبهما لا بدّ من بيان أمور:
الأمر الأول: أن ابن حجر الهيتمي يرى تكفير الداعي لغير الله فيما لا يقدر عليه، والاعتقاد في الأولياء، ونقل عبارة الفروع لابن مفلح في كتابه (الإعلام بقواطع الإسلام) وأقره عليها.
قال الهيتمي: "وحاصل عبارة الفروع أن مما يكون كفرا جحد صفة له تعالى اتفق على إثباتها… ومن ذلك أن يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط يتوكّل عليهم ويدعوهم ويسألهم قالوا: إجماعا"
الأمر الثاني: أن ابن حجر الهيتمي يرى في (الزواجر) أن المساجد المبنية على الأضرحة يجب هدمها وهي أضر من مسجد الضرار.
قال: "الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها"
وقال: "وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة محمول على غير ذلك؛ إذ لا يُظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم لعنُ فاعله، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار"
وعليه فهو لا يقر أبدا ما يحصل عند أضرحة الأولياء، وإنما تجويزه الاستغاثة بالمعنى الذي سوف نوضحه إنما هو أمر خاصّ بالرسول حال زيارته. وهذا واضح من اسم كتابه (الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم) فهو خاص بزيارة القبر الكريم
الأمر الثالث: أن الهيتمي يرى في (الجوهر المنظم) في معرض الكلام على منع التبرك: أن المبالغة في تعظيم قبر الرسول بما لم يأذن به الشرع تصل إلى الكفر.
فقال: “قال الحليمي وغيره من أئمتنا: يُكره إلصاق الظهر البطن بجدار القبر المُكرم. انتهى. وينبغي أن يُلحق بجداره الجدار الحائز عليه صلى الله عليه وسلم وكان القياس تحريمهما، لكن لما كان شأن ذلك عند فاعليه أنهم لا يفعلونه إلا لقصد التبرك به جهلًا بما يليق به من الأدب؛..يتبع
اقتضى ذلك رفع الحرمة وإثبات الكراهة، ولا عبرة بذلك القصد في نفي الكراهة أيضًا زجرًا لهم عن التهجم عليه بما لم يؤذن لهم فيه. من ثم تعيّن على كل أحد ألا يُعظمه إلا بما أذن الله لأمته من جنسه مما يليق بالبشر، فإن مجاوزة ذلك تُفضي إلى الكفر والعياذ بالله"
وَخلاصة رأيهما في المسألة وزبدته: أن الاستغاثة بالرسول ليست هي الطلب المباشر من الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما معناها: التوسل أو طلب الدعاء منه.
ولما كانت هذه المسألة الأخيرة أعني طلب الدعاء ظاهر لفظها شركيا وتؤول إلى الشرك، والعامة لا تُفرق بين الألفاظ ومجازاتها كان الصواب ما عليه الجمهور، وهو تحريمها، وقد أخطأ فيها السبكي والهيتمي غفر الله لهما وإن كانا متأوّلين.
لذلك يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحَّت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمّة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتآليف فيها، وإن كان مخطئا في هذه المسألة أي: الاستغاثة بالرسول أو غيرها؛ كابن حجر الهيتمي...."
ومما سبق نعلم أنهما لم يجوزا الاستغاثة بالأولياء، وإنما جوزا صورةً معينة من التوسل والتشفع، وخصوها بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لما له من حقّ الشفاعة التي أعطاه الله إياها، ومن هذا الباب الدقيق التبس الحقّ على الصوفية المتأخّرين والمعاصرين بناءً على كلام مشتبه لبعض العلماء..يتبع
وبنوا عليه الشرك المحض، وظنوا أنّ صرف العبادة لغير الله من مسائل الخلاف السائغ! ثم توسعوا فيه ليشمل الاستغاثة بالأولياء والصالحين واستحسان بناء المساجد على القبور ونحو ذلك، ومعلوم أن البدعة تبدأ شبرًا وتنتهي كفرا، والعياذ بالله تعالى.
وإذا أردتَ بيان ذلك بوضوح وجلاء، فانظر إلى كيفية تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع واقعة قول الجارية: "وفينا نبيّ يعلم ما في غد"، فنهاها النبي عليه الصلاة والسلام عن قولها، وقال لها: «لا تقولي هذا، وارجعي إلى ما كنتِ تقولين»
مع أنه قد يكون لكلامها صحيح، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قد يعلم بعض الغيبيات بإطلاع الله له عليها لكن لما كان ذلك قد يكون ذريعة إلى الفهم المغلوط، وإلى اختلاط مقام النبي عليه الصلاة والسلام بما يختص به الله تعالى نهى عنه لسد هذا الباب حماية لجناب التوحيد، وحسما لمادة الشرك.
وخلاصة مذهب الشافعية:
1- تحريم تعظيم القبور وبناء المساجد عليها.
2- جواز التوسل بالصالحين إلى الله تعالى، وتحريم الاستغاثة بهم وجعلوه شركًا أكبر.
3- حكموا عمليا على أن العامة يقعون في الشرك، وهذا خلاف ما يقرره القبورية من أنه يجب تأويل أفعالهم.
4- السبكي والهيتمي قد وافقا الشافعية في جميع ما سبق، إلا أنهما جوّزا الاستغاثة بالرسول بمعنى التوسل به إلى الله تعالى أو سؤاله الدعاء، وهذه الأخيرة من البدع كما أسلفنا.
ومما سبق يتبيّن بجلاء موافقة الشافعية لبقية المذاهب الفقهية في تحريم بدع القبور بكافة أنواعها، واعتبار بعضها من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وأنهم مطبقون على ذلك، ومخالفة بعضهم إنما هي مخالفة في أمورٍ مستثناه لا تنسحب لتكون أصلًا عاما أو قاعدة مطردة عند قائله.
انتهى.

جاري تحميل الاقتراحات...