الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله!
أما بعد:
فلو كان ثَمّ دروس يجب تعلُّمها لكل من يشاهد أحداث عالمنا العربيّ هذه الفترة، فإني أزعمُ أن ثلاثةً هي ذُروة سنام هذه الدروس.
أولًا: لن يكونَ النصرُ أبدًا في يد من جعل حياته متاعًا للتفاهة وتقضية الوقت، من ينفق طويل ساعته وهو
أما بعد:
فلو كان ثَمّ دروس يجب تعلُّمها لكل من يشاهد أحداث عالمنا العربيّ هذه الفترة، فإني أزعمُ أن ثلاثةً هي ذُروة سنام هذه الدروس.
أولًا: لن يكونَ النصرُ أبدًا في يد من جعل حياته متاعًا للتفاهة وتقضية الوقت، من ينفق طويل ساعته وهو
يدافع السأم والملل عن نفسه بمهما يجد عنده، من لا يدري أيّ وُجهة هو مولّيها وأيّ قِبلة يستقبلها، سواء كان هذا الذي يشتت عبره تركيزه أفلامًا أو مسلسلات أو كتبًا، طالما لم تكن مدوزنة ببوصلة مشروع واضح. إنما النصر يأتي على أيدي مَن أسلموا حياتهم إلى مشروع هو بؤرة تفكيرهم ومركز حياتهم
فلا يفعلون ما يفعلون إلا ليصبّ هنا، الموحّدونَ لله الذين لا يأبهون بما يكون طالما هم يقومون بواجبهم. أحمد يا.. ـسـين المؤسس، والعديد من الشـ.ـهداء السابقين، ومهندسون تخلّدت أسماؤهم في المسيّرات الصواريخ التي صنعوها، ارتقوا ولمّا يروا ما تفعل اليوم بالأعداء، فهم أنكروا ذواتهم
وجعلوها تمامًا وقودًا للمشروع، وكانوا مستعدين منذ اللحظة الأولى لدفع التكلفة كاملةً لأجل ذلك. هؤلاء وحدهم من تكون لهم الغَلَبة والنصر.
ثانيًا: "ويبقى الأمل في أولئك الأحرار، الذين لا يُمجّدون إلا الله" -علي عزت بيجوفيتش. فليس من نظام أخلاقي ومعيار تقييميّ وأيديولوجيا أنتجها الغربيّ إلا وهي صنم يأكله في أوقات الاستثناء -وما أكثرها-، ليس سوى ثرثرة أخلاقية عالية يتسلّى بترديدها بعد أن يسكن بيته الذي اغتصبه أجداده
قبل سنين طويلة من هنديّ أحمر، أو بعد أن يتناول وجبة من رأس مال متراكم كان أصله موارد استُنزِفت مستعمرةٌ ما لإنتاجه، فهو الآن رائق البال هادئ النفس يستعمل آخر مناهج الفلسفة التحليلية ليحدد بدقة الفروق بين مستويات الأخلاق وشروطها وأحوالها ومعنى أن يكون الفرد أخلاقيًّا، في ما هو يقف
على جماجم ويغرق في دماء من أبادهم. واهمان اثنان فلنحذر أن نكونهم: مَن يحسَب أنّ عبادة العجل الأخلاقيّ الذي اصطنعوه وترديد ترانيمه معهم "حقوق الإنسان، الاضطهاد، الليبرالية، الحرية، الشفافية، المحاسبة" ستشفع له عندهم، وستظفره على عدوه، أو أن العمل في منظماته "الإنسانية" و"الحقوقية"
أو التي يموّلها من طَرف خفيّ سيكون على يدها فتح أو فائدة، (..فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡیَسۡتَجِیبُوا۟ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ). والواهم الثاني من يظنّ أنّ هذه الأيديولوجيات تصلح طريقًا للحياة والتقدم والنهضة، وأنه يمكن فصلها عن الأرضية الاستعمارية التي أنتجتها،
وأنّ في إمكاننا أن نرفض الغرب ونسير بناء على المثال الأخلاقي الذي أنتجوه فنبلغ شيئًا، التنوير ليس من أدّى لتقدم الغرب -أو ليس الأساس في ذلك على الأقل-، وإنما الاستعمار ومنطق الغلبة والشوكة.
ثالثًا: تبتدئ نُصرة الأمة لا من التضامن الإسفيريّ ورفع الأعلام والهتاف لصالحها -وهي أشياء مهمة لا شك-، بل يبتدئ بإخلاص المرء في المسؤولية بين يديه، وفي قيامه بواجب وقته على أتمّ ما يكون. فإن كان خليًّا ليس له من شغل دعا لهم وأعدّ لهذا الدعاء كما يُعِدّ لمقابلة عمل،
يرجع لمعرفة آداب الدعاء ومستحباته وأفضله وما يحسن في هذه المواقف وغيرها. إذا كان طبيبًا اجتهد في إصلاح أحوال مرضاه، ومحاولة تحسين بيئة العمل، والتخفيف من معاناة الناس، ونحوه. وإن كان ربّ منزل عمل على إصلاح أهله وتربيتهم وجعل نفسه قدوةً حسنة ينشدونها. وإن كان تاجرًا تحرّى العدل
والقسط في تجارته، وتعامل بآداب الإسلام في ديونه من إنظار وتصدّق على المُعسرين، وأن يعي أنّه مال الله عز وجل الذي بين يديه، فيؤتي منه صدقةً وزكاةً.
يحكي عبد الوهاب المسيري -وهو صاحب أهمّ الأعمال المؤثرة في فهم اليهـ..ـودية والصهـ..ـيونية من الباحثين العرب- أنه خلال حرب سنة 1973 وبينما كانت زوجته ملتصقة بالتلفاز لا تغادره وهي تتابع أحداث الحرب، كان منعزلًا جالسًا في مكتبه يعمل على "موسوعة اليهـ.ـود واليهـ..ودية والصهــيونية"،
كان رحمه الله محسنًا ويعلم دوره، وقام به على أكمل وجه (لا يُفهَم من هذا عدم مبالاته بالحرب، فقد كان مُلمّا بطبيعة الحال بما يجري، لكنه اعتبر الإلمام التفصيلي بماجريات ما يحدث غير مفيد، فليس له ما يقدمه سوى أن يقوم بعمله على أتمّ وجه)
والناظم لكل ذلك هو أنّي أحسب أن ّ هذا الفتح الجليل لهذه الثُّلّة الكريمة، حصيلة وجود شباب جادّين صادقين مُخلصين مستعدين للتضحية، من مختلف التخصصات والوظائف والأعمال، أخلصَ وأحسنَ فيها المهندس في عمله، والمقاتـ...ـل في تدريبه، والغنيّ في أمواله،
والسياسيّ في سياسته، والطبيبة في طبها، ، والتاجر في تجارته، والأب والأم في بيتهما، وكلٌّ في عمله، لا يخشون إلا الله، ولا يرجون إلا الله، فكانت هذه المعجزة الجليلة بفضل من الله تعالى.
جاري تحميل الاقتراحات...